الطاقة والاقتصاد.. مآرب بكين في دول انسحبت منها واشنطن | الشرق للأخبار

الطاقة والاقتصاد.. مآرب بكين في دول انسحبت منها واشنطن

time reading iconدقائق القراءة - 6
علما الصين والولايات المتحدة أمام مبنى البنتاجون - REUTERS
علما الصين والولايات المتحدة أمام مبنى البنتاجون - REUTERS

بينما تنسحب الولايات المتحدة من مناطق عدة في العالم، وتتجه أكثر نحو المحيط الهادئ في محاولة لـ"احتواء" الانتشار الصيني، تسعى بكين لتغطية "النقص" الذي ينتج عن هذا الانسحاب، في محاولة يردها خبراء إلى رغبة بكين في "تعزيز نفوذها السياسي" خصوصاً من باب الاقتصاد.

ولعل أحدث الأمثلة التي يمكن سوقها في هذا المجال، يتمثل في الساحة الأفغانية، وتحديداً في العلاقة مع حركة "طالبان".

في يوليو الماضي، أعلن متحدث باسم الحركة أن وفداً من قادتها، التقى في بكين، وزير الخارجية الصيني ومسؤولين، تزامناً مع قرب انتهاء انسحاب القوات الأجنبية خصوصاً الأميركية من أفغانستان بعد نحو 20 عاماً من حرب أزاحت "طالبان" عن الحكم. 

لكن الظاهر أن أفغانستان ليست محور الاهتمام الصيني الوحيد، ففي العراق ظهر هذا الاهتمام أيضاً بالتزامن مع الانسحاب الأميركي من البلاد. علماً بأن الصين كثّفت مساعيها الاقتصادية في السوق العراقي، خصوصاً في مجال الطاقة، بالإضافة إلى تعزيز التبادل التجاري بين الطرفين، لتصبح بغداد رابع أكبر شريك تجاري لبكين في المنطقة.

وكما في أفغانستان والعراق، تظهر سوريا على ساحة الاهتمامات الصينية، خصوصاً بعد زيارة أجراها وزير الخارجية الصيني وانج يي، إلى دمشق، أكد خلالها دعم بلاده للحكومة السورية، حاملاً مقترحاً للحل في البلاد، مؤكداً في الوقت ذاته أهمية بدء إعادة الإعمار. 

وتطرح الاهتمامات الصينية في هذه البلدان، والتي تتزامن مع "إعادة توجيه" أميركية في هذه الدول، تساؤلات عن الأسباب التي تدفع بكين إلى الغوص في هذه الملفات، وإمكانية ملئها الفراغ الذي خلفته واشنطن. 

"استغلال الأزمات" 

المسؤول السابق في الشأن الصيني في وزارة الدفاع الأميركية، جوزيف بوسكو، قال لـ"الشرق"، إن "الانسحاب الأميركي غير الحكيم ينتج عنه عدم استقرار في المنطقة". ولفت إلى أن "الصين تستغل دوماً مناطق انعدام الاستقرار"، مشيراً إلى أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مطالبة اليوم بـ"التعامل مع الوضع الناجم عن سحب القوات الأميركية" في دول عدة.

وأضاف بوسكو أن "الصين لا تستطيع ملء الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة، لأنه أكثر من مجرد تواجد عسكري، فهو قائم أيضاً على القيم الأخلاقية"، وفق تعبيره، مشيراً إلى أن التواجد في أفغانستان التي تتشارك مع الصين بحدود تبلغ نحو 76 كيلومتراً وتمثل أهمية استراتيجية وسط تخوفات صينية من تدخل طالبان في إقليم شينجيانج، "هدف لدعم نظام ديمقراطي، أيده الأميركيون، وحصل عل دعم الشعب الأفغاني".  

"أسباب اقتصادية"

من جهته، قال الأستاذ المحاضر في العلاقات الدولية والدراسات الآسيوية الحديثة، شين ليو لـ"الشرق" إن توجه الصين إلى مناطق انسحبت منها الولايات المتحدة "مدفوع بأسباب اقتصادية وتجارية حتى في الشرق الأوسط". 

ورأى أن بكين ترغب في منافسة واشنطن في شتى المجالات، و"الظهور بشكل مغاير لما تظهر عليه الولايات المتحدة"، متابعاً: "لا يريدون استخدام لغة الإدارات الأميركية في السياسيات الخارجية، إيماناً منهم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد" . 

تجدر الإشارة إلى أن هذا ما ظهر جلياً في إيران، إذ لم توقف الصين العلاقات الدبلوماسية معها، على الرغم من العقوبات الاقتصادية الأميركية، والتنديد الغربي بسياساتها في تمويل جماعات مسلحة في منطقة الشرق الأوسط. 

إلى ذلك، لجأت بكين في مارس الماضي، إلى توقيع اتفاقية مع طهران تهدف لتعزيز العلاقات الثنائية لمدة تصل إلى 25 عاماً. ومن المقرر أن تستثمر الصين 400 مليار دولار أميركي في الاقتصاد الإيراني خلال الفترة الزمنية للاتفاقية، مقابل أن تمد إيران الصين بإمدادات ثابتة وبأسعار منخفضة للغاية من النفط. 

أمن الطاقة 

ويؤيد مدير مركز الدراسات الصينية والآسيوية ستيف تسانج، ما قاله ليو، لافتاً إلى أن الدخول الصيني إلى دول خرجت منها الولايات المتحدة، وتواجه مخاطر أمنية "ليس بدافع حلحلة الأزمة في البلاد".

وقال تسانج لـ"الشرق"، إن دخول بكين "يرجع أساساً لأسباب تتعلق بأمن الطاقة، فباعتبارها أكبر قوة مستوردة للطاقة في الشرق الأوسط، تصبح أكثر اهتماماً باقتناص الفرص في مناطق تستفيد منها اقتصادياً"، مشيراً إلى دور "الحزام والطريق" في تحديد توجهات السياسة الصينية. 

ويعد مشروع "الحزام والطريق" مبادرة صينية تهدف لإحياء "طريق الحرير" الذي كان قائماً في القرن التاسع عشر، لربط الصين بالعالم، لتكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية. وتهدف الصين لإنهائه بحلول عام 2049، والذي سيتزامن مع الذكرى السنوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية. 

تسانج أكد أن الصين عادةً "تمنح الدول قروضاً ومنحاً مالية مقابل مزايا أخرى، تتمثل غالباً في موارد موجودة في تلك الدول، أو تسهيلات في سداد الديون".

السياسة الصينية المذكورة، تواجه اتهامات من دول عدة، تأتي في مقدمتها الولايات المتحدة، إذ توصف بأنها عبارة عن "دبلوماسية فخ الديون"، والتي تتمثل في تقديم بكين قروضاً مقابل تنازلات اقتصادية أو سياسية، وتستطيع بموجبها الهيمنة على القرارات السياسية والاقتصادية للدول التي تقدم لها التسهيلات.