
يواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر اختباراً دبلوماسياً حاسماً مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وسط تهديدات اقتصادية وأمنية متجددة، إذ تسعى بريطانيا للحفاظ على تحالفها مع الولايات المتحدة دون المساس بأولوياتها الاستراتيجية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.
وقالت "بلومبرغ" إن ما وُصف بأنه مؤتمر صحافي "طارئ"، صباح الاثنين، منح ستارمر فرصة ذهبية للرد على ترمب بشأن هجومه الأخير على التحالف عبر الأطلسي.
وأضافت الوكالة في تقرير لها أن بعض الأصوات، وخصوصاً على يسار المشهد السياسي البريطاني، تتطلع إلى لحظة شبيهة بالمشهد الشهير في فيلم "Love Actually"، الذي أعرب فيه رئيس الوزراء عن خوفه من أن العلاقة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة قد تدهورت بسبب استيلاء الرئيس الأميركي "على كل ما يريد".
لكن ستارمر اختار مساراً مختلفاً، بحسب الوكالة، وأوضح للجمهور سبب إصراره على استنفاد جميع السبل الدبلوماسية مع الرئيس ترمب، مهما بدت هذه السبل غير مجدية في الوقت الراهن.
"جرينلاند" اختبار للعلاقة مع ترمب
وأشار رئيس الوزراء البريطاني إلى أن ترمب كان "مخطئاً تماماً" في تهديده المملكة المتحدة، ودولاً أوروبية أخرى بفرض رسوم جمركية لدفاعهم عن جرينلاند ضد طموحاته في ضمها.
ومع ذلك، شدد ستارمر على أن علاقة بريطانيا مع الولايات المتحدة "مهمة للغاية"، مضيفاً أن "بريطانيا، في عهد إدارة الرئيس ترمب، كما في عهد الإدارات الأميركية السابقة، عازمة على الحفاظ على قوة هذه العلاقة".
ورغم دعوته لاعتماد نهج "براجماتي وعقلاني"، فإن استراتيجية ستارمر في التعامل مع ترمب باتت تُختبر إلى أقصى حد بسبب موقف الرئيس الأميركي "العدائي" تجاه جرينلاند وتجدد حربه التجارية مع أوروبا، وفق الوكالة.
ونقل التقرير عن سام إدواردز، المؤرخ في جامعة لوبورو والمتخصص في العلاقات الأميركية البريطانية، قوله: "نحن الآن عند منعطف حاسم، حيث سيتضح مدى نجاح دبلوماسية ستارمر خلال الأيام والأسابيع القليلة المقبلة".
وأشار التقرير إلى أن ستارمر، مثل أسلافه، يسعى إلى استخدام ما يُعرف بـ"العلاقة الخاصة" مع الولايات المتحدة للحفاظ على تواصل وثيق مع ترمب، رغم الضغوط المستمرة التي يمارسها الأخير على حلفاء واشنطن.
ويظهر هذا النهج بوضوح في قيام ستارمر بحمل دعوة من الملك تشارلز الثالث لزيارة رسمية ثانية غير مسبوقة، الأمر الذي أسعد ترمب للغاية.
واعتمد بعض الأوروبيين أساليب مشابهة، أبرزهم الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "الناتو" مارك روته، الذي وصف الرئيس الأميركي بـ"الأب".
وأوضحت الوكالة أن هذا الأسلوب أثمر أحياناً، إذ ساعد ستارمر على تحسين العلاقات بعد مشادة كلامية حادة في المكتب البيضاوي بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وترمب.
"تداعيات انهيار العلاقة"
ومنذ أسابيع قليلة، بدا أن الولايات المتحدة اقتربت من موقف أوروبا بشأن أوكرانيا من خلال تقديم ضمانات أمنية قوية لكييف في مؤتمر صحافي مشترك في باريس.
وأكد مسؤولون حكوميون أن التأثير الفعلي يصعب قياسه، لكنهم يصرون على أن الجهود الأوروبية ربما حالت دون حدوث نتيجة أسوأ بكثير.
ومع ذلك، يواجه الاتفاق التجاري المعلن بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة العديد من العراقيل، ولا تزال الرسوم الجمركية بنسبة 25% سارية على صادرات الصلب البريطانية، رغم اتفاق أميركي سابق في مايو بإلغائها.
وأضاف التقرير أن هناك صفقة تكنولوجية كبيرة مع الولايات المتحدة معلقة، وقد اضطرت بريطانيا إلى توضيح موقفها لشركائها الأميركيين بأنها لن تتنازل عن خطوطها الحمراء فيما يخص المعايير، وفق مصادر مطلعة.
ولفتت "بلومبرغ" إلى أن ترمب انقلب الآن على أوروبا بشأن جرينلاند، إذ هدد بفرض رسوم بنسبة 10% الشهر المقبل، على أن ترتفع إلى 25% في يونيو إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق لشراء الإقليم الدنماركي.
وأوضحت أن حتى أشد المؤيدين للتحالف الأطلسي يشككون في فاعلية جهود ستارمر، وأكد الأخير أن الواقع القاسي يكمن في أن بريطانيا ليست في وضعٍ يسمح لها بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة، سواء على صعيد الأمن أو الاقتصاد.
وأضافت أن المملكة المتحدة استفادت أكثر من معظم دول أوروبا من علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة في مجال الدفاع، ما يجعلها أكثر عرضة للخطر في حال انهيار هذه العلاقة.
ونقلت "بلومبرغ" عن مسؤولين حكوميين قولهم إن الترابط الفريد في الشراكات العسكرية والنووية والاستخباراتية جعل بريطانيا الدولة الأكثر أماناً في أوروبا، مشيرين إلى أن إنهاء هذه الشراكات واستبدالها بقدرات سيادية سيكون إما مستحيلاً أو سيستغرق سنوات، وهو سيناريو لا يمكن تصوره وسيعرّض المملكة المتحدة للخطر.
وتابع المسؤولون: "الحقيقة هي أن بريطانيا هي الشريك الأصغر والمستفيد الأكبر في العلاقة الأمنية، ولذا فإنها ستتكبد خسائر أكبر في حال انهيار هذه العلاقة".
وقال ستارمر: "يظل تعاوننا في مجال الدفاع والقدرات النووية والاستخباراتية وثيقاً وفعالًا كما هو الحال في أي مكان في العالم، مما يحافظ على أمن بريطانيا في بيئة تتزايد فيها المخاطر".
"العودة للاتحاد الأوروبي"
كما نقلت "بلومبرغ" عن أوليفيا أوسوليفان، مديرة برنامج "بريطانيا في العالم" في عهد "تشاتام هاوس" البريطاني، قولها: "للأسف، لا نملك سيطرة كبيرة على الوضع. الأهم هو أن نبدأ بالتفكير بعيد المدى في كيفية إدارة مخاطر استمرار الولايات المتحدة في استغلال علاقتنا الاقتصادية والأمنية بهذه الطريقة".
وأشار التقرير إلى أن اقتصاد بريطانيا، منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، أصبح أكثر عرضة لحرب تجارية عالمية محتملة، إذ باتت تفتقر إلى النفوذ اللازم للتفاوض مع الولايات المتحدة، ولا يوجد ما يضمن لها الحصول على شروط أفضل مع أوروبا أيضاً، وقد بدا ذلك واضحاً عندما استبعد ستارمر تقريباً فرض رسوم مضادة على الولايات المتحدة، ما ميّز رد بلاده عن رد الاتحاد الأوروبي.
وأضافت الوكالة أن هذا الوضع يضع بريطانيا في موقف خطير، إذ باتت مُعرَّضة للاتهام القديم بأنها دولة تابعة للولايات المتحدة، وأكثر اعتماداً على حليفها "المتقلب" بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.
ويواجه كير ستارمر دعوات لتغيير هذا الوضع، إما بزيادة الإنفاق الدفاعي بشكل كبير ليصل إلى نسبة 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام المقبل، أو بالسعي لعلاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت الحالي، يبدو أن ستارمر غير مستعد لأي من الخيارين، بل يتمسك بنهجه الدبلوماسي.
وأفادت "بلومبرغ" بأن رئيس الوزراء لم يكن يخطط لحضور المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا الأسبوع، لكن جرت مناقشات حول إمكانية إعادة النظر في حضوره نظراً لتغير المشهد الدولي، حسب ما نقلت عن مصادر مطلعة، وقد تم اتخاذ قرار متأخر بإرسال وزيرة الخارجية إيفيت كوبر.
وقال ستارمر الاثنين: "في مثل هذه اللحظات، سيكون هناك دائماً مَن يلجأون إلى الاستعراض، أو مَن يعتقدون أن منشوراً غاضباً على وسائل التواصل الاجتماعي، أو التباهي، يغني عن العمل الجاد، وهذا شعور مفهوم، لكنه غير مجدٍ".
واختتمت "بلومبرغ" تقريرها بالقول إن "المشكلة تكمن في أن الدبلوماسية في الوقت الحالي لا تبدو فعَّالة أيضاً".










