
انتخب حزبا جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، المعروفان بولائهما للرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، أواخر الشهر الماضي، قيادة جديدة. أثارت هذه الخطوة تساؤلات عديدة بشأن دلالاتها ومدى علاقتها بجدول أعمال الرئيس عبد المجيد تبون الذي يرفع شعار "الجزائر الجديدة"، منذ انتخابه رئيساً للبلاد في 19 ديسمبر الماضي.
قيادة جديدة
تجديد قيادة الحزبين المعروفين اللذين كانا من أهم أحزاب الائتلاف الحاكم ،في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، يأتي بعدما هزت الاحتجاجات التي أطاحت به في أبريل من عام 2019 الهياكل القيادية للحزبين، وزجت بعناصرها الأساسية في السجن بقضايا فساد.
حزب التجمع الوطني الديمقراطي الجزائري انتخب في 28 مايو الماضي الطيب زيتوني أميناً عاماً له، خلفاً لأحمد أويحيى، الرجل القوي في نظام بوتفليقة، والذي شغل منصب رئيس الوزراء في عهده 4 مرات، والمحكوم عليه الآن بالسجن لمدة 15 عاماً، في قضايا فساد مالي.
ويعرف عن زيتوني، الأمين العام الجديد للتجمع الوطني الديمقراطي، أنه كان من أكبر المعارضين لأحمد أويحيى داخل الحزب، إذ شارك في محاولات عديدة للإطاحة به.
وبعد يومين من انتخاب قيادة جديدة للتجمع الوطني الديمقراطي، وفي القاعة الفسيحة نفسها بالمركز الدولي للمؤتمرات في العاصمة الجزائر، انتخبت اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم سابقاً)، أميناً عاماً جديداً خلفاً لمحمد جميعي، القابع في السجن المؤقت منذ سبتمبر الماضي، بتهم التهديد وإتلاف مستندات وملفات قضائية.
في هذه الانتخابات، زُكّي أبو الفضل بعجي بالأغلبية الساحقة لمنصب الأمين العام. ويعرف عن بعجي رفضه العمل كمستشار لدى سلفه محمد جميعي، ومعارضته للأمين العام الأسبق جمال ولد عباس، القابع هو الآخر في السجن بتهمة الفساد المالي.
بين حقبتين
وزكّى حزب جبهة التحرير الوطني في مؤتمره العاشر عام 2015 الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة رئيساً فعلياً له، بعدما كان قبلها بسنوات رئيساً شرفياً.
ولا يزال بوتفليقة الرئيس الرسمي لحزب جبهة التحرير الوطني، حتى انعقاد المؤتمر الحادي عشر المنتظر قيامه بعد 6 أشهر، لإعادة النظر في القانون الأساسي للحزب.
واضطر بوتفليقة للاستقالة بتاريخ 2 أبريل 2019، بعد أسابيع من الاحتجاجات الشعبية التي طالبت برحيله وإسقاط نظامه.
واندلعت الاحتجاجات السلمية التي أطلق عليها اسم "الحراك الشعبي" في 22 فبراير 2019، بعد 12 يوماً من تنظيم حزب جبهة التحرير الوطني تجمعاً صاخباً أعلن فيه ترشيح بوتفليقة لدورة رئاسية خامسة. وحظيت تلك الخطوة بتأييد حزب التجمع الوطني الذي لم ينقطع يوماً عن دعم بوتفليقة وقيادة حكوماته المتعاقبة منذ عام 1999.
ورفع المحتجون في الحراك الشعبي شعارات مطالبة بحل الحزبين، لكونهما الذراع السياسية لنظام بوتفليقة الذي أوصل البلاد إلى أزمات اقتصادية وسياسية، بحسب اتهامات المحتجين والقوى المعارضة.
"استفزاز للشارع"
تجديد الحزبين قيادتهما أثار جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة لحصولهما على تصديق من وزارة الداخلية، لعقد مؤتمرين في ظرف وجيز، وداخل قاعة مملوكة للدولة، في انتهاك لإجراءات الحجر الصحي الصارمة.
فسّر ناشطون في الحراك ومعارضون الخطوة على أنها تمت بإيعاز من ما بات يعرف بـ" الذراع الخفية للسلطة". دارت تكهنات حول سعي تلك الذراع لضبط قيادة الحزبين، تحسباً للعب دور جديد في الأجندة السياسية للرئيس عبد المجيد تبون.
وتتضمن هذه الأجندة، بحسب تصريحات تبون، إجراء مراجعة عميقة لدستور البلاد، وتعديل قانون الانتخابات وتنظيم انتخابات نيابية وبلدية مسبقة، وكل هذا قبل نهاية العام الجاري.
مغردون على وسائل التواصل الاجتماعي في الجزائر انتقدوا السماح للحزبين بانتخاب قيادتهما.
وقال المحلل السياسي رضوان بوهيدل إن انعقاد مؤتمر حزب التجمع الوطني الديمقراطي، واجتماع اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، كانا "بمثابة عمل استفزازي للشارع".
وأوضح بوهيدل، في حديثه لـ "الشرق"، أن الحزبين تلتصق بهما الصورة النمطية عن ارتباطهما "بإيعاز السلطة، وعدم العمل خارج عباءتها"، مضيفاً أن "القضية أحرجت السلطة".
تبون وجراد
اللافت كان إصدار اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، الأحد الماضي، لائحة سياسية أعلنت فيها دعم برنامج الرئيس عبد المجيد تبون وحكومته، ووصفته ورئيس الوزراء عبد العزيز جراد "بالمناضلين من أعضاء اللجنة المركزية".
لم يتأخر رد الرئاسة الجزائرية التي تبرأت على لسان الناطق الرسمي باسمها، محند أوسعيد بلعيد، من أي علاقة بين الرئيس تبون وحزب جبهة التحرير الوطني.
وقال بلعيد لوكالة الأنباء الرسمية، إن "رئيس الجمهورية هو رئيس كل الجزائريين، وتبعاً لذلك لا علاقة تنظيمية له بأي حزب سياسي معتمد".
وأضاف الناطق باسم الرئاسة أن تبون جمّد عضويته في اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، ولم يترشح، كما هو معلوم، باسم هذا الحزب في الانتخابات الرئاسية التي عقدت في ديسمبر الماضي.
وحرص المتحدث باسم الرئاسة الجزائرية على التأكيد أيضاً أن "الوزير الأول عبد العزيز جراد سبق له أن استقال من حزب جبهة التحرير الوطني، قبل تعيينه في منصب رئاسة الوزراء بعدة سنوات".
ويرى المحلل السياسي الجزائري رضوان بوهيدل، أن الرئاسة تصرفت بذكاء عندما حسمت موقفها من الحزبين في الوقت المناسب.
واعتبر بوهيدل أن السلطة الحالية ليست في حاجة للحزبين "المهددين بالتقهقر في الانتخابات المقبلة، نظراً للرفض الشعبي، ولاستمرارهما في التعامل بنفس الخطاب المتطفل على السلطة".
يذكر أن الرئيس عبد المجيد تبون شغل عضوية اللجنة المركزية لحزب التحرير الوطني منذ عام 2015، ولكنه رفض الترشح في الانتخابات الرئاسية الماضية باسم الحزب، وتقدم كمرشح مستقل.
كما أن حزب جبهة التحرير الوطني دعم مرشح حزب التجمع الوطني الديمقراطي، عز الدين ميهوبي، في ذلك الاستحقاق الرئاسي، ضد تبون.
تبرئة رسمية
بدوره، نفى النائب البرلماني عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، عبد الحليم لطرش، ارتباط انتخاب أمين عام جديد للحزب بالأجندة السياسية للسلطة الحاكمة.
وقال لطرش، في حديثه لـ "الشرق"، إنه "كان مقرراً انعقاد مؤتمر الحزب وانتخاب أمين عام جديد بتاريخ 19 مارس الماضي، قبل أن يتأجل بسبب إعلان حالة الطوارئ الصحية في البلاد".
واستدل بنقطتين لنفي أي علاقة للخطوة بالمشاريع السياسية للسلطة، قائلاً: "الأمين العام الجديد الطيب زيتوني وفور انتخابه أعلن استقلالية الحزب بنفسه، وأنه لن يكون تابعاً في هذه المرحلة، كما لا ننسى أن استقلالية الحزب بدأت عندما قدم مرشحه للرئاسيات الماضية، ولم يدعم أي مرشح آخر كما جرت العادة".
كما لفت إلى "التبرئة الرسمية الصادرة من قبل رئاسة الجمهورية بعدم وجود علاقة تنظيمية للرئيس تبون بأي حزب معتمد".
شأن حزبي داخلي
من جانبه أوضح النائب البرلماني عن حزب جبهة التحرير الوطني، عبد الوهاب بن زعيم، أن انتخاب أمين عام للحزب "شأن تنظيمي قانوني يخص الحزب فقط".
وقال في حديثه لـ"الشرق"، إن "حزبنا معتمد كباقي الأحزاب، وانعقاد اللجنة المركزية في هذا التاريخ يأتي امتثالاً لقوانين الدولة والقانون الأساسي للحزب".
وتابع: "فترة اللجنة المركزية للحزب والتي تبلغ 5 أعوام كانت ستنتهي بتاريخ 30 مايو الماضي، وبسبب عدم وجود قيادة شرعية منذ سجن الأمين العام السابق، قررت اللجنة الانعقاد لتثبت شغور منصب الأمين العام، وانتخاب قيادة جديدة وتحديد تاريخ المؤتمر الحادي عشر".
وبشأن إصدار الحزب لائحة سياسية تدعم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ووزيره الأول عبد العزيز جراد، أرجع بن زعيم الأمر إلى "عدم اطلاع بعض أعضاء اللجنة المركزية على الوثائق الإدارية للحزب".
وقال: "هناك وثيقة رسمية للسيد رئيس الجمهورية تخص تجميد عضويته في اللجنة المركزية، وهناك وثيقة استقالة الوزير الأول من الحزب".
وذكر بن زعيم أن هذه المعلومات ليست في متناول الجميع، بسبب وجود الأمين العام السابق في السجن، وعدم إجراء عملية تسليم وتسلّم للمهام مع الأمين العام الجديد.




