
أثارت موافقة مجلس الوزراء المصري على مشروع قانون بفرض رسوماً على الطلاب الراسبين في الجامعات والمعاهد الحكومية، جدلاً كبيراً في الأوساط المصرية، وردود فعل متباينة بين مؤيد ومعارض. وفي وقت وصفت الحكومة المشروع بالتاريخي، اعتبره طلاب ومعارضون "صدمة وعبئاً مضاعفاً".
وحدد مشروع القانون الحد الأدنى والأقصى لتلك الرسوم، لتكون بين (6 و12) ألف جنيه لكليات الطب البشري وطب الأسنان، و(5و10) آلاف جنيه، لكليات الهندسة والحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي والصيدلة والعلاج الطبيعي، و(4و8) آلاف جنيه، لكليات الطب البيطري والزراعة والعلوم والتمريض، و(3و6) آلاف جنيه للكليات والمعاهد الأخرى.
الحكومة: قرار تاريخي
الدكتور خالد عبد الغفار، وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، وصف "قرار مشروع القانون" بـ"التاريخي"، مؤكداً أن الدولة ملتزمة بكفالة مجانية التعليم وفقاً للدستور ولكن بشروط، أهمها أن من يستخدم ذلك الحق يكون على قدر من المسؤولية، وألا تستمر الدولة في تحمل تكاليف الراسبين.
وأضاف خلال مداخلة لبرنامج "بالورقة والقلم"، على قناة "TeN"، إن الرسوم المفروضة لا تمثل (من 10 إلى 15%) من التكاليف التي تتحملها الدولة في العملية التعليمية، مؤكداً أن الطالب المتخلف عن حضور الامتحان بعذر قهري، لا ينطبق عليه هذا القرار.
وقال إن "الإنفاق على مجانية التعليم جزء منه من أموال دافعي الضرائب، ويجب مراعاة استغلالها"، مشيراً إلى أن تزايد عدد الطلاب الراسبين سيؤثر على التحاق الطلاب المستجدين، ويقلل من جودة التعليم المقدم لهم.
وقال نادر سعد، المتحدث باسم مجلس الوزراء، خلال مداخلة هاتفية مع برنامج «على مسؤوليتي» على قناة "صدى البلد"، إن طالب الطب يكلف الدولة 50 ألف جنيه سنوياً، لافتاً إلى أن بعض الطلاب لا يأخذون العملية التعليمية بالجديّة الكافية فيرسبون أكثر من مرة. وأوضح أن نسبة الرسوب بالجامعات تصل إلى 20%.
تأخر كثيراً
على الجانب الآخر، رأت عضو لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب، ونائبة رئيس "جامعة المنصورة" لشؤون الدراسات العليا، د. ماجدة نصر، أن مشروع القانون تأخر كثيراً بعد اقتراحه من قِبل الجامعات المصرية، معلنة موافقتها على القانون من ناحية المبدأ.
وقالت نصر لـ"الشرق" إن "فكرة مشروع القانون مطروحة منذ فترة طويلة، فهناك طلاب يصل عدد سنوات رسوبهم لـ10 سنوات وربما 15، لأن القانون يفصلهم في السنوات الأولى فقط من مراحلهم الدراسية".
وأكدت أن أبرز تعليق لها لدى عرض مشروع القانون على مجلس النواب "سيتركز على كيفية تطبيق الرسوم المقررة، مقترحة أن تكون هناك فترة كافية قبل تنفيذه، وليس من العام المقبل، وأن يبدأ تطبيقه من السنة الثانية للرسوب، وليس من السنة الأولى، وذلك مراعاة لأي ظروف قهرية ربما يتعرض لها الطالب".
وتابعت: "النقطة الثانية المهمة، هي: ماذا لو لم يدفع الطالب، هل سيتم فصله نهائياً من الكليّة وتهديد مستقبله الدراسي؟ ذلك ما يجب توضيحه في اللائحة التنفيذية للقانون".
وأضافت: "سأقترح إعفاء الطالب الراسب من الرسوم من السنة الأولى، ثم يدفع نصف المبلغ في السنة الثانية، والمبلغ كاملاً في السنة الثالثة".
ورأت نصر أن الفكرة جيدة، وتراعي عدم إهدار المال العام، وتفرض نوعاً من الجديّة لدى الطلاب، مشددة على أن "المشروع" لا يتعارض مع الدستور، وأن الزيادة ستكون مقابل تحسين الخدمات التعليمية، وليس الرسوم الدراسية المقررة وفقاً للائحة المجلس الأعلى للجامعات.
وعن تطبيق مشروع القانون على البرامج الخاصة أو المميزة، (نظام الساعات المعتمدة)، قالت نائبة رئيس "جامعة المنصورة" إن "تلك البرامج لها لوائح منفصلة تنظم عملها، ووافق عليها المجلس الأعلى للجامعات، وهناك نظام الساعات المعتمدة دراسياً فقط، ولكنها ينطبق عليها النظام الحكومي برسوم دراسية مخفضة ومدعمة".
"مخالفة الدستور"
في المقابل، أبدى عضو مجلس النواب المصري، أحمد الطنطاوي، اعتراضه على مشروع القانون، مؤكداً أنه يتناقض مع "مادة مجانية التعليم" التي نص عليها الدستور.
وواصل الطنطاوي هجومه، قائلاً إن "مشروع القانون يعني تخلي الدولة بشكل كبير عن واجباتها تجاه مسؤوليتها في حصول المواطنين على تعليم جيد، باعتباره حقاً وليس منحة أو ميزة، تمنحها أو تمنعها الحكومة".
وأضاف: "التعليم، قضية أكبر من أن تترك لوزير أو حكومة، فهى قضية مجتمع، يجب أن يكون هناك حوار حولها".
لا أحد يرغب في الرسوب
في المقابل، اعتبر الكثير من الطلاب أن مشروع القانون الجديد بمثابة "صدمة"، نظراً لأن رسوب عدد كبير منهم يكون بسبب ظروف خارجة على إرادتهم، خصوصاً في السنوات الأولى.
وقالت طالبة في كلية العلوم، فضلت عدم ذكر اسمها، لـ"الشرق": "السنة الأولى في معظم الكليات العملية، صعبة دراسياً، فالمناهج غير واضحة بالنسبة لنا، ونسبة الرسوب عالية، كما سيمثل القرار عبئاً إضافياً على الأسرة، خصوصاً مع ارتفاع المصروفات الدراسية"، مؤكدة أن مشروع القانون سيواجه اعتراضات كبيرة.
وأضافت: "لا أحد يرغب في الرسوب، ولكن هناك طلاب قدراتهم محدودة، في كليات تدرس 12 مادة في النصف الدراسي الواحد. كما أنه لا توجد خدمات تعليمية بالمعنى المعروف، سواء في المباني أو المدرجات المهيأة أو المعامل، أو حتى الأنشطة الطلابية المختلفة، حتى يتم الاستفادة منها أو تطويرها".
تجدر الإشارة إلى أنه حين حاولت "الشرق" استطلاع رأي المعنيين بتنفيذ القرار في الجامعات لم تصل إلى رد واضح. إذ رفض رئيس جامعة حكومية التعليق على مشروع القانون، لافتاً إلى أن موقف الوزارة الرسمي تم الإعلان عنه من خلال تصريحات وزير التعليم العالي والبحث العلمي.
واتخذ عميد أحد المعاهد الموقف ذاته، رافضاً ذكر اسمه، إلا أنه أكد أن مشروع القانون لا يتناقض مع المادة 21 من الدستور، التي تقر مجانية التعليم.
إعفاء غير القادرين
وينصُ مشروع القانون المقدم على أنه يجوز لرئيس الجامعة بعد موافقة مجلس الجامعة، بناء على اقتراح مجلس الكلية المعنية، منح إعفاء من الرسم المنصوص عليه، كله أو بعضه للطلاب غير القادرين على سداده، وفقاً للضوابط والاشتراطات التي يضعها المجلس الأعلى للجامعات بهذا الشأن.
يذكر أن المؤتمر القومي السنوي الثامن عشر لمركز تطوير التعليم الجامعي في "جامعة عين شمس" ناقش قبل 6 سنوات سُبل تحسين أوضاع الجامعات المصرية في قوائم التصنيف العالمية، وقال إن نتائج الدراسات والبحوث تشير إلى تفشي مظاهر القصور والخلل، والتى يعد أحد مؤشراتها تأخر ترتيب الجامعات المصرية في قوائم التصنيف العالمية في السنوات الأخيرة، إذ تعتمد تلك القوائم على معايير ومؤشرات محددة لم تستطع أغلبية الجامعات المصرية تحقيقها أو الوصول إليها.




