
أعادت تصريحات رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي السابق، غادي آيزنكوت، التي هاجم خلالها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى الواجهة مجدداً، الجدل حول دور العسكريين في السياسة الإسرائيلية.
آيزنكوت قال خلال مشاركته في مؤتمر "إسرائيل في عهد الأزمات" الذي نظمه معهد للسياسات الاستراتيجية في هرتسيليا شمال تل أبيب، الخميس الماضي، إن "هناك غياباً لقيادة حقيقية ملهمة في البلاد".
وأشار إلى أن الجمهور في إسرائيل فقد ثقته بالقيادة. وانتقد "الهجوم الحاد" الذي يوجهه البعض للأجهزة القضائية، لافتاً إلى أن هناك مَن يعمل على تدميرها، في إشارة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وذكر آيزنكوت أن "المشكلة الأساسية تتمثل في انعدام ثقة المواطنين بالقيادات السياسية، وعدم الالتزام بتعليمات وزارة الصحة والحكومة خلال جائحة كورونا"، معتبراً أن هناك حالة "فوضى" ناجمة عن فقدان الثقة بالمستوى السياسي واعتباراته عند محاولة علاج الانتشار الوبائي الذي وصل إلى مستويات غير عادية.
رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، عزا انعدام الثقة بين المواطنين والساسة إلى "عدم وجود استراتيجية واضحة للتعامل مع وباء كورونا وغياب القيادة"، مطالباً الحكومة بـ"مصارحة الجمهور بالحقيقة".
وأضاف آيزنكوت: "عليهم مصارحة الناس بأن هناك وباءً، وأنه لن يختفي قبل نهاية صيف عام 2021".
وعلى الرغم من الجدل الذي شهدته إسرائيل طوال الفترة الماضية حول تعامل الحكومة مع جائحة كورونا، فإن الصحافة الإسرائيلية رأت في تصريحات آيزنكوت "انتقادات مباشرة" لنتنياهو، عبر اتهامه بالفشل في إدارة الأزمة الصحية، والقيام بخطوات من شأنها التسبب في انهيار منظومات أساسية في البلاد، وعلى رأسها الجهاز القضائي والشرطة، في محاولة لإلغاء محاكمته والبقاء في سدة الحكم.
عودة الجنرالات
الصحافة الإسرائيلية ربطت بين تصريحات آيزنكوت الأخيرة وما يتم تداوله في الأوساط السياسية والإعلامية حول اعتزامه دخول المعترك السياسي في الانتخابات القادمة، سواء من خلال تأسيس حزب سياسي جديد بالشراكة مع رئيس بلدية تل أبيب، أو عبر الالتحاق بأحد أحزاب المعارضة الإسرائيلية. وهذا ما وضع انتقادات آيزنكوت لنتنياهو في سياقات مختلفة، وأعاد إلى الواجهة من جديد ملف الجنرالات المتقاعدين في السياسة الإسرائيلية.
على مدى سنوات طويلة، ثمّة هالة غير عادية رافقت رجال المؤسسة العسكرية، وتحديداً قائدي هيئة الأركان السابقين، في مجتمع يبدو جميع أفراده جنوداً دائمين في الجيش. فبحسب قانون الخدمة العسكرية الذي صدر عام 1986، بناءً على قانون سابق بالاسم ذاته يعود إلى عام 1949، وتم تعديله في عام 1959، وفق الموقع الرسمي للكنيست، فإن كل فرد يحمل الجنسية الإسرائيلية، ويبلغ من العمر 18 عاماً، ملزم بأداء الخدمة العسكرية لمدة 3 سنوات، والانخراط بعدها في قوات الاحتياط حتى يتم تسريحه.
هذا الواقع، يبدو مشابهاً لما يحدث في العديد من دول العالم، إلا أن الأمر في إسرائيل يأخذ اتجاهاً مختلفاً منذ الإعلان عن إنشائها بعد النكبة الفلسطينية عام 1948، إذ شكلت نظرية "فرن الصهر" أرضية للتعامل بين الجيش والمجتمع في إسرائيل.
دور المؤسسة العسكرية
صاحب نظرية "فرن الصَّهر" هو رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول ديفيد بن غوريون، الذي رأى في الجيش بوتقة لصهر اليهود المهاجرين من مختلف أنحاء العالم، لصياغة "اليهودي الجديد" مع كل المواصفات المطلوبة لبناء الدولة الناشئة بما فيها القيم الاجتماعية، والرموز السياسة، والمعتقدات المطلوب منه تذويبها والإيمان بها، لخلق مواطن يخدم المصالح والأهداف المحددة للدولة الجديدة.
وكان لجنرالات الجيش وضباطه الدور الأبرز في ضمان تنفيذ هذه المهام منذ عام 1948 حتى اليوم، وحاز هؤلاء مكانة اجتماعية خاصة، وكلما ارتفعت المناصب التي يشغلها الضباط زاد الاحترام لهم، وتمكنوا من تحقيق إنجازات أكبر.
وانتقل العديد من الجنرالات الإسرائيليين إلى الحياة السياسية بعد انتهاء خدمتهم العسكرية، ووصل بعضهم إلى رأس الهرم السياسي، ليشغل منصب رئيس الحكومة، كإسحاق رابين، وأرييل شارون، وإيهود باراك.
كما وصل ضباط آخرون إلى مراكز سياسية هامة كموشيه ديان، وزير الدفاع في حربي عام 1967 وأكتوبر 1973، ووزير الخارجية في وزارة مناحيم بيغن عند التوصل إلى اتفاق سلام مع مصر، بالإضافة إلى عيزر فايتسمان قائد سلاح الجو السابق والرئيس السابع لإسرائيل، وإسحاق مردخاي وزير الدفاع في حكومة نتنياهو الأولى عام 1996، وغابي أشكنازي رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية السابق ووزير الخارجية الحالي، وبيني غانتس وزير الدفاع الحالي ورئيس الحكومة الإسرائيلية البديل حسب الاتفاقات الائتلافية الموقعة بين حزبه "أزرق أبيض" والليكود، والذي من المفترض أن يتبوأ منصب رئيس الحكومة الإسرائيلية في نوفمبر 2021.
ولطالما خلق جنرالات الاحتياط والقيادات الأمنية الأخرى كرؤساء الشاباك والموساد، حالة من الرعب لدى السياسيين في إسرائيل عند الحديث عن انتقالهم إلى الحلبة السياسية، ما دفع السياسيين لسن قانون في عام 2003 "قانون التبريد"، يفرض على العسكريين الابتعاد عن المعترك السياسي لمدة 6 أشهر على الأقل من تاريخ إنهائهم خدمتهم، وتم تعديل هذا القانون عام 2007، لتمدد الفترة المطلوبة من 6 أشهر إلى 3 أعوام.
وشغل الجنرال إسحاق رابين منصب رئيس الوزراء لفترتين الأولى بين عامي 1947 و1977، وبعدها من عام 1992 حتى تاريخ اغتياله في الرابع من نوفمبر عام 1995.
وفي الأولى استقال رابين، بسبب حساب بالدولار تابع لزوجته، وفي الثانية توصل إلى اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، واتفاق وادي عربة للسلام مع الأردن، وبدأ محادثات مع السوريين لم تكتمل بسبب اغتياله.
كما وصل إيهود باراك، الحاصل على أكبر عدد من أوسمة التقدير في الجيش الإسرائيلي، إلى منصب رئاسة الوزراء في انتخابات مباشرة، هزم فيها منافسه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو في السادس من يوليو عام 1999، وبقي في منصبه حتى السابع من مارس عام 2001 في واحدة من أقصر فترات رئاسة الوزراء، بعد أن قاد مفاوضات كامب ديفيد مع الفلسطينيين، ومباحثات مع السوريين للوصول إلى اتفاقية سلام مشتركة.
ولم تنجح المفاوضات السياسية التي خاضها باراك في التوصل إلى اتفاقات سلام وقادت إلى اندلاع الانتفاضة الثانية التي وضع بعدها باراك شعار: "غياب الشريك"، في إشارة إلى فشله في التوصل إلى سلام مع الجانب الفلسطيني، وهو شعار ما زال يسيطر على أجزاء واسعة من الشارع الإسرائيلي حتى اليوم.
في عام 2001، وصل أرييل شارون إلى سدة الحكم في إسرائيل وظل يشغل منصب رئيس الوزراء حتى تعذر عليه ذلك بسبب إصابته بجلطات دماغية أجبرته على التنحي عام 2006.
واتُّهم شارون بالمسؤولية المباشرة عن نشوب الانتفاضة الثانية، عندما أصر على زيارة المسجد الأقصى واستغلال الأوضاع الأمنية الناجمة عن تداعيات الزيارة، للوصول إلى سدة الحكم في انتخابات فبراير عام 2001.
وطبّق شارون خطة الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية، ووفقاً لبعض المقربين منه، كان يعتزم تنفيذ انسحابات مماثلة في الضفة الغربية وترسيم حدود إسرائيل، وفقاً لرؤيته الأمنية.
وبحسب مقال للكاتب الإسرائيلي مارتين شيرمن نشره موقع ميديا اليميني، فإنه بالنسبة لليمين الإسرائيلي، أصبح رابين وباراك وشارون، حكاية فشل، وبات الجنرالات المتقاعدون المتوجهون نحو المشاركة في الحياة السياسية أشبه بلعنات على شعب إسرائيل في نظر بعض القوى اليمينية المتطرفة.
ووفقاً لشيرمن، يمكن تصنيف الجنرالات في السياسة الإسرائيلية، إلى قسمين: الأول يضم مَن نجح في الوصول إلى منصب رئاسة الوزراء، والثاني مَن فشل وقذفته أمواج السياسة بعيداً.
وبالنسبة إلى القسم الأول، فإن الوصفة التاريخية سيئة من دون استثناء، فكل واحد من هؤلاء الجنرالات الذين وصلوا إلى منصب رئيس الحكومة، ترك وراءه تراثاً من الخراب والانهيار والفشل. فإسحق رابين، على الرغم من مخاوفه وتحفظاته الكثيرة، أشرف على تطبيق اتفاق أوسلو الذي ترك شوارع إسرائيل غارقة في الدماء، بحسب شيرمن.
أما أرييل شارون فيرتبط لدى الإسرائيليين بانسحابه من غزة، وهي الخطوة التي أدانها بنفسه، ليحقق جميع "الأخطار" التي تنبأ بها وحذر منها، بالإضافة لفرضه التهجير القسري، على آلاف الإسرائيليين المنتجين، وترك بيوتهم مشاعاً للنهب.
كما أن ثمة قناعةً لدى اليسار الإسرائيلي بعد تجربة رابين وباراك، بأنه يستطيع العودة إلى الحكم فقط من خلال شخصيات عسكرية بارزة، وفقاً للمعلقة السياسية لقناة "كان" الإسرائيلية، حنان كؤيستال، التي أشارت إلى أن استراتيجية اليسار ترتكز على جذب مصوتين من معسكر اليمين، بعد تطوير نوع من القناعة في أوساط السياسيين والباحثين في إسرائيل، بأن هناك أغلبيةً بنيوية لليمين في الشارع الإسرائيلي، يمكن كسرها فقط عبر هالة الجنرالات.
غانتس ونتنياهو
في حفل وداعه وتسليم مهامه إلى خليفته غادي آيزنكوت في 16 فبراير 2015، وصف بنيامين نتنياهو شريكه في الحكم بيني غانتس بأنه "تحوّل من رئيس هيئة أركان ناجح إلى شخص مهزوز ومتهور سمح للإيرانيين بالولوج إلى هاتفه الخاص والحصول على مواد مصورة محرجة له تمكنهم من ابتزازه".
هذا ما جعل غانتس "شخصاً غير ناضج لتولي مناصب عليا"، وفقاً للحملة الإعلامية لحزب الليكود، لتتحول الادعاءات ضد غانتس إلى مركز الحملات الانتخابية لليكود في 3 حملات انتخابية خلال العام والنصف الماضيين. وباتت جزءاً من قناعات راسخة في أوساط مؤيدي نتنياهو في اليمين الإسرائيلي.
الاتهامات السابقة خدمت حملة نتنياهو الانتخابية، غير أنها عكست ربما تحولاً غير عادي في مكانة الجنرالات الإسرائيليين في السياسة والمجتمع، علماً بأن الاتهامات الموجهة إلى القيادات العسكرية والأمنية بانتمائها إلى معسكر اليسار المهادن للعرب، لم تتوقف عند غانتس وشريكه في حزب "أزرق أبيض" وزير الخارجية الإسرائيلي غادي آيزنكوت.
تجدر الإشارة هنا إلى أن ادعاء نتنياهو بأنه لم يخبر وزير دفاعه ووزير خارجيته بالمفاوضات الدائرة مع الإمارات العربية المتحدة "خوفاً من تسرّب هذه المعلومات ووصولها إلى جهات معادية" (في تلميح إلى إيران)، لم يحظَ باستهجان في الشارع الإسرائيلي.
الكلام الذي أدلى به آيزنكوت في مؤتمر "إسرائيل في عهد الأزمات"، عرّضه لانتقادات كثيرة. لدرجة أن وصفه أحد المواقع الإخبارية الإسرائيلية بـ"اليساري، و أحد أفشل رؤساء هيئة الأركان الإسرائيلية". ربما يعكس ذلك ملامح المعركة ضد الأخير، في حال قرر بالفعل خوض التجربة ودخول المعترك السياسي في إسرائيل.




