
يلتقي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الأميركي دونالد ترمب على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة دافوس السويسرية، بعد أيام على عرض الأخير الوساطة استئناف الوساطة مع إثيوبيا بشأن مياه النيل، وبدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة، الذي تشارك القاهرة في صياغة ترتيباته الأمنية، وهي ملفات ينتظر أن تحضر بقوة على طاولة محادثات الجانبين.
الرئاسة المصرية قالت في بيانها الثلاثاء، إن اللقاء بين السيسي وترمب في منتدى دافوس، الذي يُعقد من 19 إلى 23 يناير، سيبحث "آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وسبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة بما يخدم مصالح البلدين ويعزز الاستقرار الإقليمي والدولي".
ويأتي اللقاء المرتقب بين السيسي وترمب وسط تطورات هامة تتعلق بمستقبل قطاع غزة، وإعلان الأخير بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وتشكيل "مجلس السلام" في القطاع، والذي سيتم الكشف عن أسماء أعضائه قريباً، وكذلك، الكشف عن أسماء ما يُسمى "المجلس التنفيذي التأسيسي" المنوط بالإشراف على تنفيذ الخطة الشاملة لإنهاء الحرب في غزة، بالإضافة لإعلان تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة.
لقاء ثانٍ
وهذا اللقاء هو الثاني بين السيسي وترمب، بعد عودة الأخير إلى البيت الأبيض، حيث جرى اللقاء الأول على هامش قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر الماضي، والتي شهدت التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بعد عامين من الحرب.
ومؤخراً، أكد الرئيس السيسي خلال لقاء كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، أهمية البناء على ما شهدته العلاقات الاستراتيجية بين البلدين من زخم خلال الفترة الماضية للارتقاء بالتعاون المشترك في مختلف المجالات، وبما يحقق مصالح الجانبين.
وجرى التأكيد على أهمية عقد النسخة الثانية من المنتدى الاقتصادي المصري الأميركي خلال عام 2026، فضلاً عن ضرورة زيادة التشاور والتنسيق بين البلدين في مختلف الملفات الإقليمية، وعلى رأسها الأوضاع في السودان وليبيا والقرن الإفريقي، تحقيقاً للاستقرار في المنطقة.
وتمتد العلاقات المصرية-الأميركية لقرابة القرن ونصف، حيث بدأت الولايات المتحدة تواجدها الدبلوماسي لأول مرة في مصر في 17 مارس 1849.
واعترفت واشنطن رسمياً باستقلال مصر في 26 أبريل 1922 في رسالة من الرئيس وارن هاردينج إلى الملك أحمد فؤاد، قبل أن تشهد العلاقات تطوراً كبيراً خلال العقود الثلاث الأخيرة من القرن العشرين، وبداية الألفية الجديدة، من خلال التعاون في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية؛ حيث تعد القاهرة حليفا استراتيجيا لواشنطن بالمنطقة.
وفتحت التطورات الأخيرة في المنطقة، وعرض ترمب للوساطة في قضية المياه المتنازع عليها بين القاهرة وأديس أبابا، الباب للتساؤل عن أبرز الملفات التي ستكون حاضرة على طاولة لقاء الرئيسين في دافوس.
ملفات رئيسية
وقال مصدر مصري مطلع لـ"الشرق"، إن هناك 3 ملفات رئيسية على طاولة اللقاء بين الرئيسين السيسي وترمب، أولها التأكيد على العلاقات المصرية-الأميركية ومنحها المزيد من الزخم.
وأضاف المصدر، أن ثاني الملفات، هو المرحلة الثانية من اتفاق السلام في غزة، إذ تحظى بأهمية كبيرة في هذا اللقاء، حيث سيتم التباحث بشأن سُبل تحصين المرحلة الثانية التي انطلقت في يناير الجاري، عقب تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية المسؤولة عن إدارة قطاع غزة، وكذلك إعلان الولايات المتحدة تشكيل مجلس السلام، الذي يأتي ضمن المرحلة الثانية من الخطة الشاملة لإنهاء الحرب في القطاع.
أما الملف الثالث، وفق المصدر، فهو الإعلان الأخير للرئيس الأميركي بشأن الوساطة في أزمة السد الإثيوبي.
وأشار المصدر إلى أن إعلان ترمب، جعل هذا الملف يحظى بأهمية كبيرة على جدول اللقاء، خاصة وأن ترمب وجه رسالة مباشرة للسيسي بشأن رغبته في حل هذا النزاع، الذي يُشكل "مسألة وجودية للقاهرة"، وفق ما ذكر المصدر.
مطالب القاهرة
المصدر أشار إلى مطالب وأهداف تسعى لها القاهرة من هذا اللقاء، أولها ما يتعلق بالترتيبات الأمنية في قطاع غزة، والدور الذي يمكن أن تلعبه مصر في قوة الاستقرار الدولية، لافتاً إلى أن هذا المطلب لا يقل أهمية عن قضية الأمن المائي ومياه نهر النيل.
ولفت المصدر إلى أن مصر لديها رغبة هامة في المشاركة بالترتيبات الخاصة بهذه القوة.
وشدد المصدر على أن القاهرة تحتاج ضمانات من واشنطن فيما يخص الوساطة بملف السد الإثيوبي، ومعرفة آلية وشكل هذه الوساطة، بالإضافة إلى معرفة مدى إمكانية دخول أطراف إقليمية على خط الوساطة من عدمه، لافتاً إلى أن القاهرة ستُبلغ واشنطن أن مسألة المياه لا تقبل التنازل عن الحقوق التاريخية.
ويُشكل السد الذي شيدته إثيوبيا على النيل الأزرق، كأكبر سد لتوليد الكهرباء في إفريقيا بسعة تخزينية تتجاوز 74 مليار متر مكعب، محل نزاع مع دولتي المصب (السودان ومصر) في ظل هواجس الدولتين بشأن حصصهما في مياه النيل، وعدم التوصل لاتفاق مُلزم بين الدول الثلاث.
وشهدت الولاية الأولى لترمب داخل البيت الأبيض، انخراطاً مباشراً في جهود الوساطة بين مصر التي ترى أمنها المائي "قضية وجودية"، وإثيوبيا التي تتمسك بما تقول إنه حقها في التنمية، حيث توصلت الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) أواخر فبراير 2020، لصيغة اتفاق نهائية بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، قبل أن تتغيب إثيوبيا عن الاجتماع الختامي، بينما قامت مصر بالتوقيع بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق، التي جرى إعدادها برعاية وزارة الخزانة الأميركية، وبمدخلات فنية من البنك الدولي.
سد النهضة والبحر الأحمر
من جانبه، يرى وزير الخارجية المصري الأسبق والأمين العام لجامعة الدول العربية الأسبق عمرو موسى، أن ملف سد النهضة الإثيوبي سيكون رئيسياً على طاولة الحوار بين الرئيسين، وسيتم وضعه كأولوية قصوى في اللقاء.
وأضاف عمرو موسى في حديثه لـ"الشرق" أن اللقاء يأتي في ظروف "شديدة الخطورة" تعصف بالمنطقة ككل، مشيراً إلى أن ملف غزة والدمار الذي طال القطاع الفلسطيني، وسبل إعادة الإعمار، لهم مكانة هامة على طاولة الحوار، خاصة وأن هذا الملف يتشابك مع العديد من الدول الإقليمية بالمنطقة.
ولفت وزير الخارجية المصري الأسبق، النظر للتطورات الأمنية في المنطقة، سواءً ما يتعلق بالبحر الأحمر والمحيط الهندي ومنطقة باب المندب والقرن الإفريقي، مؤكداً أن اللقاء سيتطرق لتلك التطورات، خاصة ما يتعلق بالموقف في السودان والصومال، وحالة عدم الاستقرار في البحر الأحمر.
وأشار الدبلوماسي المصري إلى أنه ستجري مناقشة ما يتعلق بالترتيبات الأمنية بالمنطقة ككل، وسبل التهدئة وتحقيق الاستقرار، متوقعاً نتائج "هامة" لهذا اللقاء.
المرحلة الثانية من اتفاق غزة
واعتبر مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي، أن آلية التعاون بين القاهرة وواشنطن فيما يتعلق بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في غزة، وطريقة عمل الأجهزة التي تم تشكيلها كمجلس السلام التنفيذي التأسيسي، وكذلك اللجنة الفلسطينية لإدارة القطاع، والتي ستتولى الإشراف على تنفيذ الخطة الشاملة لإنهاء الحرب في فترة انتقالية تنتهي بنهاية ديسمبر 2027، سُتشكل محل نقاش هام على طاولة الرئيسين.
وأضاف هريدي في حديثه لـ"الشرق"، أن ملف إعادة إعمار قطاع غزة سيكون حاضراً ضمن الحديث عن المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب، خاصة وأن واشنطن والقاهرة سبق وأعلنتا اعتزامهما تنظيم مؤتمر للدول المانحة؛ لجمع أموال إعادة إعمار القطاع الفلسطيني، ويُشكل هذا الملف حجز الزاوية للمرحلة الثالثة من الاتفاق.
وأعلنت واشنطن مؤخراً أنها تدرس بالتنسيق مع حلفائها، عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار قطاع غزة، مشيرة إلى مشاركتها عدة دول عربية وإقليمية في هذه المشاورات، وعلى رأسها مصر، التي تلعب دوراً محورياً بوصفها شريكاً أساسياً في جهود التهدئة وإعادة الإعمار.
واستطرد السفير حسين هريدي قائلاً إنه "سيتم مناقشة قوة الاستقرار الدولية وآلية عملها، وكيف يُمكن التعامل مع إشكالية نزع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية في غزة"، موضحاً في الوقت ذاته أن القاهرة ستطالب واشنطن بضمانات وجدول زمني لانسحاب كامل القوات الإسرائيلية من قطاع غزة خلال المرحلة الثانية.
العلاقات المصرية-الإسرائيلية
وفي حين شهدت الفترة الماضية، عدة تقارير تحدثت عن إمكانية عقد لقاء يجمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برعاية أميركية، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، إن هذا الأمر لن يكون مطروحاً على طاولة لقاء السيسي وترمب في دافوس.
وأضاف هريدي أن علاقة القاهرة وتل أبيب لن تكون محطة مُجدولة في اللقاء، معتبراً أن الإمكانية الوحيدة للتطرق لهذا الأمر ستتمثل في الحديث عن فتح معبر رفح، وتواجد القوات الإسرائيلية في الجانب الفلسطيني للمعبر، والذي ترفضه القاهرة بشكل واضح.
وتشهد العلاقات المصرية الإسرائيلية منذ بداية الحرب على غزة، حالة من التوتر التي تصل في بعض الأحيان لمرحلة الجمود، وسط خروقات إسرائيلية لاتفاقية السلام والتموضع في محور صلاح الدين على الحدود المصرية مع قطاع غزة، وهو ما ترفضه القاهرة.
تعديل كامب ديفيد
وسلطت تقارير عدة مؤخراً، الضوء على رغبة القاهرة في إدخال تعديلات على اتفاقية السلام مع إسرائيل الموقعة في 1979، على هامش لقاء السيسي وترمب، بالشكل الذي يُتيح للقاهرة زيادة قواتها في المنطقة (ج) بشبه جزيرة سيناء؛ لمجابهة التحديات والمخاطر الجيوسياسية، والتهديدات المرتبطة بالتطورات في قطاع غزة.
وبشأن هذه النقطة، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، صفي الدين خربوش، إن هذا الأمر غير مُرجح في لقاء دافوس، موضحاً أن هناك تفاهمات جرت خلال السنوات الماضية بين القاهرة وتلك أبيب في فترة محاربة الإرهاب في سيناء، سمحت بدخول قوات مصرية بشكل أكبر لتلك المنطقة، مؤكداً أن لجنة التنسيق العسكري المصرية-الإسرائيلية تجتمع بشكل دوري؛ حتى في أشد فترات التوتر بين القاهرة وتل أبيب.
وأشار خربوش في حديثه لـ"الشرق" إلى أن القاهرة لا تُفضل الحديث حول هذا الأمر في ظل حكومة نتنياهو الحالية، لافتاً إلى أنه في حال وجود رغبة في تعديل الاتفاقية وملحقها الأمني، فإنها ستنتظر قدوم حكومة جديدة بخلاف حكومة نتنياهو اليمينية المُتطرفة.
وفيما يرى أستاذ العلوم السياسية أن ملف غزة يسير بشكل إيجابي مع التطورات الأخيرة، فإنه يتفق مع سابقيه في حضور الملف المائي بقوة على طاولة اللقاء، وتصدره حديث السيسي وترامب؛ لاسيما بعد عرض الأخير للوساطة بين القاهرة وأديس أبابا والتي وصفها بـ"المفاجئة".
ولا يستبعد صفي الدين خربوش، إمكانية توجيه ترمب دعوة للسيسي لعقد قمة أميركية-مصرية في واشنطن الفترة المقبلة، خاصة وأن الفترة الماضية شهدت حديثاً موسعاً عن زيارة مرتقبة للرئيس المصري إلى الولايات المتحدة وعقد قمة على مستوى البلدين.










