كارني: النظام العالمي انتهى ولن يعود ولا يجب أن نرثيه | الشرق للأخبار

كارني: النظام العالمي انتهى ولن يعود.. وعلى الدول متوسطة القوة تجنب الوقوع فريسة

رئيس وزراء كندا: عندما لا تعود القواعد تحميك عليك أن تحمي نفسك

time reading iconدقائق القراءة - 11
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يلقي كلمة أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، 20 يناير 2026 - Reuters
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يلقي كلمة أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، 20 يناير 2026 - Reuters
دبي-الشرق

في لحظة مفصلية خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أعلن رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، الثلاثاء، "وفاة" النظام العالمي القديم القائم على القواعد، داعياً القوى المتوسطة إلى شق مسار جديد أو المخاطرة بأن تصبح ضحية لطموحات القوى العظمى.

وفي خطاب اتسم بصراحة غير معهودة في مثل هذه المحافل الدبلوماسية، رفض كارني المجاملات السياسية، طارحاً عقيدة جديدة لبلاده أسماها "الواقعية القيمية" (Values-based Realism).

ويأتي هذا الخطاب في وقت يشهد فيه العالم توترات متصاعدة، وحروباً تجارية، واحتكاكات جيوسياسية متزايدة، لا سيما الخلاف الأخير مع الولايات المتحدة بشأن السيادة في القطب الشمالي.

نهاية "القصة اللطيفة"

بدأ كارني خطابه بتفكيك السردية التي حكمت السياسة الخارجية الغربية لعقود. وقال للحضور: "إن النظام القائم على القواعد يتلاشى. الأقوياء يفعلون ما بوسعهم، والضعفاء يعانون ما هو مفروض عليهم".

ورفض رئيس الوزراء الكندي فكرة أن العالم يمر مجرد "مرحلة صعبة"، مؤكداً بلهجة حادة: "دعوني أكون مباشراً: نحن في خضم قطيعة (Rupture)، وليس مجرد مرحلة انتقالية".

وجادل بأن العصر الذي كان فيه التكامل الاقتصادي ضمانة للسلام قد ولى، ليحل محله "واقع وحشي" يتم فيه استخدام الاعتماد المتبادل كسلاح من خلال التعريفات الجمركية، والإكراه المالي، واستغلال سلاسل التوريد.

واستحضر كارني إرث المنشق التشيكي فاتسلاف هافل، مشبهاً الوضع العالمي الحالي بـ"العيش داخل كذبة"، حيث تظاهرت الدول لسنوات بأن القوانين الدولية تعمل بحيادية بينما كانت القوى العظمى تستثني نفسها منها.

وقال: "لقد حان الوقت للشركات والدول أن تتوقف عن التظاهر.. نحن نتعامل بفاعلية مع العالم كما هو، وليس كما نتمنى أن يكون".

القوى المتوسطة: "على الطاولة أو في قائمة الطعام"

ووجه كارني رسالة تحذير شديدة اللهجة للقوى المتوسطة – وهي الدول التي لا تملك هيمنة أميركا أو الصين ولكنها تملك وزراً جماعياً مؤثراً. وقال في عبارة لاقت صدى واسعاً في القاعة: "إذا لم نكن على الطاولة، فنحن في قائمة الطعام".

وحث كارني هذه الدول على التوقف عن التفاوض بشكل ثنائي من موقع ضعف، وبدلاً من ذلك الاستفادة من ثقلها الجماعي لإنشاء "مسار ثالث" ذي تأثير، مشيراً إلى مبادرات مثل "نوادي المشترين" للمعادن الحرجة والجهود لربط الشراكة عبر المحيط الهادئ بالاتحاد الأوروبي.

تنويع التحالفات: شراكات مع قطر والصين

وفي إطار تطبيق عقيدة "الواقعية القيمية"، كشف كارني عن تحركات دبلوماسية تتحدى منطق التكتلات التقليدية. وأعلن عن إبرام شراكات استراتيجية جديدة مع كل من الصين وقطر، إلى جانب مفاوضات تجارية جارية مع الهند ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان).

وأوضح كارني: "لم نعد نعتمد فقط على قوة قيمنا، بل أيضاً على قيمة قوتنا"، مشيراً إلى أن كندا ستتعامل مع أي شريك يخدم مصالحها الوطنية ضمن نهج "الهندسة المتغيرة" (Variable Geometry)، والذي يعني تشكيل تحالفات مختلفة لقضايا مختلفة بدلاً من الالتزام الأعمى بمعسكر واحد.

المواجهة في القطب الشمالي وتحدي ترمب

وخيّم التوتر الحالي مع الولايات المتحدة على أجواء الخطاب، خاصة في ظل تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض تعريفات جمركية وتحديه للسيادة في القطب الشمالي فيما يتعلق بجرينلاند.

وأكد كارني وقوف بلاده الحازم مع جرينلاند والدنمارك، معارضاً ما وصفه بـ"الترهيب الاقتصادي".

وقال: "فيما يتعلق بالسيادة القطبية، نقف بحزم مع جرينلاند.. كندا تعارض بشدة التعريفات الجمركية وتدعو لمحادثات مركزة". ودعم كارني هذا الموقف بالإشارة إلى التزام حكومته بمضاعفة الإنفاق الدفاعي بحلول عام 2030، بما في ذلك الاستثمار في الغواصات وتعزيز الوجود العسكري في الشمال.

تحصين الجبهة الداخلية

وربط كارني بين الطموح الخارجي والقوة الاقتصادية الداخلية، مؤكداً أن كندا "تمتلك ما يريده العالم". ووصف بلاده بأنها "قوة عظمى في مجال الطاقة" تتمتع بقدرة مالية هائلة للعمل بحسم.

واستعرض الإصلاحات الاقتصادية التي شملت خفض الضرائب وتسريع استثمارات بقيمة تريليون دولار في قطاعات الطاقة والمعادن الحرجة والذكاء الاصطناعي، مقدماً كندا ليس كمراقب سلبي للتحولات العالمية، بل كـ"شريك مستقر وموثوق في عالم يفتقر إلى الاستقرار".

واختتم كارني خطابه بالتأكيد على أن "الحنين إلى الماضي ليس استراتيجية"، وأن على الدول المتوسطة بناء مؤسسات واتفاقيات تعمل بصدقية بدلاً من انتظار عودة نظام قديم لن يعود.

"قصة زائفة جزئياً"

وقال كارني: "كنا نعلم أن قصة "النظام الدولي القائم على القواعد" كانت جزئياً غير صحيحة. كنا نعلم أن الأقوى يعفون أنفسهم عند الحاجة. وأن قواعد التجارة تُطبَّق بصورة غير متكافئة. وكنا نعلم أن القانون الدولي يُطبَّق بدرجات متفاوتة من الصرامة تبعاً لهوية المتهم أو الضحية".

وأضاف: "كانت هذه الرواية مفيدة. وكانت الهيمنة الأميركية، على وجه الخصوص، تساعد في توفير سلع عامة: ممرات بحرية مفتوحة، ونظاماً مالياً مستقراً، وأمناً جماعياً، ودعماً لأطر تسوية النزاعات".

وتابع: "ولذلك، وضعنا اللافتة في النافذة. شاركنا في الطقوس. وتجنبنا إلى حد كبير تسليط الضوء على الفجوات بين الخطاب والواقع. لكن هذا الاتفاق لم يعد صالحاً".

وقال كارني إن الكثير من الدول تتوصل إلى الاستنتاجات نفسها، وإن عليها أن تطوّر قدراً أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية: في الطاقة، والغذاء، والمعادن الحيوية، وفي التمويل وسلاسل الإمداد.

وأضاف: "الدولة التي لا تستطيع إطعام نفسها، أو تزويد نفسها بالطاقة، أو الدفاع عن نفسها، تكون خياراتها محدودة. وعندما لا تعود القواعد تحميك، عليك أن تحمي نفسك".

عالم القلاع

وأضاف كارني أن هذا النهج الأكثر انعزالية، حيث يسود "عالم من القلاع"، سيجعل الدول أفقر وأكثر هشاشة وأقل استدامة. لكنه قادم على أي حال، ويتعين على كندا أن تعمل مع حلفاء يتشاركون معها الرؤية نفسها حيثما أمكن، للتصدي لهيمنة دول أكبر وأكثر ثراءً وتسليحاً.

وقال كارني: "هذه ليست تعددية ساذجة، ولا هو اعتماد على مؤسسات ضعفت. إنه بناء تحالفات فعّالة، قضيةً بقضية، مع شركاء يتقاسمون قدراً كافياً من الأرضية المشتركة للتحرك معاً. على الدول متوسطة القوة أن تتحرك معاً، لأنك إذا لم تكن على الطاولة، فستكون على القائمة".

وقال رئيس الوزراء مارك كارني للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا إن "قوة الشرعية والنزاهة والقواعد ستظل قوية إذا اخترنا أن نُحسن استخدامها معاً"، وذلك في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية من القوى الكبرى، من دون أن يسمّي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مباشرة.

وأضاف: "نحن ننخرط على نطاق واسع وبطريقة استراتيجية، وبعيون مفتوحة. نتعامل بنشاط مع العالم كما هو، لا ننتظر العالم كما نرغب أن يكون".

وتابع: "النظام القديم لن يعود. ولا ينبغي أن نرثيه. الحنين إلى الماضي ليس استراتيجية. لكن من هذا التصدع يمكننا أن نبني شيئاً أفضل، وأقوى، وأكثر عدلاً".

الإنفاق الدفاعي وتنويع التجارة

وقال كارني إنه منذ توليه المنصب عمل على تغيير مسار كندا، عبر مضاعفة الإنفاق الدفاعي، وتسريع تنويع التجارة من خلال توقيع 12 اتفاقاً تجارياً وأمنياً في أربع قارات خلال ستة أشهر، وتعميق التقارب مع الاتحاد الأوروبي.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أبرم كارني أيضاً اتفاقاً تجارياً مع الصين بشأن المركبات الكهربائية والمنتجات الزراعية، منهياً سنوات من التوتر الثنائي، وسعى إلى تعزيز العلاقات مع الشرق الأوسط.

كما تسعى كندا إلى إبرام اتفاقيات تجارة حرة مع الهند، وتايلندا، والفلبين، ودول رابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان)، وتكتل ميركوسور في أميركا الجنوبية، الذي يضم الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وباراغواي وأوروجواي.

وقال كارني: "القوى الكبرى تستطيع تحمّل العمل منفردة. لديها حجم السوق، والقدرة العسكرية، والنفوذ لفرض الشروط. أما الدول متوسطة القوة فلا. وعندما نتفاوض فقط بشكل ثنائي مع قوة مهيمنة، فإننا نتفاوض من موقع ضعف. نقبل بما يُعرض علينا. ونتنافس في ما بيننا لنكون الأكثر تكيّفاً. هذا ليس سيادة. بل هو أداء شكلي للسيادة مع قبول الخضوع".

وأضاف: "في عالم تسوده منافسة القوى الكبرى، أمام الدول الواقعة في الوسط خياران: إما أن تتنافس في ما بينها لنيل الرضا، أو أن تتحد لخلق مسار ثالث ذي تأثير".

كندا "شريك مستقر وموثوق"

ورغم لهجته المتشككة إزاء بعض المؤسسات العالمية، وتعبيره عن أسف لما وصفه بـ"القطيعة" في الطريقة التي سارت بها الأمور طويلاً، قال كارني إنه يشعر بالثقة حيال مستقبل كندا رغم تغيّر المعطيات.

وقال إن كندا "شريك مستقر وموثوق" "يقدّر العلاقات على المدى الطويل"، ما يجعلها جذابة لدول أخرى.

وأضاف: "كندا تمتلك ما يريده العالم. نحن قوة عظمى في مجال الطاقة. ولدينا أكثر السكان تعليماً في العالم". وتابع: "لدينا رأس المال، والمواهب، وحكومة تمتلك قدرة مالية هائلة على التحرك بحسم. ولدينا القيم التي يطمح إليها كثيرون".

وقال كارني: "لا يمكنك أن تعيش في وهم المنفعة المتبادلة عبر الاندماج، عندما يصبح الاندماج مصدر خضوعك".

ضغوط أميركية

وفي وقت لاحق، وخلال جلسة حوار غير رسمية على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، أقرّ كارني بأن كندا معرّضة لضغوط من الولايات المتحدة التي باتت أكثر اندفاعاً، نظراً إلى الجغرافيا والروابط الاقتصادية العميقة الممتدة منذ زمن طويل.

لكنه قال إن كندا أثبتت بالفعل قدرتها على الصمود في مواجهة حرب تجارية أميركية، إذ أضافت البلاد وظائف أكثر من الولايات المتحدة منذ أن فرض ترمب رسوماً جمركية على السلع العالمية.

ومع ذلك، أشار إلى وجود "بؤر من الضغط الشديد"، في إشارة محتملة إلى قطاعات الصلب والألمنيوم والسيارات والأخشاب، التي واجهت رسوماً أميركية مرتفعة بشكل خاص.

وخلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بمناسبة مرور عام على تنصيبه لولاية ثانية، أشار ترمب إلى ما وصفه بمشكلات في صناعة السيارات الكندية بوصفها أحد إنجازاته.

وقال: "الكثير من مصانع السيارات الكندية تُغلق وتنتقل إلى الولايات المتحدة. لا يستطيعون دفع الرسوم الجمركية، لذا يأتون إلى هنا".

وتوقفت مصانع تجميع السيارات في برامبتون وإنجيرسول بمقاطعة أونتاريو عن العمل منذ أن أطلق ترمب حربه التجارية. لكن، وعلى الرغم من خطاب الرئيس الأميركي، تُظهر بيانات أولية صادرة عن مكتب إحصاءات العمل الأميركي أن وظائف صناعة السيارات في أميركا شهدت في الواقع انكماشاً خلال العام الماضي.

تصنيفات

قصص قد تهمك