كيف أيقظ ترمب "تروما" كندا التاريخية؟ | الشرق للأخبار

علاقات طويلة شهدت محاولات غزو.. كيف أيقظ ترمب "تروما" كندا التاريخية؟

time reading iconدقائق القراءة - 22
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني داخل المركز قبل قرعة كأس العالم 2026. واشنطن في 5 ديسمبر 2025 - reuters
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني داخل المركز قبل قرعة كأس العالم 2026. واشنطن في 5 ديسمبر 2025 - reuters
واشنطن -

على مدار أكثر من 100 عام، شكّل التكامل الاقتصادي والتعاون الأمني الأميركي الكندي أطول حدود "غير محصنة" في العالم، لكن هذا الوضع مهدد بتغييرات عميقة على خلفية تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب العدائية ضد كندا، وتشكيكه العلني في سيادتها التي أيقظت "تروما" Trauma تاريخية، ورد فعل أوتاوا على هذه التصريحات.

وتصاعدت حدة التراشق الكلامي بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، الذي انعقد بين 19 و23 يناير. وجاءت هذه التصريحات بعد زيارة كارني التاريخية للصين ومحاولات كندا لتنويع اتفاقياتها التجارية على 4 قارات بعيداً عن النفوذ الأميركي.

وفي خطابه بالمنتدى، انتقد كارني ما وصفه بالضغط الاقتصادي الذي تمارسه القوى الكبرى على الدول الأصغر، قائلاً: "النظام القائم على القواعد يتلاشى، والأقوياء يفعلون ما في وسعهم".

وكان ترمب هدد بفرض تعريفة جمركية بنسبة 100% على البضائع المستوردة من كندا إذا مضت قدماً في اتفاقية تجارية مع بكين سعى إليها كارني، مؤخراً، وقال ترمب إن كندا "تعيش بفضل الولايات المتحدة"، ليعلن كارني أن العالم قد تغير "وتغيرت واشنطن. لا يوجد شيء طبيعي تقريباً في الولايات المتحدة الآن".

الولاية 51

قبل عودته رسمياً إلى البيت الأبيض، ألمح الرئيس ترمب إلى فكرة ضم كندا إلى الولايات المتحدة لتصبح الولاية رقم 51، واصفاً رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، بـ"حاكم الولاية". وما بدا في البداية مزحة ثقيلة، سرعان ما تحول إلى تصريح جاد مع استمرار ترمب في التلميح إلى إمكانية ضم كندا عبر تصريحاته العلنية.

بعد شهر واحد في ولايته الثانية، انتقد ترمب، في مكالمة هاتفية مع ترودو، معاهدة 1908 التي ترسم الحدود الدولية بين كندا، والولايات المتحدة، لافتاً إلى رغبته في مراجعة الحدود.

لكن محاولة ضم كندا أو غزوها من قبل الولايات المتحدة لا تعتبر أمراً جديداً،  فقد تعرضت كندا لمحاولتي غزو من قبل الولايات المتحدة، باءت كلتاهما بالفشل.

وكانت كندا وأميركا، في الأصل، مستعمرتين بريطانيتين، وفي 4 يوليو 1776 أعلنت الولايات المتحدة استقلالها، واعترفت بريطانيا بذلك رسمياً باتفاقية باريس عام 1783. وبعد أكثر من 100 عام استقلت كندا، لكن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر شهدا توترات كبيرة بين البلدين.

وأرجع أستاذ التاريخ الكندي والعلاقات الأميركية الكندية في جامعة "تورنتو ميتروبوليتان" رون ستاج، معظم التوترات السابقة في القرنين الثامن والتاسع عشر، إلى محاولة جنود الولايات المتحدة خلال كل من الثورة الأميركية وحرب عام 1812، غزو كندا للضغط على البريطانيين، لكنهم فشلوا.

وأضاف ستاج لـ"الشرق"، أن كندا حينها بقيت متشككة تجاه الولايات المتحدة حتى ثلاثينيات القرن العشرين، حين بدأت العلاقات تتغير، وتابع: "رسّخت التعاونات الأمنية والدفاعية خلال الحرب العالمية الثانية صداقة استمرت منذ ذلك الحين، مع بعض التوترات البسيطة التي أثرت أحياناً على كندا، خلال الكساد الكبير، عندما رفعت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على الدول الأخرى، بما في ذلك كندا". 

"خوف قديم"

نظراً لهذا التاريخ البعيد، يستحضر ترمب بخطابه المتكرر حول "الولاية 51" خوفاً متجذراً في الذاكرة الكندية، إذ يرى الكنديون إلى حدٍّ كبير أن جوهر وجود دولتهم يقوم على اختيار واعٍ للبقاء دولة مستقلة ومتمايزة عن الولايات المتحدة.

وبينما يرى الدبلوماسي الأميركي وخبير العلاقات الأميركية الكندية ديفيد ج. روفينسكي أن هذا الخطاب يبعث برسالة مفادها أن السيادة والشراكة ليستا مضمونتين، وأن القوة السوقية الأميركية يمكن استخدامها لفرض امتثال سياسي واسع، وليس فقط لانتزاع تنازلات تجارية، فإنه يؤكد على أن خطاب ضم كندا لا يعدو كونه آداة ضغط سياسي "لأنه لا توجد أي ترتيبات أو آليات واقعية لدمج دولتين مستقلتين".

وقال روفينسكي لـ"الشرق"، إن توقيت الخطاب نفسه ذو دلالة استراتيجية، موضحاً أن المراجعة المرتقبة لاتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA)، والمحددة سلفاً في نص الاتفاق، "تمنح واشنطن ورقة ضغط إضافية، بينما يسهم تصعيد الخطاب في التأثير على الموقف التفاوضي الكندي قبل وقت كافٍ من بدء المفاوضات".

لكن ترمب زعم في بداية ولايته، أن طبيعة العلاقات الحالية مع كندا تكلف الولايات المتحدة 200 مليار دولار سنوياً. وبرر رغبته في ضمها قائلاً: "لماذا ندفع 200 مليار دولار سنوياً، وهو في جوهره دعم لكندا؟".

ورفض أستاذ الدراسات الدفاعية في كلية القوات الكندية والخبير في السياسة الخارجية والعلاقات الكندية الأميركية، آدم تشابنيك، هذا الزعم، قائلا لـ"الشرق"، إن كندا دولة غنية تزخر بالموارد الطبيعية مثل الطاقة، والبوتاس، واليورانيوم، والمياه، وهو ما يجعلها هدفاً جذاباً في النقاشات الدائرة بشأن احتمال ضمها إلى الولايات المتحدة.

وأضاف تشابنيك أن الولايات المتحدة تعتمد على كندا في الحصول على منتجات غنية بالموارد الطبيعية، بما في ذلك سلع أساسية مثل النفط، حيث يستقبل السوق الأميركي نحو 80% من صادرات كندا.

"الشك" دائماً حاضر

في أواخر القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20، كانت كندا تكافح لصياغة هويتها كدولة مستقلة بعيداً عن الإمبراطورية البريطانية من جهة، والولايات المتحدة الصاعدة من جهة أخرى.

وكانت كندا والولايات المتحدة قد طوّرتا علاقة تقوم على التعاون المتبادل، لكن الشك الكندي في الجارة الجنوبية كان حاضراً بقوة مع كل تحرك. 

وعندما طُرحت اتفاقية التجارة الحرة والمعاملة بالمثل في أعوام 1891 و1911، رفضها الكنديون رغم أنها كانت تفتح الأسواق الأميركية أمام المنتجات الزراعية والماشية الكندية. وجاء الخطاب السياسي في انتخابات 1911 ليصوّر الاتفاقية على أنها خطوة أولى نحو فقدان السيادة، حيث استخدم المحافظون الاتفاقية كاستفتاء على مستقبل كندا، وروّجوا لها باعتبارها تهديداً للسياسة والهوية الكندية، بل وحتى محاولة أميركية لضم البلاد.

واعتبر آدم تشابنيك أن الرأي العام الكندي رفض الاتفاقية خوفاً من أن يؤدي الانفتاح الكامل مع الولايات المتحدة إلى الهمينة على السوق الكندي وإضعاف الصناعات المحلية، والهيمنة على الهوية الكندية.

ومع ذلك، بقيت الشراكة التجارية بين البلدين قائمة لكن بحدود، وعقب انهيار سوق الأسهم عام 1929، وقّع الرئيس الأميركي هربرت هوفر قانون سموت-هاولي، الذي فرض رسوماً جمركية كبيرة على السلع والمنتجات المستوردة، ما جعل العديد من الدول، من بينها كندا، ترد بإجراءات انتقامية.

وفرضت كندا تعريفات جمركية على نحو ثلث الصادرات الأميركية إليها، وخفضت تعريفاتها على المنتجات البريطانية، سعياً منها إلى إيجاد شركاء تجاريين بديليين.

علاقة وطيدة ومنغصات مشروعة

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، شهدت العلاقات بين الجارتين تقارباً غير مسبوق، إذ أدى التقدم الألماني في أوروبا إلى تصاعد المخاوف في أميركا الشمالية، ما فرض البحث عن مقاربات وحلول مشتركة لمواجهة الخطر المحتمل.

قال أستاذ الدراسات الدفاعية الكندية آدم تشابنيك إن الحرب العالمية الثانية "دفعتنا إلى توقيع اتفاقيات دفاعية واقتصادية ثنائية خلقت روابط طويلة الأجل بين البلدين يصعب كسرها". 

وأضاف تشابنيك، أن العلاقات بين البلدين سارت في اتجاه تصاعدي، إذ شهدت أواخر الخمسينيات، تعزيز العلاقة الدفاعية من خلال قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية "نوراد" NORAD، لحماية القارة من الهجمات الجوية السوفيتية المحتملة أثناء الحرب البادرة.

مع ذلك لم تخلو العلاقة بين البلدين من المنغصات، فاختلفت كندا مع أميركا علناً حول حرب فيتنام. "لكن ليس بشكل حاد"، بحسب تشابنيك.

ووسط ارتفاع معدلات البطالة والتضخم، الناجم جزئياً عن حرب فيتنام، فرض الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون آنذاك تعريفة جمركية إضافية على الواردات من الدول ومن بينها كندا، قائلاً: "على كل دولة تحديد طبيعة مصالحها".

وفي أحد أكثر اللحظات الأميركية توتراً، مع اقتحام طلاب إيرانيون السفارة الأميركية واحتجاز 66 موظف أميركي، ساعدت كندا الولايات المتحدة في إنقاذ الدبلوماسيين المحتجزين. ومع ذلك، بعد 5 سنوات، فقط، أبحرت كاسحة جليد تابعة لخفر السواحل الأميركي، من جرينلاند إلى ألاسكا عبر الممر الشمالي الغربي، الواقع تحت السيادة الكندية، ما أثار غضباً واسعاً بين الكنديين.

اقرأ أيضاً

ترمب يعرض على كندا الانضمام لـ"القبة الذهبية" مجاناً مقابل أن تصبح الولاية الـ51

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن منظومة "القبة الذهبية" للدفاع الصاروخي ستكلف كندا 61 مليار دولار إذا أرادت الانضمام إليها.

لكن مع نهاية الثمانينيات، هدأت التوترات واتخذت العلاقة بين البلدين مساراً نحو ما يصفه تشابنيك بـ"أقوى علاقة وشراكة بين بلدين في العالم"، من خلال توقيع اتفاقية التجارة الحرة التي تهدف إلى إزالة جميع الحواجز التجارية، بما في ذلك الرسوم الجمركية بينهما.

وبفضل الاتفاقية، نما حجم التجارة الأميركية مع كندا من حوالي 167 مليار دولار إلى أكثر من 362 مليار دولار بين عامي 1989 و1999. وفي أوائل التسعينيات، انضمت المكسيك إلى اتفاقية "نافتا" لتعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول الثلاث.

ويرى تشابنيك أن الشراكة التجارية والجيرة دفعت أقليات صغيرة من الكنديين في بعض الأحيان إلى توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة، "إلا أن الثقافة السياسية الكندية تاريخياً كانت قائمة إلى حد كبير على التمايز عن الأميركيين. وبالتالي، لم تسعَ كندا، كدولة، إلى الاندماج الكامل مع أميركا".

ولاية ترمب الأولى وأدوات الضغط

مع وصول ترمب إلى البيت الأبيض لأول مرة في 2017، تحولت الرسوم الجمركية إلى آداة ضغط اقتصادي وسياسي، وفي 2018 أعلن ترمب حماية الأمن القومي بفرض رسوم جمركية على واردات الصلب والألمونيوم من الدول بما فيها كندا التي كانت مستثناة من قبل. 

وردّت كندا بإجراءات مضادة، وفرضت تعريفات بقيمة تقارب 13 مليار دولار وقدّمت شكوى لمنظمة التجارة العالمية. 

بعد نحو عام من الخلافات، رفع ترمب التعريفات الجمركية عن كندا، في محاولة لاستبدال اتفاقية التجارة الحرة "نافتا" باتفاقية جديدة تسمى USMCA وتضم الدول الثلاث، أيضاً، الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

ورغم أن  حجم التبادل التجاري الإجمالي بين شركاء الاتفاقية الأولى نما على مدار تاريخ الاتفاقية، من حوالي 290 مليار دولار أميركي في عام 1993 إلى أكثر من 1.1 تريليون دولار أميركي عام 2016، جادلت إدارة ترمب بأن المنافسة مع الشركات المكسيكية أجبرت العديد من الشركات الأميركية على نقل مقارها إلى المكسيك لقلة الأجور ما أدى إلى فقدان الوظائف، تحديداً في قطاع السيارات. 

وركز جوهر الصفقة الجديدة على تحقيق التوازن بين الرغبة في زيادة وصول أميركا إلى سوق الألبان الكندية المحمي عبر نظام حكومي يحدد الإنتاج والأسعار ويقيّد الوارد، والمطالب الكندية بالحفاظ على آلية مستقلة وملزمة لحل النزاعات التجارية.

وذكر أستاذ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية الكندية كيم نوسال، أن ترمب كان ينظر إلى كندا كما إلى جميع أصدقاء الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها التجاريين الآخرين،"فقد اعتبرها شريكاً تجارياً غير عادل ومتطفلاً في قضايا الدفاع".

وأضاف نوسال لـ"الشرق"، أن ترمب، حينها، كان يركز على استبدال اتفاقية التجارة الحرة"نافتا" باتفاقية تجارية من تصميمه الخاص، أكثر صرامة.

من جانبه، اعتبر الدبلوماسي الأميركي روفينسكي أن النمط الغالب، في ولاية ترمب الأولى، تمثّل في استخدام أدوات الضغط مثل الرسوم الجمركية والتهديدات والانتقادات العلنية، ثم الانتقال إلى التفاوض، ما أفضى في النهاية إلى تسويات قابلة للتسويق سياسياً، أبرزها استبدال (USMCA) باتفاقية "نافتا".

لكن يبدو أن المقاربة اختلفت جذرياً في ولايته الثانية. وقال روفينسكي إن الإدارة الحالية أقل تركيزاً على إعادة التفاوض حول اتفاقات محددة، وأكثر ميلاً إلى إعادة تعريف العلاقة، بحيث تُقدَّم الولايات المتحدة "كطرف مهيمن، وتُصوَّر كندا بوصفها طرفا تابعاً".

ويتفق أستاذ الدراسات السياسية والزميل في مركز السياسة الدولية والدفاعية في جامعة كوينز نوسال مع روفينسكي، قائلا لـ الشرق"، إن اتفاقية التجارة (USMCA) ستخضع للمراجعة في وقت لاحق من هذا العام.

ورغم أن حجم التبادل التجاري الأميركي في السلع والخدمات مع "الاتفاقية" في عام 2022 بلغ نحو تريليوني دولار، رجح نوسال أن تتخلى عنها إدارة ترمب "ما يؤدي إلى فرض واشنطن تعريفات جمركية أعلى على السلع الكندية، مع ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على رفاهية الاقتصاد الكندي".

وأضاف نوسال: "لا يبدو المستقبل واعداً".

المسار الثالث

بعد وصول ترمب، للمرة الثانية، إلى البيت الأبيض، فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات السيارات، بما في ذلك أكبر مورديها الشركاء التجاريين، كندا والمكسيك.

وفي اليوم التالي للإعلان، قال رئيس الوزراء مارك كارني، إن "العلاقة القديمة التي كانت تقوم على تعميق التكامل الاقتصادي بيننا والتعاون الأمني ​​والعسكري الوثيق قد انتهت".

وأضاف مخاطباً الكنديين: "يجب علينا إعادة تصور اقتصادنا بشكل جذري. وسنحتاج إلى ضمان قدرة كندا على النجاح في عالم مختلف تماماً".

كان كارني قد وعد قبل فوزه في الانتخابات في مارس 2025، بالعمل على تنويع شركاء كندا التجاريين مدفوعاً بتهديدات ترمب قبل عودته للبيت الأبيض. وقضى وقتاً في تعزيز العلاقات مع أوروبا في مجالي الدفاع والتجارة، وأعلن عن شراكة استراتيجية مع الصين، تحديداً في قطاع السيارات.

لكن مع بدء تأثير التعريفات الأميركية وانخفاض الصادرات، انكمش الاقتصاد الكندي بنسبة 1.6% في الربع الثاني من عام 2025، وتراجعت تجارة كندا مع أميركا بأكثر من 6% خلال أول 10 أشهر من العام.

 

وفي منتدى دافوس الاقتصادي، ألقى كارني خطاباً، حصل على إشادة واسعة، معتبراً أن القوى العظمى في العالم تخلت عن التظاهر بالدبلوماسية، واعتمدت بدلاً من ذلك على القوة والترهيب. وطرح خياران أمام الدول أو "القوى المتوسطة"، إما أن تتنافس مع بعضها البعض للحصول على النفوذ أو أن تتحد لخلق "مسار ثالث" للتعاون بينها، وهو ما اختارته كندا، بحسب كارني.

لكن في الواقع، لغة "المسار الثالث" التي استخدمها كارني ظهرت في محطات سابقة من التاريخ الكندي، من أبرزها عام 1972، بعد "صدمة نيكسون" وفرضه تعريفات أحادية على كندا. استخدم رئيس الوزراء الكندي الأسبق بيير ترودو هذا المصطلح، حينها، بهدف تنويع الشركاء التجاريين وعدم الاعتماد المطلق على أميركا.

الدبلوماسي الأميركي وخبير العلاقات الأميركية الكندية ديفيد ج. روفينسكي، يرى أن "المسار الثالث" يعكس استراتيجية دولة متوسطة القوة في زمن باتت فيه القوى الكبرى تستخدم التجارة والمال وسلاسل الإمداد كأدوات للضغط والإكراه. 

وفي هذا السياق، أوضح روفينيسكي أنه ينبغي فهم الانخراط الاقتصادي المحدود مع الصين ليس كمحاولة لإزاحة الولايات المتحدة، بل كمسعى للتنويع وبناء بدائل تقلل من هشاشة كندا أمام الصدمات الاقتصادية والسياسية المفاجئة القادمة من واشنطن، مضيفاً: "وهي صدمات لا تزال الذاكرة الكندية تحتفظ بها بوضوح منذ عام 1971".

واعتبر أن التوتر الأساسي يتمثل في أن الاقتصاد الكندي مرتبط بعمق بأميركا الشمالية، وتفرض الجغرافيا شراكة لا يمكن تجنبها مع واشنطن، لكن هذا الاعتماد نفسه يجعل كندا شديدة الحساسية لأي ممارسات أميركية عدائية، ما يدفعها للبحث عن هامش مناورة، موضحاً: "ومن هنا يُفهم المسار الثالث كمسعى للحفاظ على قدر من الاستقلالية وتقليل التعرض للضغط، دون الخروج من إطار اقتصاد قاري شديد التكامل".

ويتفق الخبير في العلاقات الكندية الأميركية تشابنيك مع روفينسكي في تفسير "المسار الثالث"، قائلاً إن طرح الفكرة يعني أنه من الحكمة تقليل اعتماد كندا على السوق الأميركية لصادراتها من حوالي 80% إلى حوالي 50%. 

وأضاف تشابنيك أن "هذا المسار يعني، أيضاً، إنفاق كندا المزيد على دفاعها وأمنها حتى لا تعتمد على أميركا بشكل غير متناسب، وبالتالي، من المرجح أن يكون مستقبل العلاقات الكندية الأميركية، قائماً على عدم اعتبار أي من الدولتين الأخرى أمراً مسلماً به".

افتراضات أمنية ومستقبل غامض

بالتزامن مع منتدى دافوس، أجرت القوات المسلحة الكندية محاكاة لغزو عسكري أميركي افتراضي، ووضعت تصورا لمواجهة الغزو الافتراضي يتضمن تكتيكات مماثلة لتلك المستخدمة ضد روسيا.

تأتي مناقشة الكنديين علناً لحالات الطوارئ الدفاعية، غير التقليدية، في وقت يتصاعد فيه تحدي ترمب للحلفاء في "الناتو"، ومن بينهم كندا، بدعوات ضم جرينلاند، ونشره صورة حديثة على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر خريطة كندا مغطاة بالعلم الأميركي. 

يقلل أستاذ الدراسات الدفاعية الكندية تشانبيك من أهمية التجربة الدفاعية قائلاً إنها ليست خططاً رسمية، حيث تضطر الجيوش إلى إعداد نماذج وسيناريوهات لكل الاحتمالات الممكنة، فإنه في الوقت نفسه يؤكد على أن نظرة الكنديين إلى الولايات المتحدة كانت قد تراجعت بالفعل قبل الإعلان عن هذه الخطط.

أما الدبلوماسي الأميركي روفينسكي، فيرى أن مجرد قيام كندا بذلك علناً يعكس تراجع الثقة الاستراتيجية في أميركا، موضحاً: "عادةً ما يتجنب الحلفاء الحديث عن مثل هذه السيناريوهات، وعندما تدخل في النقاش العام، فهذا يشير إلى أن الثقة لم تعد تلقائية أو دائمة".

وأضاف روفينسكي أن هذه المناقشات تخدم وظيفة مزدوجة، فهي تمثل موقف تخطيط حقيقي في عصر من عدم اليقين المتزايد، ورسالة سياسية غير مباشرة، "تريد أوتاوا إرسال رسالة مفادها أنه إذا سعت الولايات المتحدة إلى الضم بالقوة، فإن كندا ستقاوم عسكرياً بكل تأكيد".

ومع ذلك، يرجح روفينسكي أن العلاقة بين البلدين في المستقبل لن تصل إلى حد القطيعة الكاملة، بل شراكة أكثر تقلباً ومشروطة من خلال تكامل عالٍ في التجارة والحياة عبر الحدود، مصحوباً بصدمات سياسية متكررة ناتجة عن السياسة الداخلية الأميركية.

ويتوقع أن المراجعة المقبلة لاتفاقية USMCA ستكون لحظة ضغط حساسة قد تُستخدم لفرض تنازلات دون نسف الاتفاق. 

وقال روفينسكي إن القطيعة إذا حدثت، وإن كانت مستبعدة، ستكون مكلفة للطرفين اقتصادياً عبر تعطيل سلاسل التوريد وتراجع الاستثمار، وسياسياً عبر دفع كندا لخيارات تنويع بعيدة المدى مع دول أخرى يصعب التراجع عنها مستقبل. 

لكن الأخطر، على حد قول روفينسكي، هو تأثير القطيعة عسكرياً، مشيراً إلى أنه "إذا شعرت واشنطن أن كندا لم تعد شريكاً موثوقاً أو أصبحت نقطة ضعف أمنية، فقد تغيّر منطق الدفاع القاري وتتجه إلى إجراءات أمنية أحادية داخل المجال الكندي وحوله، ما يضعف التعاون التقليدي ويحوّل الشراكة الدفاعية من تنسيق متكافئ إلى علاقة هرمية".

من جانبه، لفت أستاذ التاريخ الكندي والعلاقات الأميركية الكندية ستاج إلى أن هناك بالفعل قطيعة بين البلدين، قائلاً إن في الوقت الذي لم تُذكر فيه كندا في استراتيجية ترمب للأمن القومي، فإن الإمبريالية الضمنية في تلك الوثيقة "تستهدف كندا بشكل كبير، كما تستهدف جميع الدول الأخرى في نصف الكرة الغربي".

ورجح أستاذ التاريخ الكندي والعلاقات الأميركية الكندية في جامعة "تورنتو ميتروبوليتان" رون ستاج، أن تحاول أي حكومة مستقبلية من الحزب الديمقراطي إصلاح بعض الأضرار التي لحقت بالعلاقات بين البلدين، لكن الأضرار التي يمكن أن يُحدثها ترمب ستكون عميقة وطويلة الأمد، تحديداً إذا ألغى اتفاقية التجارة الحرة، "وسيكون من الصعب تماماً على أي حكومة إلغاء جميع الإجراءات التي سيتخذها ترمب تجاه كندا".

وأضاف ستاج أنه حتى مع تحسن الخطاب السياسي مستقبلاً، لن تعود الثقة الكندية في الحكومة الأميركية، متابعاً "وفي حال إلغاء الاتفاقية ستتجه كندا إلى شركاء تجاريين آخرين، لكن من المستحيل إعادة توجيه حجم التجارة الكبير الذي تُجريه كندا مع الولايات المتحدة في فترة قصيرة. ستكون العواقب الاقتصادية على كندا وخيمة للغاية، وستتضرر الولايات المتحدة أيضاً، بشكل حقيقي وإن لم يكن بنفس القدر".

تصنيفات

قصص قد تهمك