الحدود السودانية - الإثيوبية: أزمة تشتعل تحت الرماد | الشرق للأخبار

الحدود السودانية - الإثيوبية: أزمة تشتعل تحت الرماد

time reading iconدقائق القراءة - 11
رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان (يمين) في زيارة ميدانية للفشقة  - وكالة الأنباء السودانية
رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان (يمين) في زيارة ميدانية للفشقة - وكالة الأنباء السودانية

حينما توجه رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى ولاية القضارف في الـ 8 من أبريل الماضي، وخاطب أفراد الفرقة الثالثة مشاة على الحدود السودانية - الإثيوبية، مؤكداً جاهزية الجيش السوداني واستعداده التام لحماية البلاد وحدودها، لم يدر بخلد كثيرين مدى عمق الأزمة المتفاعلة في هذه المنطقة. 

هذه الأزمة التي ظلت ساكنة لأكثر من عقدين من الزمن تتعلق بما يسميه الجانب السوداني "انتهاكات متواصلة للأراضي الزراعية السودانية في منطقة الفشقة الحدودية من قبل مزارعين إثيوبيين، تحت حماية ميليشيات تستخدم أسلحة حديثة". 

ولم يمضِ وقت طويل على زيارة البرهان لينفجر الوضع مجدداً، إذ شنت مجموعة إثيوبية مسلحة هجوماً على المنطقة في الأسبوع الأخير من مايو الماضي، أدى إلى مقتل ضابط في الجيش السوداني، وإصابة عدد من السكان المحليين. هذا الأمر دفع الوضع إلى حافة الانفجار وأزال حال الجمود التي أطبقت على هذا الملف بعد أن تكتم عليه النظام السابق في السودان سنوات طويلة.

ماذا يحدث في الفشقة؟

الفشقة هي إحدى مناطق ولاية القضارف الـ5، وتضم الفشقة الكبرى والفشقة الصغرى. تبلغ مساحة الفشقة بشقيها مليونين و 650 ألف فدان، وتقع على خط الحدود بين السودان وإثيوبيا، الذي يبلغ طوله 265 كيلومتراً.

ويطلق أهالي المنطقة عليها مجازاً اسم "الجزيرة"، إذ تجري على حدودها 3 أنهر صغيرة. وتتميز المنطقة بتربتها الخصبة وأراضٍ مسطحة تسمح باستخدام الآلات الزراعية، علاوة على أمطارها الغزيرة في فصل الخريف، ما يجعلها منطقة ملائمة لزراعة أنواع عدة من المحاصيل. أما ولاية القضارف، فتعتبر من أهم المناطق الزراعية في شرق السودان حيث تتم زراعة العديد من المحاصيل المهمة مثل الذرة والسمسم وزهرة عباد الشمس وغيرها.

الأزمة في هذه المنطقة تتكون من شقين، الأول يتعلق بعبور مزارعين إثيوبيين موسميين الحدود السودانية خلال موسم هطول الأمطار كل عام لزراعة الأراضي الخصبة، وهذا قد يحدث في بعض الحالات من دون موافقة أهالي المنطقة. وتستعين هذه الفئة من المزارعين الإثيوبيين الذين يزرعون الأراضي بالقوة بجماعات مسلحة معروفة في المنطقة يطلق عليها مسمى "الشفتا"، وأحياناً بغطاء من الجيش الإثيوبي لفرض الأمر الواقع. أما الشق الآخر، فيتمثل في قيام إثيوبيا ببناء قرى كاملة داخل الحدود السودانية بكامل خدماتها من طرق وكهرباء ومياه، وهنا تأخذ الأزمة بعداً سياسياً أكثر تعقيداً.

الناطق باسم الجيش السوداني العميد الركن عامر محمد الحسن أكد لـ "الشرق" أن إثيوبيا توغلت نحو 24 كيلومتراً داخل الأراضي السودانية شرقي نهر عطبرة، وشرعت في تشييد قرى بكامل خدماتها. وأشار الحسن إلى أن شبكة الطرق الداخلية التي عبّدتها إثيوبيا داخل الأراضي السودانية يصل طولها إلى 102 كيلومتر.

ويشير الباحث في قضايا الحدود عبد المنعم أبو إدريس في حديث إلى "الشرق" إلى أن عدد المزارعين الإثيوبيين في هذه المنطقة تصاعد كثيراً مقارنة بالفترات السابقة، حيث يبلغ عددهم حالياً 1786 مزارعاً، فيما لم يتجاوز عددهم 71 مزارعاً في عام 1972. وارتفاع عدد المزارعين سيعني بطبيعة الحال زيادة رقعة الأراضي التي يستخدمونها، وهنا يؤكد أبو إدريس أن المزارعين الإثيوبيين خلال فترة السبعينات كانوا يتوغلون نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي السودانية، ويتم ذلك بتنسيق مسبق بين الحكومتين، وبالتراضي والاتفاق بين أهالي المنطقة والمزارعين الإثيوبيين. أما اليوم، فإنهم يتوغلون إلى نحو 20 كيلومتراً داخل الحدود من دون تنسيق مسبق بين أي جهات سياسية أو موافقة الأهالي.

مبارك النور، الذي يمتلك أراضي زراعية في منطقة الفشقة، وكان نائباً عن المنطقة في البرلمان خلال فترة النظام السابق، يلفت إلى أن الحكومة السابقة لم تتخذ أي إجراءات لحماية هذه المنطقة من تغول الجماعات الإثيوبية. ويمضي النور أكثر، فيصف سلوك الحكومة السابقة بـ"المتقاعس"، مشيراً إلى أن ذلك ساهم كثيراً في تدهور وضع المنطقة. كما يكشف أن الانتهاكات وصلت في بعض الأحيان إلى حد القتل والنهب وسرقة الممتلكات من قبل عصابات إثيوبية، وترقى إلى "درجة الاحتلال"، بحسب وصفه.

من جهته، يرى الرئيس السابق للجنة المشتركة السودانية الإثيوبية للحدود البروفسور عبد الله الصادق أن ما يحدث الآن من تجاوزات في هذه المنطقة يندرج في إطار الصراع الداخلي القبلي في إثيوبيا بين قبيلة "الأمهرا" التي لم تعد تحكم البلاد على الرغم من أنها تشكل أغلبية مؤثرة، وبين قبيلة "التغراي" التي تسيطر على السلطة السياسية في البلاد. ويدعم أبو إدريس هذه الفرضية، مشيراً إلى أن ملاك الأراضي في إقليم الأمهرا، الذي يقابل منطقة الفشقة على الجانب الإثيوبي، رجال أعمال يتمتعون بنفوذ قبلي واسع ويحظون بدعم قوي من الإدارة المحلية. وبحكم طبيعة النظام الإداري في إثيوبيا، فإن الحكومة المركزية، وعلى الرغم من عدم رغبتها في التصعيد، مضطرة لمراعاة التوازنات القبلية والإثنية.

من التنسيق إلى التجاهل

يعتبر التداخل الاجتماعي والاقتصادي بين السكان أمراً معتاداً في المناطق الحدودية، إذ تسود الروابط الأسرية والعرقية والقبلية بين جانبي الحدود. لذا، فإن عبور المزارعين الإثيوبيين إلى الأراضي السودانية ليس أمراً استثنائياً، ولكنه في السابق ظل يحدث في إطار العلاقات الممتدة على جانبي الحدود التي يبلغ طولها 265 كيلومتراً.

ويقول الباحث أبو إدريس إن حكومة الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري وقعت اتفاقاً مع الجانب الإثيوبي في عام 1972 سُمح بمقتضاه للإثيوبيين باستئجار أراضٍ سودانية بغرض الزراعة. وشُكلت حينها لجنة مشتركة بعضوية وزارتي الخارجية والدفاع في البلدين لمراقبة تنفيذ الاتفاق وتلافي أي تجاوزات. ويؤكد البروفسور عبد الله الصادق أن الاتفاق بين الحكومتين السودانية والإثيوبية خلال فترة حكم الرئيس جعفر نميري سمح للمزارعين الإثيوبيين بالاستفادة من الأراضي الخصبة في منطقة الفشقة وجبل حلاوة على الحدود بين البلدين بمقابل إيجاري واتفاق على تقاسم المحاصيل.

ومن جانبه، أكد الباحث الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد لـ"الشرق" وجود فراغ أمني سوداني خلال السنوات الـ25 الماضية، لافتاً إلى أن هذا الفراغ أحدث حالة من الانفلات الحدودي. 

ويقول عبد الصمد إنه "مع استعادة الدولة السودانية عافيتها وفرض سيطرتها على حدودها، بدأ الجيش السوداني بالانتشار في تلك المنطقة"، مشيراً إلى أنه مع اقتراب موسم الأمطار، يتصادم الجيش مع المزارعين الإثيوبيين، وهي رواية تختلف عن الرواية السودانية.

وفي سياق مشابه، يقول أبو إدريس إن "التنسيق مع إثيوبيا تعرّض لنكسة بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995، ويشير إلى أن اتفاقاً شفاهياً بين إثيوبيا والحكومة السودانية حينها قضى بانسحاب القوات السودانية إلى غربي نهر عطبرة وإخلاء المنطقة الواقعة شرق النهر، وهو ما خلق فراغاً أمنياً استغلته جماعات إثيوبية".

أفق الحل

الناطق الرسمي باسم الجيش يؤكد أن الوضع هادئ في المنطقة حالياً، مشدداً على أن استمرار الهدوء يتوقف بشكل أساسي على القوات الإثيوبية. ويشير الناطق الرسمي إلى أن قوات البلدين ملتزمة بمواقعها، إلا أنه لم يكشف على وجه التحديد النقاط التي ترتكز فيها القوات الإثيوبية. ويتوقف استقرار الوضع في الحدود على المضي قدماً في تنفيذ الاتفاقات التي توصل إليها الجانبان مؤخراً، وتتمثل في إعادة ترسيم الحدود ونشر قوات مشتركة لتنفيذ دوريات تمنع أي توغل غير مشروع. يقول أبو إدريس إن عملية إعادة ترسيم الحدود ستبدأ في أكتوبر المقبل عقب فصل الخريف، إذ سيبدأ العمل على إعادة وضع العلامات الدالة على الحدود بين البلدين، مشيراً إلى وجود خلاف حول نقطة أو نقطتين يجب على الجانبين التوصل إلى حل بشأنهما.

ويلفت الرئيس السابق للجنة المشتركة للحدود بين البلدين البروفسور الصادق إلى أن الحدود الإثيوبية ـ السودانية تم ترسيمها في عام 1902، إلا أن البلدين وقعا مجدداً على وثيقة مشتركة في وزارة الخارجية الإثيوبية بخصوص إعادة ترسيم الحدود في عام 2012، لكن لم تُتخذ أي خطوات عملية لتنفيذ الاتفاق على الأرض.

الأوضاع الراهنة تفرض على الجانبين ضغطاً استثنائياً للوصول إلى حل سريع للأزمة، فمن ناحية تسعى إثيوبيا لخلق اصطفاف سياسي إلى جانبها في مسألة سد النهضة، ومن جهة أخرى ترغب السلطات السودانية، وخاصة العسكرية، في تأكيد قدرتها على التصدي لقضايا كبرى تتعلق بالأمن القومي والأمن الإقليمي. إن الأثر الذي تخلفه الحدود الرخوة بين السودان وأثيوبيا لا يتوقف فقط عند التعدي على أراضي المزارعين، إنما يتجاوزه إلى قضايا أخرى تتعلق بنشاط عصابات تهريب البشر والهجرة غير الشرعية، وهو ما يمثل تحدياً إقليمياً ودولياً. 

ويرى أبو إدريس أن "التوصل إلى حلول ناجعة للقضايا العالقة بين السودان وإثيوبيا سيفتح الباب، من دون شك، أمام فرص واعدة للاستثمار بين البلدين".