لأول مرة في تاريخ الجزائر التي نالت استقلالها عام 1962، تطرح مشاريع قرارات تخص الجيش للنقاش السياسي والجماهيري، إذ تطرح مسودة مشروع تعديل الدستور الجزائري مقترحين ينصان على إمكانية مشاركة الجيش في عمليات حفظ السلام وإرسال وحدات عسكرية إلى الخارج، بعدما كان محظوراً على الجيش الجزائري تنفيذ مهام قتالية خارج الحدود الجغرافية للبلاد.
وعلى الرغم من تأكيد رئاسة الجمهورية الجزائرية عدة مرات أن مسودة الدستور التي أعدتها لجنة خبراء "قابلة للحذف أو التعديل أو الإضافة"، إلا أن من الواضح أنها ستقاتل للدفاع عن المقترحين المتعلقين بالجيش.
مقترحات مسودة تعديل الدستور
لجنة الخبراء الدستوريين الجزائريين، التي يقودها خبير القانون الدولي، أحمد لعرابة، أدخلت بندين إضافيين في نص المادتين 29 و95 من الدستور الحالي للجزائر.
وتنص المادة 29 على أن "الجزائر تمتنع عن اللجوء إلى الحرب لعدم المساس بالسيادة المشروعة للشعوب الأخرى وحريتها، وتبذل جهدها لتسوية الخلافات الدولية بالوسائل السلمية".
وأضافت لجنة الخبراء فقرة على المادة، تقول: "يمكن للجزائر في إطار الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، وفي ظل الامتثال التام لمبادئها وأهدافها، أن تشترك في عمليات حفظ سلام في الخارج".
أما المادة 95 التي تنص على صلاحيات رئيس الجمهورية، فأدرج فيها مقترح جديد كفقرة ثالثة يقول: "يقرر رئيس الجمهورية إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج بعد مصادقة البرلمان بأغلبية ثلثي أعضائه".
حزب العمال يرفض
البندان المقترحان كانا من أبرز التعديلات اللافتة التي طرحتها الرئاسة الجزائرية للنقاش، والتي فُسّرت على أن "الجزائر تتجه للتخلي عن عقيدة عسكرية دفاعية تحظر مشاركة الجيش في عمليات عسكرية خارج الحدود". وتأرجحت النقاشات حول هذه القضية بين رافضين ومؤيدين.
"حزب العمال" الجزائري المعارض أصدر بياناً أعلن فيه "تخوفه من إمكان انخراط الجيش الجزائري في أعمال عسكرية عدوانية ضد دول أخرى تحت راية الدول العظمى".
وأفاد "الحزب" في بيان بأن "دسترة خروج الجيش إلى الخارج، هي تخلي عن مبادئ الثورة التحريرية". واعتبر أن "المشاركة في مهام السلام ليست مبرراً للسماح بذلك لأن أغلب العمليات تقررها القوى العظمى، وعلى رأسها أميركا، وما ينجم عنها من تفكيك للدول ونهب ثرواتها".
وحتى وقت قريب، ساد إجماع "وطني جزائري" بالثبات على العقيدة العسكرية الدفاعية وعدم الانخراط في أي عمليات عسكرية خارج الحدود بداعي "عدم المساس بالسيادة الوطنية والترابية للدول وعدم التدخل في شؤونها الخارجية".
موافقة البرلمان
في سياق تعليقه على النقاش الدائر بخصوص خروج الجيش في عمليات خارج الحدود، قال الخبير الأمني، وضابط الاستخبارات المتقاعد، محمد خلفاوي، لـ"الشرق" إن "الترخيص للجيش الجزائري في المشاركة بعمليات سلام تحت راية الأمم المتحدة أمر عادي وليس جديداً"، مضيفاً أن الجزائر شاركت في مهام سلام أممية بعدة دول في الثمانينات والتسعينات".
تجدر الإشارة إلى أنه سبق للجزائر أن أرسلت ضباطاً للمشاركة في عمليات حفظ السلام، في كل من أنغولا وهايتي وكمبوديا والكونغو، ومراقبة اتفاق السلام بين إثيوبيا وإريتريا. كما شاركت الجزائر في حربي 1967 و1973 ضد إسرائيل.
واعتبر خلفاوي أن "من المهم ربط صلاحية رئيس الجمهورية بإرسال الجيش إلى الخارج بموافقة البرلمان"، لافتاً إلى أن "المهام القتالية للجيوش تغيّرت مع التطور التكنولوجي". ولكنه أكد أن الجيش الجزائري مواكب لهذه التطورات".
وأضاف الخبير الأمني أن"تنفيذ مهام قتالية خارجية لن يكون بإرسال آلاف الجنود على الأرض، فهناك أجهزة للرصد والاستطلاع والانتشار السريع لتنفيذ عمليات دقيقة وخاطفة".
استراتيجية استباقية
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أشار في حواره الشهري مع ممثلي وسائل إعلام محلية، الجمعة الماضية، إلى الضربات الموجعة التي تلقتها بلاده على الحدود بسبب "فلسفتها العسكرية الحالية".
وقال تبون :"في حادثة تيقنتورين، لولا هذه الفلسفة العسكرية لتم التصدي للمجموعة الإرهابية قبل اجتيازها حدودنا الجغرافية"، مشيراً إلى أهمية تنفيذ الخطط الدفاعية الاستباقية، فيما يُسمّى مناطق "العمق الاستراتيجي"، داخل الدول المجاورة التي تعرف انهياراً أمنياً.
واعتبر الرئيس الجزائري أن التوجه نحو دسترة مشاركة الجيش في عمليات السلام وإمكان إرسال وحدات عسكرية إلى الخارج شرط موافقة البرلمان، هو بمثابة "خروج من التقوقع وعودة إلى وضع طبيعي تنتهجه معظم الدول".
وطمأن المتخوفين من إقحام الجيش الجزائري في حرب بالوكالة بأن "البندين الجديدين لن يستخدما إلا لخدمة المصلحة الجزائرية، ولن نحيد عن مبادئنا في احترام سيادة الدول واللجوء حصراً للحلول السلمية لحل النزاعات".
السياسة الخارجية
واستفادت الجزائر من التجارب الحدودية المريرة، وخصوصاً ما جرى في عام 2014، عندما تسللت فرقة "كوماندوز" إلى ليبيا في سرية تامة، وقامت بسحب السفير الجزائري عبد الحميد بوزاهر و50 موظفاً من السفارة، إثر تلقي معلومات عن ترتيب جهات لخطفه.
وكشف عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة قاصدي مرباح، ورقلة بوحنية قوي لـ"الشرق" أن العقيدة العسكرية الدفاعية التي تعتمدها الجزائر في العقود الأخيرة مقابل التهديدات الكبيرة على حدودها "جعلتها غير قادرة حتى على قصاص الجماعات الإرهابية أو الدخول في مفاوضات معها".
وقال بوحنية، إن "الوقت حان لتعتمد المؤسسة العسكرية على مقاربات جديدة لتحديد دورها في الدستور، لأن أغلب جيوش العالم تنطلق من عقيدة عسكرية نابعة من تتبع أي خطر داهم خارج القطر".
ويضيف الأكاديمي الجزائري أن الحاجة باتت واضحة لإعادة النظر في دور المؤسسة العسكرية بما ينسجم مع مبادئ السياسة الخارجية، وبتفعيل شراكات ثنائية ودولية مختلفة.
المؤسسة العسكرية تبارك
قيادة أركان الجيش الجزائري باركت المقترحين المتعلقين بإرسال وحدات عسكرية إلى الخارج. وقال رئيس أركان الجيش بالنيابة اللواء سعيد شنقريحة، في كلمة مطلع الشهر الجاري،"نثمّن ما جاء في هذه المسودة بما يخص إمكانية تدخل الجيش الوطني الشعبي خارج الحدود الوطنية".
بدوره، قال المسؤول في مديرية إعلام بقيادة أركان الجيش الجزائري، المقدم مصطفى مراح، في تصريحات رسمية، إن "البندين المقترحين في المادتين 29 و95 من مسودة الدستور يهدفان إلى حماية الجيش من قرارات خارج الدستور".
وأشار مراح إلى أن "الغموض الذي يكتنف دور الجيش في الدستور الحالي قد يتيح في يوم من الأيام لبعض السياسيين أو القادة العسكريين التصرف في الجيش بشكل غير دستوري." وأشار إلى أن "أي قرار مماثل يجب أن يكون بموجب الدستور".
تجارب مؤلمة
العقيدة العسكرية الدفاعية جعلت الجزائر تدفع ثمناً باهظاً عدة مرات في السنوات الـ 10 الأخيرة في جوارها الإقليمي الملتهب، إذ تعرض قنصلها العام و 6 من معاونيه في عام 2012 للخطف في مدينة غاو شمال مالي، من قبل جماعة إرهابية. ولم تستطع الجزائر حينها القيام بأي عمل عسكري لإنقاذ الرهائن. علماً أن ما عقّد الأمر، هو وضعها مبدأ جديداً في سياستها الخارجية يقضي بتجريم التفاوض مع الإرهابيين وتجريم دفع الفدية. وضغطت الجزائر بقوة على مستوى الأمم المتحدة لاستصدار قرار في هذا المجال.
وانتهت قضية الخطف المذكورة بشكل مأساوي، إذ توفي القنصل العام بوعلام بسايس إثر مرض مزمن، بينما صُفي معاونه الدبلوماسي طاهر تواتي، وأفرج عن البقية في عمليات وساطة سرية معقدة.
وفي يناير 2013، تعرضت أكبر منشأة لإنتاج الغاز في منطقة تيقنتورين بمحافظة إليزي (أقصى جنوب شرقي البلاد)، لأكبر عملية احتجاز رهائن في تاريخ الجزائر، حين سيطرت مجموعة إرهابية مكونة من 30 عنصراً قدمت من ليبيا على المنشأة في وقت وجيز، قبل أن تدخل وحدات "كوماندوز" تابعة للجيش الجزائري لتحرير الرهائن الذين قتل بعضهم.
وكان للعملية الإرهابية في منطقة تيقنتورين النفطية تداعيات اقتصادية سيئة على الجزائر، إذ تهاوت قدراتها الإنتاجية في مجال الغاز، علماً أن المنشأة تنتج 40 % من إجمالي الإنتاج الوطني الجزائري.




