
اعتبر مسؤولون عسكريون أميركيون أن تعزيز الدفاعات العسكرية الأميركية في جزيرة جوام، الواقعة غرب المحيط الهادئ، بات مشروعاً "مكلفاً ومعقداً"، في ظل سعي وزارة الدفاع "البنتاجون" لتحويل الجزيرة إلى ركيزة أساسية في استراتيجيتها لردع الصين، حسبما ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال".
وأشارت الصحيفة، في تقرير نُشر الأربعاء، إلى أن الجنود الأميركيين في قاعدة عسكرية تبعد بضعة أميال فقط عن الفنادق السياحية والشواطئ الاستوائية، يختبرون راداراً متطوراً يوفر تغطية كاملة بزاوية 360 درجة، وهو جزء من منظومة دفاعية متقدمة يُتوقع أن تصل تكلفتها إلى 8 مليارات دولار، تهدف إلى حماية الجزيرة من أي هجوم صاروخي صيني محتمل.
وقالت إن هذا الدرع الدفاعي قيد الإنشاء يشكل جزءاً من تحوّل جذري في استراتيجية الجيش الأميركي، إذ تسعى وزارة الدفاع (البنتاجون) إلى تحويل جوام إلى ركيزة أساسية في استراتيجيتها بمنطقة المحيط الهادئ.
وبحسب مسؤولين عسكريين أميركيين، فإن الهدف من هذه الجهود هو ردع الجيش الصيني المتنامي عن استخدام القوة للاستيلاء على تايوان، الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي وتعتبرها بكين جزءاً من أراضيها، وإظهار الجاهزية الأميركية للرد العسكري إذا اقتضى الأمر.
لكن الصحيفة لفتت إلى أن المشروع يواجه تحديات لوجستية كبيرة وتكاليف مرتفعة، فضلاً عن ضرورة التصدي لترسانة الصين الصاروخية المتطورة، التي تضم الآن نسخاً مطوّرة من صاروخ DF-26، المعروف بلقب "قاتل جوام".
خلاف داخل الأوساط الدفاعية
وأضافت "وول ستريت جورنال" أن "بعض الخبراء يطرحون تساؤلات بشأن الفائدة الأمنية من حشد هذا الكم من الأصول العسكرية على جزيرة تبعد أكثر من 1500 ميل عن بؤرتي التوتر الرئيسيتين في المنطقة، وهما تايوان وبحر الصين الجنوبي".
ونقلت عن زاك كوبر، المسؤول السابق بوزارة الدفاع الأميركية، قوله إن "بعض الناس يرون أن جوام مهمة بسبب موقعها، وأن علينا التأكد من قدرتنا على العمل منها بفعالية، بينما يعتقد آخرون أن الدفاع عنها سيكون مستحيلاً بتكلفة معقولة، وأنه يجب التركيز بشكل أكبر على تنويع مواقع الانتشار".
ووفقاً للصحيفة، فإن جوام تقع ضمن نطاق الاستهداف الصيني، وفي الشهر الماضي، استعرضت بكين ترسانة موسعة من الصواريخ، ضمت نسخة من صاروخ DF-26 تفوق سرعتها سرعة الصوت، كما أفاد مسؤولون أميركيون بأن قراصنة صينيين تمكنوا من استهداف البنية التحتية في الجزيرة.
في الوقت نفسه، تواصل البحرية الصينية توسيع نطاق عملياتها، متجاوزة ما يُعرف بـ"سلسلة الجزر الأولى" القريبة، التي تشمل تايوان واليابان، وتُعد، وفقاً لمسؤولي الأمن الأميركيين، الحدود التي تأمل بكين في السيطرة عليها في حال اندلاع نزاع إقليمي، بل تجاوزت كذلك "سلسلة الجزر الثانية" التي تضم جوام.
ومع خطط الولايات المتحدة لسحب بعض قواتها من جزيرة أوكيناوا اليابانية، حذّر الجنرال إريك سميث، قائد سلاح مشاة البحرية الأميركية، في تصريح أدلى به خلال يناير الماضي، من أن نقل الأصول العسكرية إلى جوام "يسير بنا في الاتجاه الخاطئ"، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تزال بحاجة إلى قوة ردع موثوقة داخل "سلسلة الجزر الأولى".
"توزيع القوات"
وأوضحت الصحيفة أن "البنتاجون يعمل على توزيع القوات في منطقة المحيط الهادئ، إدراكاً منه لمخاطر تركّز الأصول العسكرية في موقع واحد".
ومع ذلك تمتلك جوام بعض المزايا الاستراتيجية، بحسب الصحيفة، حيث يمكن أن تكون محطة رئيسية لإعادة التزوّد بالوقود والصيانة للغواصات وحاملات الطائرات والسفن في حال نشوب نزاع حول تايوان، كما أن كونها أرضاً أميركية يمكّن البنتاجون من زيادة وجوده العسكري فيها دون الحاجة إلى الدخول في مفاوضات مع دول أخرى.
وقال الجنرال صامويل بابارو، قائد القوات الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، خلال مؤتمر دفاعي عُقد في جوام الشهر الماضي: "جوام تمثّل ركيزة لقدرة أميركا على الدفاع، وإظهار القوة، والحفاظ على التحالفات والشراكات، والأهم من ذلك، ردع العدوان".
وقالت "وول ستريت جورنال" إن الجيش الأميركي يتوقع زيادة عدد الأفراد في جوام بنحو 10 آلاف شخص بحلول عام 2037، بما يشمل العسكريين العاملين في الخدمة والاحتياط، وأفراد عائلاتهم، وغيرهم، ليرتفع العدد الإجمالي إلى نحو 34 ألفاً.
ووفقاً لقيادة منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن الولايات المتحدة تنفق 6.2 مليار دولار على مشاريع إعادة التموضع العسكري في الجزيرة خلال الفترة الممتدة من 2019 إلى 2028.
وأفاد الجنرال بريت ميتوس، أحد كبار القادة العسكريين الأميركيين المسؤولين عن جوام: "نحن بحاجة إلى مركز رئيسي، وجوام أكثر تطوراً من بقية الجزر، لذا من المنطقي أن نركز الجزء الأكبر من استثماراتنا هنا".
ارتفاع التكاليف ومشاكل البنية التحتية
وأشار الجنرال بليك بوركيت المسؤول عن الوحدة المشرفة على بناء القاعدة البحرية الأميركية الجديدة في جوام، إلى أن تكاليف البناء في الجزيرة قد تصل إلى 3 أضعاف التكاليف في مناطق أخرى من الولايات المتحدة.
وأوضح بوركيت أن السبب الرئيسي في ذلك هو تعقيدات النقل واللوجستيات، قائلاً: "إحضار المواد إلى الجزيرة يستغرق عادةً بين 4 و6 أسابيع، وربما أكثر. سلسلة التوريد هذه صعبة".
وذكرت الصحيفة أن أعمال الحفر تجري حالياً لإنشاء مسبح للتدريب قرب مركز لياقة بدنية وصالة رياضية قيد الإنشاء، في حين تم الانتهاء من بناء بعض الثكنات العسكرية أو أوشكت على الانتهاء.
لكن البنية التحتية التي تخدم المنشآت العسكرية وسكان الجزيرة، البالغ عددهم نحو 164 ألف نسمة، تحتاج أيضاً إلى تحديث، فعلى الرغم من وجود محطة طاقة جديدة ستبدأ العمل قريباً، فإن هيئة الكهرباء المحلية، التي تُعد البحرية الأميركية أكبر عملائها، تقول إنها بحاجة إلى 1.5 مليار دولار من التمويل الفيدرالي للمساعدة في تحسين الأمان عبر نقل شبكات التوزيع الرئيسية إلى تحت الأرض، بحسب الصحيفة.
كما يعاني المستشفى العام في الجزيرة من تقادم المنشآت، وتسرب المياه أثناء العواصف، وعدم الجاهزية للتعامل مع أحداث تشمل عدداً كبيراً من الإصابات، بحسب ما أفاد به العاملون فيه.
وقال إريك ريفن، نائب وزير البحرية خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، الذي شغل منصب المسؤول الدفاعي الأعلى لجوام: "رغم تزايد القدرة على بناء ثكنات ومدارس ومرافق جديدة هناك، فإن هناك حدوداً لما يمكن إنجازه، ومدى سرعة ذلك. الأمر سيستغرق وقتاً".
اختبارات دفاعية جديدة
وأشارت "وول ستريت جورنال" إلى أنه يجري حالياً اختبار مكونات ما تسميه الولايات المتحدة "نظام الدفاع عن جوام" في موقع تابع للجيش الأميركي، يقع على طريق رئيسي، خلف نقطة تفتيش يحرسها جنود مسلحون بشكل مكثّف.
ويشمل النظام راداراً جديداً يُعرف باسم "مستشعر الدفاع الجوي والصاروخي للطبقة الدنيا"، وهو مصمم لرصد التهديدات من جميع الاتجاهات، ويحتوي على مصفوفات هوائية في الجهتين الأمامية والخلفية.
وقال الجنرال جوناثان ستافورد قائد وحدة Task Force Talon التابعة للجيش الأميركي والمسؤولة عن الدفاع الصاروخي في جوام: "نجلب أحدث وأفضل ما لدينا من تكنولوجيا للدفاع عن هذه الجزيرة".
وأوضح ستافورد، الذي تدير قواته بالفعل بطارية من منظومة "ثاد" للدفاع الجوي، أن الرادار الجديد "يعكس مدى أهمية جوام بالنسبة للجيش الأميركي".
وكانت القوات الأميركية قد نجحت، في تجربة أجريت خلال ديسمبر الماضي، في اعتراض صاروخ باليستي متوسط المدى قبالة سواحل الجزيرة ضمن تجربة للنظام قيد التطوير.
ويهدف النظام إلى توفير حماية من صواريخ كروز، والصواريخ الباليستية، والصواريخ الفرط صوتية، إلا أن بعض المحللين أعربوا عن مخاوفهم من قدرة الصواريخ الصينية الفرط صوتية، التي تُعد بكين رائدة في تطويرها، على اختراق هذه الدفاعات.
وقال ليلاند بيتيس، مدير مركز المحيط الهادئ لأمن الجزر وهو مركز أبحاث مقره جوام: "جميع مكونات هذا النظام لا تزال في طور التجريب، إذا حدث أمر خطير خلال الأعوام المقبلة، اسألوا عن تقارير ما بعد الحدث لتعرفوا مدى فاعليته".
وختمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن القادة السياسيين في جوام يؤيدون بشكل عام خطط تعزيز الوجود العسكري الأميركي، نظراً للفوائد الاقتصادية والواقع الجيوسياسي الحالي، لكنهم يطالبون بضمانات بأن تحصل الجزيرة على الدعم اللازم لمواكبة الزيادة في عدد العسكريين، التي يقول السكان إنها أدت إلى ارتفاع أسعار الإسكان.
وعند سؤالها عمّا إذا كان نظام الدفاع الصاروخي الجديد سيجعل الجزيرة أكثر عرضة للاستهداف، قالت حاكمة جوام، لو ليون جيريرو، المنتمية للحزب الديمقراطي: "لا أعتقد أن هذا يجعل جوام هدفاً أكبر. فالتاريخ يثبت أننا دائماً كنا هدفاً".










