
تحدث رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال زيارته الأخيرة إلى بكين بأسلوب هادئ، ينم عن رسائل تتعلق بإعادة تنظيم التحالفات، مفادها أن الصين شريك تجاري "أكثر قابلية للتنبؤ" من الولايات المتحدة في الوقت الراهن، ما يتطلب علاقات أقوى مع بكين في ظل ترسخ "نظام عالمي جديد"، وفق "بلومبرغ".
وقالت "بلومبرغ"، السبت، إن رئيس الوزراء الكندي، وهو محافظ بنك مركزي سابق، "لا يُعرف عنه المبالغة"، غادر العاصمة الصينية بعد إعلان اتفاق شراكة استراتيجية مع الرئيس الصيني شي جين بينج، يفتح الباب أمام الاستثمار في قطاع السيارات الكهربائية.
وهذه الخطوة كان يصعب تصوّرها قبل فوز الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفترة رئاسية ثانية في البيت الأبيض. ولطالما التزمت كندا بسياسة الولايات المتحدة تجاه الصين، حتى خلال الأزمة الدبلوماسية حول سجناء بارزين. وإلى جانب العلاقات التجارية التاريخية، فإن هذا التحالف بدأ يتصدع الآن، حسبما تصف "بلومبرغ".
وقبل أقل من عامين، طبقت كندا تعريفات جمركية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية لحماية صناعة السيارات في أميركا الشمالية، ما دفع الصين إلى فرض تعريفات جمركية مضادة.
ثم تولى ترمب منصبه، وفرض تعريفات جمركية على المنتجات الكندية، وضرائب استيراد عالمية على السيارات والصلب والألومنيوم، ما ألحق أضراراً بكندا بشكل خاص بسبب سلاسل التوريد التي تعبر الحدود.
لا توجد أي دولة من دول مجموعة السبع لديها علاقات تجارية أحادية القطب مثل كندا، التي ترسل نحو 70% من صادراتها إلى الولايات المتحدة، وتحصل على معظم وارداتها من هناك.
وقل كارني، وهو مصرفي سابق في مجموعة "جولدمان ساكس"، إن هذا يعني أن كندا يجب أن تضاعف صادراتها غير الأميركية في غضون عقد، وهو هدف يكاد يكون مستحيلاً دون التوصل إلى اتفاق مع الصين، بحسب خبراء.
خيارات كارني
قال إريك ميلر، مؤسس Rideau Potomac Strategy Group وهي شركة استشارات تجارية، لـ"بلومبرغ"، إن "ما يفعله رئيس الوزراء هو القول: (انظروا، لدينا خيارات. لن نجلس مكتوفي الأيدي وننتظر أن تحبونا مجدداً). لقد بدأ المحاولة، لكنه يمكنه دائماً التراجع إذا كان ذلك في مصلحة كندا".
تحدد الاتفاقية مع الرئيس الصيني، حصة سنوية قدرها 49 ألف سيارة كهربائية صينية مؤهلة لدخول كندا بمعدل جمركي منخفض، والأمر الأكثر إثارة للجدل هو أن اتفاق كارني يفتح سوق السيارات الكندية أمام استثمارات مشتركة من قبل شركات صناعة السيارات الصينية.
وهذه الشركات قلبت صناعة كانت تهيمن عليها ديترويت في الولايات المتحدة وألمانيا، فقد أطاحت شركة "بي واي دي" BYD الصينية هذا الشهر بشركة تسلا من صدارة المبيعات العالمية للسيارات الكهربائية.
في حين قال الممثل التجاري الأميركي جيميسون جرير، إن الاتفاقية ستكون "مشكلة" بالنسبة لكندا، ورغم أنها أثارت شكاوى مشرعين أميركيين في اللجنة الخاصة المعنية بالصين في مجلس النواب الأميركي، كان تقييم ترمب المبكر لتغيير كارني "أكثر تفاؤلاً".
وقال الرئيس ترمب الذي يخطط لزيارة الصين في أبريل المقبل: "لا بأس، هذا ما يجب أن يفعله (كارني). من الجيد له أن يوقع اتفاقية تجارية. إذا كان بإمكانك التوصل إلى اتفاق مع الصين، فعليك أن تفعل ذلك".
ومع ذلك، كانت أول رد فعل للرئيس الذي لا يمكن توقع تصرفاته، على إعلان مقاطعة أونتاريو المناهض للتعريفات الجمركية الذي استخدم اقتباساً من الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريجان، هادئاً أيضاً، قبل أن يتحول إلى غضب دفعه إلى إنهاء المحادثات التجارية مع كندا في أكتوبر الماضي.
"حد أدنى" من التنازلات
وأوضحت "بلومبرغ"، أن البيان المشترك بين كارني وشي، لا يعيد ترتيب النظام العالمي دفعة واحدة، إذ وقع الطرفان سلسلة مذكرات تفاهم غير مُلزمة وخطابات نوايا، التي على الورق، تعيد ببساطة عدة أمور إلى ما كانت عليه قبل بضع سنوات، وفق "بلومبرغ".
في عام 2017، توجه سلف كارني، جاستن ترودو، إلى بكين على أمل التوصل إلى "اتفاق تجاري شامل"؛ لكن تلك الجهود تبددت سريعاً، وبعد 12 شهراً، ألقت الشرطة الكندية القبض على المديرة المالية لشركة "هواوي" مينج وانتشو، في فانكوفر بناءً على طلب تسليم مؤقت من الولايات المتحدة، ما دفع الصين إلى احتجاز مواطنين كنديين اثنين، وترك العلاقات في حالة فوضى.
في تعليق على الخطوة، قال جيف نانكيفيل، الرئيس التنفيذي لمؤسسة آسيا والمحيط الهادئ في كندا، الذي شغل في السابق، منصباً دبلوماسياً كندياً رفيع المستوى في الصين، إن خطوة كارني هي نوع من "تحوّط المصرفيين".
وأضاف: "من المنطقي أن نفترض أن مهمة المفاوضين الكنديين كانت معرفة الحد الأدنى من التنازلات التي يمكننا تقديمها بشأن التعريفة الجمركية على السيارات الكهربائية، والتي ستكون كافية لحمل الجانب الصيني على الموافقة على تخفيضات كبيرة في تعريفاته الجمركية".
وتابع "هذه هي الصفقة. المهمة الأولى لقائد وطني، خاصة في أوقات الضغوط الاقتصادية، هي الحفاظ على خيارات البلاد مفتوحة".
فيما قال مايكل كوفريج، لـ"بلومبرغ"، وهو أحد الكنديين اللذين احتجزتهما الصين لمدة 3 سنوات تقريباً خلال أسوأ أزمة دبلوماسية بين البلدين، إن "الحكومة الكندية كانت في موقف صعب"، لافتاً إلى أن الصين "ليست دولة يمكن تجنبها".
مع ذلك، أشار كوفريج الذي يعمل الآن محللاً ومستشاراً في الشؤون الجيوسياسية والأمنية، إلى أن إعلان الشراكة، الجمعة، جعله "يحس بشعور سيء في أعماقه"، على حد قوله.
واعتقل رجل الأعمال الكندي، مايكل سبافور، مع مواطنه، مايكل كوفريج، في ديسمبر 2018 في الصين، في أعقاب اعتقال المديرة المالية لشركة "هواوي"، مينج وانتشو، في كندا تنفيذاً لمذكرة أميركية، فيما اعتبرت أوتاوا آنذك، أن "دوافع سياسية" وراء توقيف مواطنيها.
نهج حكومة ترودو
وأوضح كوفريج أن المزارعين في المراعي الشاسعة في كندا، يعانون من الرسوم الجمركية الصينية على حبوب الكانولا والبازلاء، ورسالة الصين كانت "افتحوا أسواقكم لإنتاجنا الزائد المدعوم بشكل كبير من السيارات الكهربائية، وغيرها من المنتجات، وإلا سنلحق بكم الضرر".
ولفت إلى أن "تعليق كارني المتماسك"، الجمعة، عندما قال "نحن نقبل العالم كما هو، وليس كما نرغب أن يكون"، جعله يبدو كـ"شخص غريب للغاية من نوعية رجال دافوس".
وأوضح كوفريج أن "كارني ربما يفضل عالماً يتسم بحرية التجارة، ويركز على الكفاءة"، ولكن يبدو أنه يدرك أننا "لم نعد نعيش في ذلك العالم"، وهذا يتطلب سلوكاً مختلفاً تماماً.
تعكس زيارة كارني إلى الصين، التركيز الاقتصادي القاسي الذي انتخبه الكنديون من أجله، حيث ساعدت مبادئ "الحمائية" الأميركية، ومواجهته لترمب الذي أعلن أنه يتطلع إلى ضم كندا لتصبح "الولاية 51" في صعود كارني إلى السلطة العام الماضي مع تفويض لتنويع التجارة.
وذكرت "بلومبرغ"، أنه في عهد ترودو، اتبعت كندا سياسة خارجية تركز على حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين، ولا يزال بعض أنصار كارني يريدونه أن يدافع عن هذه القضايا، لكن من الواضح أن التجارة والنمو الاقتصادي يحتلان مكانة أعلى في أجندته، وبالنسبة للبعض، يمثل نهج كارني إعادة ضبط مرحب بها.











