
وجد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر نفسه أمام اختبار سياسي ودبلوماسي بالغ الحساسية، بعدما وضعت تحركات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فنزويلا حكومته في موقف حرج، كاشفة التناقض بين إرثه الحقوقي وخياراته الواقعية في إدارة العلاقة مع البيت الأبيض.
واعتاد ستارمر كبح لسانه حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية الأميركية، لكن أحدث مغامرات ترمب وضعت رئيس الحكومة البريطاني في موقف بالغ الحرج، بحسب مجلة "بوليتيكو".
ستارمر محام سابق في مجال حقوق الإنسان، ووصف القانون الدولي يوماً بأنه "بوصلته الهادية"، إلّا أنه منذ توليه السلطة، سعى إلى الحفاظ على ود ترمب عبر طيف واسع من القضايا، حتى في الحالات التي بدت فيها التحركات الأميركية مناقضة صريحة للمعايير القانونية التي طالما شدد رئيس الوزراء على التمسك بها.
ستارمر "المتردد"
ووضع ذلك زعيم حزب "العمال" الحاكم، الذي يواجه ضغوطاً متزايدة، في مواجهة اتهامات جديدة بالتردد وغياب الحزم، في وقت بات فيه خصومه السياسيون من اليسار واليمين أكثر حرية في تقديم قراءات حادة للمشهد السياسي.
وظهر هذا التوازن الدقيق بوضوح خلال عطلة نهاية الأسبوع، عندما وصف ستارمر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي اعتقل بشكل دراماتيكي على يد قوات أميركية، بأنه "رئيس غير شرعي"، مكتفياً بإشارة عابرة إلى دعمه الشخصي للقانون الدولي.
وذكر، الاثنين، أن القواعد الدولية "مهمة للغاية"، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن "الأمر متروك للولايات المتحدة لتقديم مبرراتها للإجراءات التي اتخذتها".
وفيما يخص تهديدات ترمب المتكررة بضم جزيرة جرينلاند في الدنمارك، تبنّى ستارمر موقفاً أكثر صلابة، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنب انتقاد مباشر للرئيس الأميركي.
وعندما سُئل عما إذا كان يقف إلى جانب حليفته الأوروبية وعضو حلف شمال الأطلسي "الناتو" رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن، ومطالبتها ترمب بالكف عن الحديث عن السيطرة على الجزيرة، أجاب ستارمر: "أنا أقف معها، وهي محقة بشأن مستقبل جرينلاند".
صمت ستارمر يواجه انتقاداً يسارياً
وذكر نائب عن حزب العمال، طلب من "بوليتيكو" عدم الكشف عن هويته، أن التدخل الأميركي الأخير "يجب أن يكون بمثابة صفعة توقظنا عندما يتعلق الأمر بإدراك أولويات ترمب الحقيقية على الساحة الدولية".
وأثار صمت ستارمر النسبي حيال فنزويلا انتقادات من اليسار، إذ كتبت النائبة العمالية المخضرمة والمعلّقَة عضويتها حالياً ديان أبوت على منصة "إكس": "إذا كنت لا تستطيع القول إن هذا غير قانوني، فإن كل حديثك عن حقوق الإنسان والقانون والديمقراطية ليس سوى كلام فارغ".
وفيما لم تقتصر الشكوك بشأن نهجه على الأوساط اليسارية المعتادة، قالت إميلي ثورنبيري رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم عن حزب العمال وحليفة ستارمر السابقة: "نحتاج إلى أن نكون أكثر وضوحاً بالقول إن هذا انتهاك للقانون الدولي، وأننا لا نوافق على ما فعلوه".
وشددت ثورنبيري على الحاجة إلى "الإبقاء على حليف بالغ الأهمية مثل أميركا"، لكنها قالت لإذاعة "تايمز راديو" إن "ذلك لا معنى له إذا لم ندعم القانون الدولي".
من جانبها، رأت النائبة عن حزب العمال ستيلا كريسي أن "ترك تحركات ترمب في فنزويلا من دون تحدٍ يرسخ سابقة مقلقة مفادها أن القانون الدولي أمر اختياري".
العلاقة مع البيت الأبيض
ويخوض رئيس الوزراء البريطاني حالياً معركة ضد صورة ذهنية لدى بعض نواب حزب العمال والناخبين بأنه "حذر إلى حد التردد"، وهي تهمة من شأن هذه الخطوة الأميركية الأخيرة أن تعززها.
ورأى منتقدو ستارمر أن إحجامه يبرز بصورة أوضح عند مقارنته بقادة من أحزاب أخرى، من بينهم منافسون يساريون مثل زاك بولانسكي من حزب الخضر وإد ديفي زعيم الديمقراطيين الأحرار، اللذين أصدرا بيانات تهاجم ترمب.
ودعا ديفي، ستارمر، لـ"إدانة التحرك غير القانوني لترمب في فنزويلا"، مشيراً إلى أن "مادورو ديكتاتور وحشي وغير شرعي، لكن هجمات غير قانونية كهذه تجعلنا جميعاً أقل أمناً".
وأشار إلى أن ترمب يمنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينج "ضوءاً أخضر لمهاجمة دول أخرى من دون عقاب".
واتخذ نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح وصديق ترمب الشخصي، موقفاً أشد من ستارمر، قائلاً إن الرئيس الأميركي "انتهك بالفعل القانون الدولي بسبب ما فعله في فنزويلا"، لكنه أضاف أن ذلك "قد يكون أمراً جيداً".
وقد لا يكون ستارمر منشغلاً كثيراً بالانتقادات الموجهة إلى صمته الأوسع حيال ترمب، إذ رأى أنصاره أن رئيس الوزراء لا ينبغي أن يُستدرج إلى سياسة ردود الأفعال، مؤكدين أن الحفاظ على علاقة متماسكة مع البيت الأبيض يظل أهم من "رفع الصوت" في كل مرة.
وبصفته مديراً سابقاً للادعاء العام، فإن ستارمر متمرس في لغة الإجراءات والسوابق وضبط النفس، وفقاً للمجلة الأميركية.
وعندما سألته هيئة الإذاعة البريطانية BBC في نهاية الأسبوع عما إذا كان ترمب يسهم في خلق اضطراب عالمي، قال ستارمر: "دفاعنا وأمننا وعلاقتنا الاستخباراتية مع الولايات المتحدة ربما تهمنا أكثر من أي علاقة أخرى في العالم، ولن يكون من مصلحتنا الوطنية إضعافها بأي شكل".
ومع ذلك، فإن الجدل الدائر حول الخطوة الأخيرة لترمب يسحب، بلا شك، جزءاً مهماً من الزخم عن الهدف الأبرز لستارمر هذا العام، والمتمثل في أن يُنظر إليه كرئيس وزراء يركز بلا هوادة على معالجة أعباء المعيشة في الداخل، وفقاً لـ"بوليتيكو".
فخطابه الموجّه إلى نوابه القلقين والرأي العام يستند إلى أن هذا العام سيشهد بداية جني ثمار جهود حكومته في إصلاح النظام الصحي، واستقرار الاقتصاد، وإعادة بناء الثقة، غير أن ستارمر وجد نفسه، خلال ظهور إعلامي، الاثنين، محاصراً بأسئلة حول تغيير النظام في كراكاس وموقفه الداعم للدنمارك.
ترمب: فنزويلا لن تجري انتخابات جديدة
من جانبه، وفي آخر تصريحال للرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن فنزويلا، قال الاثنين إن الولايات المتحدة ليست في حالة حرب مع فنزويلا.
وأضاف لشبكة NBC الإخبارية، أن فنزويلا لن تجري انتخابات جديدة في الثلاثين يوماً المقبلة.
وأشار إلى أن أميركا ربما تدعم أي جهد لشركات النفط لإعادة بناء البنية التحتية للطاقة في فنزويلا، موضحاً أن هذا المشروع قد يستغرق أقل من 18 شهراً.











