الجزائر في مالي.. دبلوماسية نشطة وصدام مع "إيكواس" | الشرق للأخبار

الجزائر في مالي.. دبلوماسية نشطة وصدام مع "إيكواس"

time reading iconدقائق القراءة - 12
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يتحدث خلال مؤتمر صحافي  - REUTERS
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يتحدث خلال مؤتمر صحافي - REUTERS
الجزائر-

تقوم الجزائر بتعبئة دبلوماسية "قوية" منذ الانقلاب العسكري الذي أطاح برئيس مالي إبراهيم بوبكر كيتا، وتصر على مشاركة "فعالة" في رسم خارطة الخروج من الأزمة.

وأوفد الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، وزير الخارجية صبري بوقادوم إلى باماكو مرتين في أقل من شهر، للقاء مسؤولين عسكريين سياسيين ودوليين.

وكان بوقادوم أول مسؤول أجنبي رفيع يصل إلى مالي بعد إزاحة مجموعة الضباط بقيادة العقيد "أسيمي غويتا" للرئيس كيتا وإجباره على الاستقالة، في 28 أغسطس الماضي. 

وسيط دائم 

وتملك الجزائر حضوراً دائماً في المشهد السياسي والأمني في مالي، بصفتها قائداً للوساطة الدولية الجارية منذ عام 2014، ورئيساً للجنة متابعة وتنفيذ اتفاق "السلم والمصالحة" في مالي، الموقع بالعاصمة الجزائر في يونيو من عام 2015. 

يضاف إلى ذلك، صفة الجار الذي يتقاسم حدوداً جغرافية تناهز 1300 كم، بما تمثله من تهديدات أمنية جراء انتشار الجماعات المسلحة على طول الشريط الحدودي.

وتتولى الجزائر منذ 5 سنوات رئاسة اجتماعات دورية مع ممثلي الوساطة الدولية (الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، الاتحاد الأوروبي، مجموعة غرب إفريقيا والأطراف المالية)، لبحث مدى تقدم تنفيذ "اتفاق الجزائر" الذي وقع لتعزيز الأمن والسلم في مالي. 

وخلال الزيارتين، التقى بوقادوم بقيادة المجلس العسكري الحاكم، والرئيس السابق إبراهيم بوبكر كيتا وقادة بعثات المنظمات الدولية في مالي وفاعلين سياسيين في البلاد، وقال: "جئت لأستمع وأتبادل وجهات النظر"، لافتاً إلى أن "ما يشغل مالي يشغل الجزائر".

إصرار على دور الفاعل

وإن لم تكشف تنقلات الوزير بوقادوم إلى باماكو عن تفاصيل ما تريده الجزائر بالضبط من المجلس العسكري الحاكم، إلا أن الرئيس عبد المجيد تبون، عبر بوضوح عن موقف بلاده مما تعيشه الجارة الجنوبية. 

وقال تبون، الأحد، في حواره الشهري مع ممثلي وسائل إعلام محلية إن "الحل في مالي سيكون 90% جزائرياً"، وجاء التصريح قبل يومين من تعيين وزير الدفاع الأسبق، باه نداو، رئيساً انتقالياً لمالي، ليعكس التمسك الجزائري بالإمساك بزمام التسوية في الجارة الجنوبية.

وكشف تبون أن الجزائر أبلغت قادة المجلس العسكري الحاكم في مالي رؤيتها للحل، من خلال "تقليص فترة المرحلة الانتقالية إلى أقصى مدة زمنية ممكنة، وتعيين رئيس انتقالي مدني".

وأفاد تبون بأن بلاده كانت على علم مسبق بقرب نهاية الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا في الحكم، قائلاً: "قبل 3 أشهر من الانقلاب كنا على علم بأن هناك شيئاً يتم تحضيره".

ووصفت وكالة الأنباء الجزائرية خطوة تعيين الرئيس الانتقالي الجديد في مالي بـ"الحل الوسط"، ما فتح باب التأويلات بشأن ما إذا كانت الجزائر أشارت بتعيين شخص يجمع صفتي "المدني" و"العسكري"، وتمكين ضباط المجلس العسكري من الإفلات من ضغوط مجموعة "إيكواس" التي اشترطت رئيساً انتقالياً "مدنياً"، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية.

وعن هذه التعبئة الدبلوماسية القوية، يوضح المحلل السياسي المختص في شؤون الساحل الإفريقي عبد القادر دريدي أن "الجزائر لم تكن يوماً مجرد مراقب للأوضاع في مالي، سواء في انقلاب عام 2012 أو الانقلاب الأخير".

وأفاد دريدي "الشرق" بأن "الجزائر أبدت رغبة للعب دور مهم في حل الأزمة الحالية".

وأضاف: "من الصعب جداً أن تتحكم دولة واحدة في أزمة ذات بعد إقليمي ودولي، ولكن يجب على الجزائر على الأقل أن تعبر بوضوح عن مصالحها، وتبتعد عن الخطاب العاطفي".

مصلحة الجزائر 

تحركات الدبلوماسية الجزائرية أكدت أن أهم ما تريده الجزائر خلال الفترة الانتقالية هو الحفاظ على سريان "اتفاق السلم والمصالحة" الموقع برعايتها في عام 2015، بين الحكومة المركزية وفصائل شمال البلاد التي رفعت السلاح، ولوحت بالانفصال في أكثر من مناسبة.

وحصلت الجزائر على التزام رئيس المجلس العسكري في مالي "أسيمي غويتا"، بالحفاظ على "اتفاق الجزائر"، ليعلن تعهده في خطاب رسمي، وخلال لقاء جمعه، الأربعاء، بوفد من تنسيقية حركات "أزواد" ذات النفود الواسع في شمال مالي.

وكان وزير الخارجية صبري بوقادوم قد التقى، الأحد، في باماكو، بسيدي إبراهيم ولد سيداتي رئيس وفد تنسيقية حركات "أزواد"، بلجنة متابعة "اتفاق الجزائر".

واشترطت التنسيقية على السلطات الحاكمة الجديدة، إضافة "اتفاق الجزائر" إلى دستور عام 1992 ضمن ميثاق الفترة الانتقالية التي ستستمر 18 شهراً، مقابل المشاركة في المجلس الانتقالي (البرلمان).

وتخشى الجزائر أن يعيد الاتفاق البلاد إلى الصفر، وبالضبط إلى النصف الثاني من عام 2012، حين أدت الحرب بين الحكومة والانفصاليين إلى سقوط كامل مناطق الشمال بيد الجماعات المسلحة، ما يشكل خطراً كبيراً على الجزائر التي تربطها حدود صحرواية واسعة مع مالي.

وعبّر وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم، مطلع الشهر الجاري، عن قلق بلاده من موجة نزوح جديدة، وتوفير بيئة مناسبة للنشاط الإرهابي، تضع الجيش الجزائري أمام أعباء أمنية تضاف لما هو حاصل في الجارة الشرقية ليبيا.

وقال بوقادوم "إن 40 ألفاً من سكان المنطقة موجودون على الحدود خوفاً من الأوضاع في مالي"، مرجعاً حالة "اللاأمن والانقسامات السياسية في الساحل إلى الانقلابات العسكرية".

تغيير في المسميات

اللافت في تعاطي الجزائر مع الأزمة الأخيرة في مالي هو "موقفها اللين من الضباط العسكريين الذين أزاحوا الرئيس كيتا".

وكان وزير الخارجية الجزائري أول مسؤول أجنبي رفيع يجتمع بمن أطلقوا على أنفسهم "لجنة إنقاذ الشعب المالي"، بعد 10 أيام من الإطاحة بكيتا، رغم إصداره بياناً يعبّر فيه عن رفض بلاده القاطع "للتغيرات السياسية المخالفة للدساتير".

وتراجعت الجزائر عن وصف ما حصل في مالي بـ"الانقلاب"، وقال الرئيس تبون: "لا نستطيع أن نقول عنه انقلاب 100%، لأن الرئيس كيتا أعلن استقالته، وتم حل البرلمان وهي حالة تشبه ما حصل في الجزائر عام 1992".

واستقال الرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد، من الحكم في يناير من عام 1992، كما تم حل البرلمان، ونصب مكان هذه المؤسسات الدستورية مجلس أعلى للدولة أشرف على تسيير مرحلة انتقالية حتى عام 1995.

واستخدمت وكالة الأنباء الرسمية في أحدث برقية لها حول الوضع في مالي مصطلح "التغيير غير الدستوري" بدل "الانقلاب".

صدام مع "الإيكواس"

وأسهمت ليونة الموقف الدبلوماسي الجزائري مع المجلس العسكري في مالي، وإطلاق مبادرة "تجارة المقايضة الحدودية" (قرار جزائري بالسماح بتجارة المقايضة الحدودية مع مالي والنيجر)، في "فك الخناق" الدبلوماسي والاقتصادي الذي تنفذه دول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا "إيكواس" على مالي منذ إزاحة كيتا عن الحكم.

وحاولت "إيكواس" التوسط بين حركة "5 يونيو"، التي قادت مظاهرات شعبية طالبت كيتا بالرحيل، والرئاسة لكنها فشلت، وفرضت عقوبات اقتصادية على مالي بعد الانقلاب الأخير، واشترطت إعادة الرئيس كيتا إلى الحكم مقابل رفع العقوبات قبل أن تتنازل إلى اشتراط "رئيس مدني" و"رئيس حكومة مدني" لتسيير الفترة الانتقالية.

ووجه الرئيس الجزائري، الأحد، انتقادات حادة لدول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا "الإيكواس"، متهماً إياها بمحاولة الانفراد بالأزمة في مالي.

وفي هذا السياق، اعتبر المحلل السياسي عبد القادر دريدي أن "أهداف (إيكواس) تختلف بنسبة كبيرة عن أهداف الجزائر في مالي، فالجزائر تسعى إلى تأمين حدودها من خلال اتباع سياسة (الأمن المتقدم)".

وأضاف أن "(إيكواس) مدعومة سياسياً من تيار دولي معين تتزعمه فرنسا، وتسعى إلى التموضع مع السلطة السياسية المقبلة في مالي، وخلق ثغرات في العملية السياسية الجارية من أجل الضغط والتحكم في السلطة الحاكمة المقبلة".