مستقبل غامض لكوسوفو بعد اتهام رئيسها بجرائم حرب | الشرق للأخبار

كوسوفو بين ماضٍ مؤرق ومستقبل مجهول

رئيس كوسوفو هاشم تاجي خلال استعراض لقوات الأمن في احتفال في بريشتينا في 5 مارس 2020 - AFP
رئيس كوسوفو هاشم تاجي خلال استعراض لقوات الأمن في احتفال في بريشتينا في 5 مارس 2020 - AFP

باغت اتهام وجّهه مدعٍ عام في محكمة دولية، لرئيس كوسوفو هاشم تاجي، بارتكاب جرائم حرب خلال النزاع في الإقليم أواخر تسعينات القرن العشرين، بريشتينا وعواصم أخرى، لا سيّما واشنطن، وأطاح باجتماع كان سيعقده تاجي في البيت الأبيض السبت الماضي مع رئيس صربيا ألكسندر فوتشيتش.

كان تاجي وصل إلى النمسا في طريقه إلى الولايات المتحدة للقاء فوتشيتش، حين أعلن جاك سميث، مدعي عام المحكمة الخاصة بكوسوفو (مقرّها لاهاي)، اتهامه وتسعة قياديين سابقين في "جيش تحرير كوسوفو"، الذي قاد عمليات عسكرية ضد السلطات الصربية، بـ "ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بما فيها إزهاق الأرواح والإخفاء القسري والاضطهاد والتعذيب"، خلال النزاع مع بلغراد بين عامَي 1998 و1999، "طاولت صرباً وغجراً وآخرين، من بينهم معارضون سياسيون" وفق المحكمة.

وذكر المدعي العام أن تاجي يواجه 10 تهم، قُدِّمت لوائحها في 24 أبريل الماضي، وتطاول أيضاً قدري فيسيلي، رئيس "حزب كوسوفو الديموقراطي". وتُحمّل الاتهامات تاجي وفيسيلي وآخرين "مسؤولية جزائية عن نحو 100 جريمة قتل".

"عرقلة عمل" المحكمة

واتهم بيان أصدره المدعي العام، تاجي وفيسيلي بـ "شنّ حملة سرية لإلغاء قانون إنشاء المحكمة وعرقلة عملها، في محاولة للتأكد من أنهما لن يواجها العدالة". وأضاف: "باتخاذ هذه الإجراءات، غلّب السيدان تاجي وفيسيلي مصالحهما الشخصية على مصالح ضحايا جرائمهما، وسيادة القانون وجميع سكان كوسوفو".

ويدرس قاضي الإجراءات التمهيدية في المحكمة التي أُسست عام 2015، بعد تصويت في برلمان كوسوفو، الاتهامات لاتخاذ قرار في شأن تأكيدها خلال 6 أشهر، تمهيداً لتوجيه اتهام رسمي لتاجي الذي اعتبر أن المدعي العام يحاول "إعادة كتابة تاريخ" الإقليم.

وخاطب تاجي مواطنيه في كلمة تلفزيونية الاثنين، قائلاً: "ربما ارتكبت أخطاء سياسية في أوقات السلم، ولم أرتكب جرائم حرب البتة". وأضاف:"أطمئنكم مجدداً بأنني لن أواجه العدالة من هذا المنصب... إذا تأكد الاتهام، سأتنحى فوراً وأواجه الاتهامات".

وكان تقرير أعدّته لجنة في "مجلس أوروبا" أفاد في عام 2011 بأن تاجي تزعّم "شبكة إجرامية" تضم فيسيلي ومسلحين سابقين في "جيش تحرير كوسوفو"، أزهقت أرواح سجناء لبيع أعضائهم في السوق السوداء خلال الفوضى التي طاولت جنوب البلقان في عام 1999.

وأسفرت الحرب في الإقليم عن أكثر من 13 ألف ضحية، بينهم نحو 11 ألفاً من ألبان كوسوفو، و2000 صربي. وانتهت الحرب بعد غارات جوية شنّها حلف شمال الأطلسي، دامت 78 يوماً وأرغمت القوات الصربية على الانسحاب من الإقليم الذي ترفض بلغراد الاعتراف باستقلاله المعلن عام 2008.

وكانت المحكمة الخاصة بيوغوسلافيا، التابعة للأمم المتحدة، حاكمت قياديين صرب، من بينهم الرئيس الراحل سلوبودان ميلوسيفيتش وقادة في الجيش والشرطة، بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد مدنيين ألبان خلال حرب كوسوفو.

اتهام تاجي واجتماع البيت الأبيض

الاتهام الموجّه إلى تاجي كان جاهزاً منذ أبريل الماضي، وأثار إعلانه قبل أيام من اجتماع البيت الأبيض تكهنات بأن التوقيت كان متعمداً لنسف اللقاء مع فوتشيتش، بل تحدث بعضهم عن "مؤامرة" أوروبية لإحباط الاجتماع، بعدما قادت الولايات المتحدة مساراً تفاوضياً منفصلاً عن ذاك الذي يعتمده الاتحاد الأوروبي الذي شدد ناطق باسمه على أن "لا بديل عن الحوار الذي يسهّله الاتحاد للتعامل مع تطبيع العلاقات بين كوسوفو وصربيا".

وأكد ميروسلاف لاجاك، وسيط الاتحاد الأوروبي في المحادثات بين الجانبين، أن واشنطن لم تتصل ببروكسيل بشأن اجتماع البيت الأبيض، مشدداً على أن "اتفاقاً جيداً سيقرّب كوسوفو وصربيا من الاتحاد الأوروبي، وأعتقد بأن التوصل إلى اتفاق مشابه ليس ممكناً من دون وجود الاتحاد هناك"، في إشارة إلى البيت الأبيض. وتابع: "الولايات المتحدة شريك مهم جداً، وأظهر التاريخ أننا نجحنا عندما عملنا معاً"، وفقاً لـ"أسوشييتد برس".

وكان ريتشارد غرينيل، موفد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لملف كوسوفو، تحدث عن قمة "تاريخية" في البيت الأبيض، مستدركاً أن فوتشيتش وتاجي سيركزان على "إيجاد فرص عمل" في المنطقة، و"إرغام الأطراف على توافق اقتصادي وتجاري".

وأضاف أن "القضايا السياسية ستكون الخطوة الثانية، وهي بوضوح مسؤولية الأوروبيين"، كما ذكرت "إذاعة أوروبا الحرة" التي تموّلها واشنطن.

وفيما رأى البعض أن الإدارة الأميركية كانت تسعى إلى إنجاز سياسي في ملف كوسوفو، يعزز حظوظ ترامب في الفوز بولاية رئاسية ثانية الخريف المقبل، تساءل آخرون عن قدرة تاجي على الاستمرار في منصبه وعن بديله المحتمل.

إطاحة ألبين كورتي

 أطاح  تاجي برئيس الوزراء اليساري لكوسوفو ألبين كورتي في مارس الماضي، بعد 51 يوماً على توليه المنصب، علماً أن حزبه فاز في الانتخابات النيابية التي نُظمت في أكتوبر 2019. وكان ألبين اعتبر في حديث إلى صحيفة "فايننشال تايمز" أن الإقليم "مُستَعبد من الداخل" بالفساد.

واتُهمت إدارة ترامب بالتورّط في إقصاء كورتي الذي تعرّض لضغوط لإلغاء رسوم جمركية على السلع الصربية، ورفض تبادلاً لأراضٍ بين صربيا وكوسوفو، في ظل معلومات بأن تاجي وفوتشيتش ناقشا هذه الفكرة التي تثير مخاوف في أوروبا، إذ ترجّح أن تؤدي إلى تطهير عرقي وتفاقم للتوترات، وتؤجج نقاشاً حول تأسيس "ألبانيا الكبرى" التي تشمل الجزء الأكبر من كوسوفو، ووادي بريسيفو في صربيا، وأجزاء من مقدونيا الشمالية ومونتينيغرو، وربما اليونان، ويقطنها نحو 10 ملايين شخص. ونقل موقع "ذي كونفرسيشن" عن كورتي قوله: "في البلقان، إذا نسيتَ التاريخ، فإنه يرتدّ عليك".

تاجي وفوتشيتش

ثمة مَن يعتبر أن اتهام تاجي واحتمال انتهاء مسيرته السياسية، يصبّان في مصلحة فوتشيتش الذي ينتهج سياسات صارمة في صربيا، ويوازن علاقاتها مع واشنطن وموسكو وبكين في آنٍ معاً، ويصف الرئيس الصيني شي جين بينغ بأنه "شقيق"، علماً أن بلاده تسعى إلى عضوية الاتحاد الأوروبي.

ورأى فلوريان بيبر، وهو أستاذ التاريخ والسياسة الخاص بجنوب شرقي أوروبا، في "جامعة غراتس" النمساوية، أن "فوتشيتش لم يكن أبداً مهتماً بتسوية "في شأن كوسوفو"، كما قال لمجلة "فورين بوليسي". أما مولي مونتغومري، وهي مستشارة سابقة لنائب الرئيس الأميركي مايك بنس في شأن أوروبا وأوراسيا، فحضّت الاتحاد الأوروبي على إلزام صربيا بأن "تختار اتجاهها"، وفق المجلة ذاتها.

قال رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل يوماً إن "البلقان ينتج تاريخاً أكثر مما يمكن أن يستهلكه"، لكن إيفان كراستيف، وهو رئيس "مركز الاستراتيجيات الليبرالية" في صوفيا، تساءل في مقال نشرته "فايننشال تايمز" في عام 2017، "هل يمكن للبلقان أن ينتج تاريخاً أكثر مما يمكن أن تستهلكه أوروبا"؟

تصنيفات