الخرطوم وجوبا.. خطوات "سودانية" نحو تكامل اقتصادي - سياسي | الشرق للأخبار

الخرطوم وجوبا.. خطوات نحو تكامل اقتصادي - سياسي

time reading iconدقائق القراءة - 10
قادة السودان وجنوب السودان يرفعون نسخاً من اتفاق سلام مع الحركات المسلحة في جوبا - REUTERS
قادة السودان وجنوب السودان يرفعون نسخاً من اتفاق سلام مع الحركات المسلحة في جوبا - REUTERS

شهدت العلاقات بين الخرطوم وجوبا تطوراً لافتاً خلال الفترة الأخيرة، ما فتح الباب مجدداً لتحقيق تكامل اقتصادي - سياسي يعزز التوافق بين السودان وجنوبه الذي أعلن استقلاله كدولة وليدة في عام 2011. 

ولعبت جوبا دوراً بارزاً في الوصول إلى اتفاق السلام الموقع بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة، والذي سيتم التوقيع عليه بشكل نهائي في 3 أكتوبر المقبل، بحضور عربي ودولي كبير.

استضاف جنوب السودان المفاوضات بين الحركات المسلحة وحكومة الخرطوم خلال عام كامل منذ توقيع إعلان المبادئ في أكتوبر 2019، الذي مهد الطريق للانخراط في مفاوضات شاقة توّجت بالاتفاق الأخير، بعدما ساهمت الخرطوم في 2018 بتحقيق اتفاق السلام في جنوب السودان، وهو ما فتح الباب أمام تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الحالية.

وعزا المحلل السياسي والصحافي الجنوب سوداني سمير بول، في حديثه لـ"الشرق"، نجاح جوبا في تقريب وجهات النظر بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة إلى عوامل عدة أبرزها أنها "ذاقت المرارة نفسها التي تجرعتها الحركات المسلحة من نظام الرئيس السابق عمر البشير"، مشيراً إلى أن "قادة الحكم في جوبا قاتلوا جنباً إلى جنب مع قادة الحركات المسلحة في دارفور وغيرها من المناطق في مواجهة نظام البشير، لذلك كان الجنوب المكان الأنسب لاستضافة المباحثات".

وفي هذا السياق، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم صلاح الدومة، لـ"الشرق"، إن جوبا لعبت دوراً كبيراً في تقريب وجهات النظر بين الحكومة والحركات المسلحة، مؤكداً أن "وساطة جنوب السودان قادت المفاوضات بتوازن بين الطرفين وبحياد تام وعقلانية".

عائدات البترول

وتشكل المصالح المشتركة بين البلدين والملفات الاقتصادية والسياسية العالقة، منذ إعلان جنوب السودان دولة مستقلة في 2010 بعد استفتاء شعبي، دافعاً أمام البلدين لإغلاق الملفات العالقة. 

ولعل ملف عائدات البترول من أبرز هذه الملفات، إذ يعد السودان المنفذ البحري الوحيد لدولة جنوب السودان. ويملك جنوب السودان عائدات نفطية كبيرة ظهرت منذ نهاية تسعينات القرن الماضي.

وإثر توتر العلاقات بين جوبا والخرطوم بعد الانفصال، توقف خط أنانيب النفط بين البلدين والذي يصب في ميناء بورتسودان شرقي السودان، ما أدى لتأزيم الوضع الاقتصادي.

وأدت الحرب الأهلية في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق التي تخضع أجزاء كبيرة منها لسيطرة "الحركة الشعبية ـ شمال"، إلى تعطيل الصادرات النفطية بين البلدين.

وساهمت جوبا بإيقاف الحرب في المنطقتين عبر اتفاق سلام بين "الجبهة الثورية" والحكومة السودانية، ما يسهل عودة تدفق الصادرات النفطية مرة أخرى في أجواء يحطيها الأمن والسلم.

وشكلت وزارة الطاقة والتعدين السودانية لجنة فنية مشتركة مع دولة جنوب السودان للنظر في قوائم الشركات العاملة في الدولتين بمجال النفط والمعدات والآليات المتعلقة بالشركات.

وأوضح مدير عام الاستكشاف النفطي بوزارة الطاقة والتعدين السودانية، هشام ساتي، في تصريحات صحافية، أن "اللجنة ستساعد على استئناف العمل وإنتاج النفط من ولاية الوحدة بدولة الجنوب، والبدء في المرحلة التشغيلية الثانية من الحقول النفطية الأخرى بالجنوب".

وفي سياق متصل، قالت وزيرة التخطيط الاقتصادي السودانيةهبة محمد علي، في تصريحات سابقة لوسائل إعلام سودانية، إن "بلادها بصدد فتح المعابر التجارية بين السودان وجنوب السودان وتعزيز التعاون في مجال النقل النهري لتسهيل حركة البضائع بين البلدين".

أزمات اقتصادية

وتواجه جوبا أزمة اقتصادية حادة دفعت البنك المركزي الشهر الماضي لإعلان نفاد احتياطي النقد الأجنبي في البلاد، على الرغم من تلقيها مؤخراً مساعدات أميركية بقيمة 108 ملايين دولار.

من جهتها، لا تزال الخرطوم تعاني أوضاعاً اقتصادية مضطربة في ظل انخفاض قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار، كما تواجه أزمات في نقص الوقود والكهرباء، بالإضافة إلى الآثار الكبيرة التي خلفها فيضان النيل.

وتوصلت الحكومة السودانية إلى اتفاق مع البنك الدولي يسمح بتقديم 1.5 مليار دولار كدعم سنوي، بالإضافة إلى متأخرات الديون المتراكمة منذ سنوات على الخرطوم.

وذكر المحلل السياسي سمير بول أن "الأزمة الاقتصادية في البلدين سببها الرئيس ليس نقص الموارد، بل الفساد، فلا بد من وجود تشريعات صارمة لحماية الموارد الاقتصادية في الدولتين، وخاصة في جنوب السودان الذي يواجه أوضاعاً صعبة خلال الفترة الأخيرة".

الحريات الأربع

وطرحت الخرطوم في وقت سابق تطبيق اتفاقية الحريات الأربع بين البلدين، المتمثلة في حرية التنقل والتملك والإقامة والعمل، مما يسهم في تحقيق التكامل الاقتصادي والسياسي بين البلدين.

ونقلت وكالة الأنباء السودانية "سونا" عن وزيرة المالية هبة محمد علي أن وفد بلادها ناقش خلال زيارته الأخيرة لجوبا تطبيق اتفاقية الحريات الأربع بين البلدين.

وحول هذه الخطوة قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، صلاح الدومة، إن "الحكومة الحالية تجاوزت أخطاء النظام السابق التي ساهمت في انفصال جنوب السودان، من خلال رؤية تكاملية جديدة ستفتح الباب في المستقبل للاندماج الكامل بين البلدين".

وأشار الدومة إلى أن "المواطن في شمال السودان يرى في جوبا جزءاً لا يتجزأ من الوطن الكبير، فالجنوبيون مرحب بهم في الخرطوم في أي وقت، حتى في ظل النظام السابق".

وأوضح المحلل السياسي سمير بول، لـ"الشرق"، أن تطبيق الحريات الأربع بين الخرطوم وجوبا ينم عن إرادة سياسية لدى الحكومتين لتجاوز أخطاء الماضي، مشيراً إلى أن السودانيين متواجدون بصورة طبيعية في جنوب السودان.

نزاع حدودي

وتمثل قضية منطقة "أبيي" إحدى القضايا الشائكة بين البلدين، فالنزاع الحدودي بين الحكومتين لا يزال مستمراً، وإن خفت صوته خلال الفترة الأخيرة.

وتزايد الاهتمام بمنطقة "أبيي" الغنية بالنفط، بعد انفصال جنوب السودان، لتصبح بؤرة للنزاع بين الخرطوم وجوبا، وساهم الصراع القبلي بين قبيلتي "المسيرية" العربية و"الدينكا" الإفريقية في زيادة حدة النزاع، نظراً للخلافات التاريخية حول مسارات الرعي في المنطقة.

ونتيجة للحرب والصراعات المستمرة في السودان وجنوب السودان، لم تُرسّم الحدود بين البلدين منذ انفصال الجنوب، لتعلن الحكومة السودانية على لسان نائب رئيس المجلس السيادي محمد حمدان دقلو أن "الصراع في أبيي سيُحل عبر التفاوض بين الحكومتين".

ويرى المحلل السياسي سمير بول أن قضية "أبيي" لن تشكل عائقاً في مسيرة العلاقات المتطورة بين البلدين، لافتاً إلى أنها  يمكن أن تتحول إلى منطقة تمازج.

وشدد أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم، صلاح الدومة، على أن "صدق نوايا الطرفين في الوصول لاتفاق حول أبيي هو المفتاح لحل الأزمة"، موضحاً أن "نظام البشير لم يكن لديه الإرادة للتوافق مع جنوب السودان في هذه القضية".