
صادق مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي "الكابينت"، الأحد، على سلسلة قرارات تهدف إلى تغيير الواقع القضائي والمدني في الضفة الغربية المحتلة، وتعميق السيطرة الإسرائيلية في المنطقة.
ومن أبرز القرارات إلغاء القانون الأردني الذي كان يحظر بيع الأراضي لليهود، ونقل صلاحيات البناء في الخليل والحرم الإبراهيمي الشريف وأماكن مقدسة أخرى من البلدية إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية، بدعوى أن ذلك سيسهّل عمليات البناء والتطوير، في إشارة إلى تعزيز أنشطة الاستيطان اليهودي التي تعمل عليها حكومة بنيامين نتنياهو.
ما أبعاد قرار الكابينت حول تملك أراضٍ بالضفة؟
القرار الإسرائيلي الذي وصفته الرئاسة الفلسطينية بأنه تصعيد خطير يستدعي تدخلاً دولياً، يلقي بظلاله على عدة مجالات بدءاً من القانون الإسرائيلي في الضفة الغربية، ومروراً بالقانون الدولي، وليس انتهاءً بالسياسة الداخلية لإسرائيل، لتشمل تداعياته كذلك صلاحيات السلطة الفلسطينية التي ستواجه تآكلاً إضافية في المناطق A وB من الضفة الغربية المحتلة.
واعتبرت الرئاسة الفلسطينية أن القرار "يمثل تصعيداً غير مسبوق يستهدف الوجود الفلسطيني، وحقوقه الوطنية، والتاريخية على كامل الأرض الفلسطينية خاصة في الضفة الغربية المحتلة".
التداعيات في القانون الإسرائيلي بالضفة
تشمل القرارات الجديدة رفع السرية عن سجلات الأراضي وإلغاء ما يُعرف بـ"رخصة الصفقة".
حتى الآن كانت سجلات الأراضي في الضفة الغربية غير متاحة للجمهور، الأمر الذي حدّ من التداول العلني وفرض المرور عبر الإدارة المدنية والحصول على رخصة خاصة لإتمام أي صفقة.
ويقضي القرار الجديد بإتاحة سجلات "الطابو" (الوثائق الرسمية والمحفوظات العقارية التي تثبت ملكية العقارات والأراضي)، للجمهور كما هو معمول به داخل إسرائيل، وإلغاء شرط الحصول على "رخصة صفقة" من ضابط التسجيل، واستبداله بشروط مهنية عامة، ما يعني عملياً تسهيل إجراءات التمليك، سواءً للمستوطنين أو للشركات التابعة لهم.
كذلك، تم إلغاء القانون الأردني الذي استمر العمل به بعد عام 1967، والذي كان يحظر بيع العقارات لليهود، واستُخدم سابقاً كأداة لتقييد نقل الملكية إلى مستوطنين.
ويفتح إلغاء هذا القانون، بالتوازي مع إلغاء رخصة الصفقة، المجال أمام اليهود لشراء الأراضي في الضفة الغربية بصورة مباشرة، وفق نموذج يقترب من قانون الملكية الإسرائيلي العادي، ويزيل طبقة من الرقابة العسكرية والأمنية التي كانت مفروضة على الصفقات العقارية.
نقل صلاحيات التخطيط والترخيص في الخليل
ومن ضمن القرارات أيضاً نقل صلاحيات التخطيط والترخيص في الخليل ومحيط قبر راحيل، إذ جرى تحويل صلاحيات الترخيص الخاصة باليهود في الخليل من البلدية إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية، مع منح مديرية الخليل صلاحيات بلدية كاملة، إضافة إلى إنشاء مديرية بلدية خاصة بمجمع قبر راحيل.
وعملياً، يؤدي ذلك إلى إقامة أطر حكم محلي مستقلة للمستوطنين، منفصلة عن السلطات الفلسطينية، في صورة تشبه بلديات إسرائيلية قائمة بحكم الأمر الواقع داخل الأراضي المحتلة.
إعادة تفعيل لجنة شراء الأراضي
كما تقرر إعادة تفعيل لجنة شراء الأراضي التي توقف عملها قبل نحو 20 عاماً، ما يعني عودة الحكومة الإسرائيلية لتكون طرفاً مباشراً وفاعلاً في سوق العقارات بالضفة الغربية، بما يعزز قدرتها على التأثير في خريطة الملكية وتوجيهها بما يخدم مشاريع استيطانية ذات طابع استراتيجي.
كما جرى توسيع صلاحيات الرقابة في مجالات المياه، والمواقع الأثرية، والمخاطر البيئية داخل مناطق A وB.
وبموجب ذلك بات بالإمكان إصدار أوامر بوقف الأعمال، وفرض غرامات، أو تنفيذ عمليات هدم لمنشآت قائمة. ويُعد هذا التطور تدخلاً مباشراً في مجالات يُفترض، وفق اتفاق أوسلو، أن تخضع مدنياً لإدارة السلطة الفلسطينية.
"ضم بحكم الأمر الواقع"
وتقرأ قرارات، توحيد نظام التسجيل العقاري، وتمكين الإسرائيليين من شراء الأراضي بحرية، ونقل صلاحيات تخطيط وبلدية إلى مؤسسات إسرائيلية في عمق الإقليم المحتل، دولياً على أنها مؤشر على ضم بحكم الأمر الواقع.
وقد تعتبر السيطرة على الملكية والتخطيط واستخدام الأرض لصالح الإسرائيليين، تجاوزاً لحدود الإدارة المؤقتة المسموح بها في قانون الاحتلال، وتميل إلى توصيف الضم غير المشروع.
ولا يغير تسهيل شراء الأراضي التوصيف القانوني للمستوطنات في القانون الدولي، والذي يعتبر نقل سكان الدولة القائمة بالاحتلال إلى الإقليم المحتل محظوراً بغض النظر عن شكل التملّك.
التبعات في السياسة الإسرائيلية الداخلية
تُقدَّم الحزمة كـ"خطوة سيادية" تعمّق السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتنسجم مع توجهات اليمين الديني–القومي لتعزيز الاستيطان ومنع قيام دولة فلسطينية.
أما قانونياً، فتضع هذه القرارات المحكمة العليا أمام واقع متغير يصعب فيه الفصل بين إسرائيل والضفة الغربية.
وسياسياً، تعزز الخطوات موقع الوزراء الداعمين لها داخل معسكر اليمين، في ظل موازين قوى تجعل كبحها أو إلغاؤها أمراً صعباً دون تغيير حكومي.
ماذا يعني ذلك عملياً؟
من المتوقع توسيع نطاق صفقات شراء الأراضي لصالح مستوطنين، وستواجه السلطة الفلسطينية تآكلاً إضافياً في صلاحياتها في مناطق A وB.
دولياً، قد تُستخدم هذه القرارات كدليل إضافي على أن السياسة الحالية تتجه نحو تكريس واقع ضم تدريجي، ما قد يزيد الضغوط القضائية والدبلوماسية على إسرائيل.










