
أثار تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخير تفاعلاً واسعاً في الأوساط السياسية العراقية، بعد أن حمل رسائل مباشرة برفض ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، وسط تحذيرات من أن تجاهل هذا الموقف قد يقود إلى تداعيات تمس الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد، في مرحلة توصف بأنها من الأكثر حساسية منذ سنوات.
ووجّه ترمب رسالة تحذير واضحة إلى القوى السياسية العراقية، جاءت بلهجة حملت إشارات مباشرة إلى إمكانية تعرّض العراق لضغوط اقتصادية ومالية في حال المضي بخيار ترشيح المالكي.
ورأى مختصون أن خطورة هذه التحذيرات لا تكمن في مضمونها فحسب، بل في توقيتها، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي واعتماد العراق بشكل كبير على الاستقرار المالي الخارجي.
وفي هذا السياق، قال الباحث والأكاديمي فاضل أبو رغيف، لـ"الشرق"، إن "البيان هذه المرة كان دقيقاً وصريحاً وواضحاً"، مشدداً على أن "الإطار التنسيقي مطالب بأخذ جدية هذه التصريحات بنظر الاعتبار، لأن العراق قد يقع في المحظور، وقد يتعرض لعقوبات اقتصادية ومالية، وسط شح اقتصادي ومالي واضح".
ولفت إلى أن الولايات المتحدة تمتلك أوراق ضغط مؤثرة، في مقدمتها سيطرتها على البنك الفيدرالي الأميركي، الذي تُودع فيه عائدات الصادرات النفطية العراقية، ما يجعل أي تصعيد محتمل ذا أثر مباشر على الوضع المالي للبلاد.
وأشار أبو رغيف إلى أن الإطار التنسيقي "مطالب بالنظر بجدية إلى الخيارات المتاحة، ومحاكاة تجربة رئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي، حينما تراجع خطوة إلى الخلف ورشح بديلاً عنه، تجنباً لحالة انسداد سياسي".
خلط الأوراق
داخلياً، أعاد تصريح ترمب خلط الأوراق بين القوى السياسية، إذ تشير قراءات سياسية إلى أن مواقف عدد من الأطراف داخل الإطار التنسيقي، إلى جانب قوى سياسية سنية وكردية، تأثرت بشكل مباشر، ما انعكس على مستوى التوافقات داخل البرلمان.
وذكر المحلل السياسي نجم القصاب لـ"الشرق" أن "قوى سياسية شيعية وسنية وكردية كانت قد وضعت فيتو على شخص نوري المالكي قبل الموقف الأميركي"، موضحاً أن "ترشيح المالكي داخل الإطار التنسيقي لم يكن بإجماع، وإنما تم بالأغلبية".
ولفت القصاب إلى أن "هناك لوبيات (مجموعات) داخل الإطار التنسيقي، وأخرى داخل المجلس السياسي السني، إضافة إلى قوى سياسية كردية، اجتمعت وقررت عدم دعم المالكي"، مشيراً إلى أن "عدم اكتمال النصاب في جلسة اختيار رئيس الجمهورية يُعد دليلاً واضحاً على هذا التوجه".
وأوضح أن "الموقف الأميركي جاء لاحقاً ليُعلن بشكل صريح، ولا سيما بعد مباركة المرشد الإيراني علي خامنئي لترشيح المالكي، وهو ما زاد من حدة الاستفزاز الأميركي"، لافتاً إلى أن "واشنطن بعثت برسالة مفادها أنها لن تدعم العراق في هذه المرحلة، وأن رئيس الوزراء المقبل يجب أن يكون أقرب إلى الولايات المتحدة من إيران".
الدولار يرسم ملامح الحكومة
وربط محللون تصريح ترمب بملف الدولار، باعتباره أحد أبرز أدوات الضغط الأميركية على العراق. فالإشارات الضمنية إلى العلاقات المالية تعكس، بحسب التحليل، أن شكل الحكومة المقبلة بات مرتبطاً بضمانات اقتصادية وأمنية محددة.
وفي هذا الإطار، قال الكاتب والصحفي فلاح المشعل إن "الولايات المتحدة حدّدت نوع الحكومة من خلال ملف الدولار الذي يُحوّل من البنك الفيدرالي في نيويورك إلى العراق، والمقصود هنا عائدات مبيعات النفط العراقي".
وتابع: "هذا الملف مشروط بجملة من المتطلبات، من بينها القضاء على الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، إضافة إلى خفض مستوى التمثيل والنفوذ الإيراني في العراق، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي".
وبين ضغط خارجي متصاعد وتوازنات داخلية معقدة، يقف العراق أمام اختبار جديد في إدارة علاقته مع الولايات المتحدة، والبحث عن مرشح بديل لرئاسة الحكومة قادر على تحقيق توازن بين المتطلبات الدولية والحسابات الداخلية، بما يجنّب البلاد الانزلاق نحو أزمات سياسية أو اقتصادية مفتوحة خلال المرحلة المقبلة.









