"الجريمة المنظمة" تعصف بالمجتمعات العربية في إسرائيل | الشرق للأخبار

مع تنامي حوادث القتل.. "الجريمة المنظمة" تعصف بالمجتمعات العربية في إسرائيل

time reading iconدقائق القراءة - 13
الآلاف من فلسطينيي الداخل خلال احتجاجات بمدينة سخنين مطالبين الحكومة الإسرائيلية بمواجهة تفاقم الجريمة داخل المجتمعات العربية. 22 يناير 2026 - REUTERS
الآلاف من فلسطينيي الداخل خلال احتجاجات بمدينة سخنين مطالبين الحكومة الإسرائيلية بمواجهة تفاقم الجريمة داخل المجتمعات العربية. 22 يناير 2026 - REUTERS
القدس -

في الأيام التسعة والثلاثين الأولى من عام 2026 سقط 40 شخصاً بجرائم قتل في إسرائيل، من بينهم 35 من فلسطينيي الداخل أو من يتم الإشارة إليهم بمصطلح "عرب إسرائيل".

وأصيب رجل في الثلاثينيات من عمره، صباح الاثنين، في مدينة الطيرة الفلسطينية داخل إسرائيل، بإصابات خطيرة بعد إطلاق النار عليه، وسقط الشاب عمر يحيى (25 عاماً)، مساء الأحد، بإطلاق نار في كفر قرع، وأصيبت امرأة بجروح متوسطة.

عملية القتل أعقبت مسيرة سيارات، نظمتها لجنة المتابعة العليا للمواطنين العرب في إسرائيل كجزء من سلسلة عمليات احتجاجية لرفع مستوى الوعي في الشارع اليهودي والضغط على الحكومة الإسرائيلية لاتخاذ سياسات لمحاربة العنف والجريمة داخل إسرائيل.

وأعاقت الشرطة الإسرائيلية المسيرة، ووزعت المخالفات على السيارات المشاركة، ومنعت القيادات السياسية للعرب في إسرائيل من الدخول الى مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو في القدس الغربية لمطالبته بتغيير سياسة الإنفاذ ضد العنف والجريمة في مجتمعهم.

وسبق مسيرة السيارات مظاهرة في تل أبيب نجحت في جمع عشرات الآلاف من العرب وعدة آلاف من اليهود في تجمع مشترك ضد الجريمة وضد سياسة الحكومة الإسرائيلية ووزير الأمن القومي إيتمار بن جفير، المتهم بتسيس جهاز الشرطة وفرض سياسات تساهم في تعزيز ورفع وتيرة تفشي جماعات الجريمة المنظمة، وتقويتها بدل إضعافها، بشكل مستمر.

وقبل مظاهرة تل أبيب، كانت هناك مظاهرة شبه تلقائية في مدينة سخنين، التي تعرض سكانها لاعتداءات بوتيرة عالية من قبل عائلات متهمة بـ"الإجرام"، ترافقت مع إضراب عام أعلن في سخنين في البداية، وعم كافة البلدات الفلسطينية داخل إسرائيل في يوم الإضراب.

ووفق لجنة المتابعة، من المفترض أن تستمر التظاهرات والإضرابات خلال الفترة القادمة لزيادة الضغط على حكومة نتنياهو، وربما الإسهام في تراكم المعطيات التي قد تسبب بعدم عودتها بعد الانتخابات البرلمانية القادمة في أكتوبر المقبل.

وقبل ذلك، قُتل رجل يبلغ نحو 30 عاماً، الجمعة، في يافا الناصرة. وقبل ذلك بيوم قُتل 5 أشخاص بإطلاق نار في حادثتين منفصلتين.

ففي ساعات الصباح قُتل ثلاثة رجال بإطلاق نار عند مدخل منزل في قرية سواعد حميرة في الجليل الأسفل.

وتوفي اثنان منهم، إسحاق سواعد (28 عاماً) وباسل سواعد (25 عاماً)، وهما ابنا عم، في المكان.

أما الثالث، إبراهيم سواعد (64 عاماً)، والد إسحاق، فأصيب في البداية بجروح حرجة ونُقل إلى مستشفى في حيفا، حيث أعلن عن وفاته.

وفي ساعات المساء، قُتل شخصان في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر في مخيم شعفاط بالقدس الشرقية، الخاضعة فعلياً للشرطة الإسرائيلية.

عدد القتلى السنوي لدوافع جنائية  لكل 100 ألف لعام 2025

  • الضفة الغربية: 0.6
  • الفلسطينيون في إسرائيل: 12

ووفق فحص قامت به  صحيفة "جلوبس" الإسرائيلية  بالاعتماد على معطيات الجريمة في دول مجموعة OECD، دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومركز "تاوب" للدراسات الاجتماعية والسياسات في إسرائيل، كانت الدول التي سُجّلت فيها أعلى معدلات قتل لكل 100 ألف نسمة هي المكسيك وكولومبيا (24.9 حالة لكل منهما)، تليهما كوستاريكا (17.7)، ثم في المرتبة الرابعة المجتمع العربي في إسرائيل (11.75).

ويُعد هذا المعطى بعيداً جداً عن المجتمع اليهودي في إسرائيل، إذ بلغ معدل جرائم القتل فيه عام 2024، وفقاً لمركز "تاوب"، 0.74، ما يضعه في الثلث الأدنى من معدلات القتل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وعند احتساب المعطيات مجتمعة لمجموعات السكان في إسرائيل، يتبيّن أن إسرائيل تحتل المرتبة العاشرة في معدل جرائم القتل.

وبالعودة إلى معطيات النائب أيمن عودة بشأن أرقام القتل بين العرب واليهود في إسرائيل منذ بداية الثمانينيات حتى اليوم، تشير المعدلات إلى أنه بدءاً من عام 2000 هناك ارتفاع مستمر في أعداد القتلى العرب داخل إسرائيل مقارنة باليهود.

وتم التشديد على عام 2000 لارتباطه بما يعرف في إسرائيل بـ"أحداث أكتوبر"، التي اعتبرت أقرب ما يكون من انتفاضة داخل المدن والقرى العربية داخل إسرائيل، تزامنت مع بداية الانتفاضة الثانية واقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أريل شارون للمسجد الأقصى، ما يعني أن هناك ارتباطاً مباشراً بين سلوك سياسي عام للفلسطينيين داخل إسرائيل وأعداد القتلى بينهم على خلفية جنائية.

ولتوضيح الادعاء أو الاتهام، قامت المؤسسات المسؤولة عن مكافحة السلاح والعنف والجريمة في إسرائيل، بتغيير سياساتها وسلوكياتها وتخفيف تطبيق القانون وتشجيع وصول الأسلحة غير المرخصة والمسروقة بمجملها من معسكرات الجيش الإسرائيلي، وفق ادعاءات القيادات السياسية للفلسطينيين في الداخل.

القتل بين العرب واليهود عبر السنوات

السنة عدد القتلى العرب عدد القتلى اليهود
1980 11 58
1985 14 75
1988 8 50
1991 13 49
1995 19 50
2000 63 91
2002 82 126
2005 76 93
2010 86 64
2014 75 54
2019 94 48
2025 252  

في المتوسط، قُتل في عام 2025 مواطن عربي في إسرائيل كل 36 ساعة.

وقفز عدد القتلى في إسرائيل بشكل حاد منذ تعيين إيتمار بن جفير وزيراً مسؤولاً عن الشرطة في نهاية عام 2022.

وللمقارنة، قُتل في عام 2025 ما مجموعه 252 عربياً، وفي عام 2024 قُتل 233 عربياً، وفي عام 2023 قُتل 242 عربياً.

أما في عام 2022 – قبل تعيين بن جفير – فقُتل 108 عرب.

ولا يرتبط العنف فقط بعمليات القتل، إذ تسفر عن عدد كبير من الإصابات المتراكمة عبر السنوات، دون عدد واضح.

وينشط الإجرام المنظم أيضاً في فرض الخاوة (الإتاوة، وهي مبلغ يتم فرضه بالقوة مقابل الحماية أو اتقاء الضرر ممن يحصل على هذا المال) على مرافق تجارية وشخصية، وعلى أطباء ومعلمين ومهندسين، بالإضافة إلى السيطرة على عقارات وأملاك باستخدام قوة السلاح، بالإضافة إلى السيطرة بالكامل على قطاع صالات القمار الخاصة وتجارة المخدرات.

ووفق اتهامات لوزراء إسرائيليين، قامت هذه المجموعات بالسيطرة على المناقصات في عدد كبير من السلطات المحلية العربية، وباتت تحتكر قطاعات فيها، كقطاع جمع النفايات وتدوير المواد المستعملة.

ويعود جزء من عمليات القتل إلى حرب مفتوحة بين جماعات إجرامية متخاصمة، فيما يكون جزء آخر نتيجة عمليات ابتزاز، وبعضها على خلفية عمليات ثأر مفتوحة، وإمكانية الحصول السهل نسبياً على أسلحة.

وتكشف معطيات مركز "تاوب" للدراسات الاجتماعية والسياسات في إسرائيل ومركز إيلاف – المركز لتعزيز الأمان في المجتمع العربي داخل إسرائيل، عن تحوّل نوعي في مستوى العنف داخل المجتمع العربي، إذ ارتفع عدد الضحايا إلى مستوى قياسي، مع تركّز جغرافي واضح في الشمال، وانتقال مركز الثقل من الجنوب إلى مدن الجليل والمثلث والساحل.

وتُظهر المعطيات أن الجريمة باتت ظاهرة علنية ومهيمنة على الفضاء العام، وأن السلاح الناري يشكّل الأداة الرئيسية للقتل، ما يعكس بنية تنظيمية مسلحة ومنظمة.

كما تشير نسبة الكشف المتدنية (15%) إلى فجوة تنفيذية عميقة في منظومة إنفاذ القانون، وتؤكد تقارير المنظمات المدنية أن غياب الشفافية الرسمية في نشر بيانات الجريمة يعيق الرقابة المجتمعية وصنع السياسات المبنية على معطيات دقيقة.

بناءً على التقريرين، يتجه المشهد نحو مزيد من الترسّخ البنيوي للجريمة المنظمة داخل الحيز المدني، في ظل ضعف الردع وتآكل الثقة بالمؤسسات الرسمية.

المعطيات المركزية في التقريرين

  • 1) عدد الضحايا واتجاهات التصاعد

بلغ عدد القتلى في المجتمع العربي 252 قتيلاً خلال عام 2025 حتى 28 ديسمبر.

سجّلت زيادة بنحو 10%  مقارنة بعام 2024 (ارتفاع بـ23 قتيلاً).

تجاوزت نسبة الرجال بين الضحايا 90%.

  • 2) التوزيع الجغرافي للجريمة

أبرز المدن خلال عامي 2024–2025:

"الرملة - اللد - الناصرة - أم الفحم - رهط"

تلتها عرابة" حيث تضاعف عدد القتلى إلى 10 في 2025. 

حسب الألوية:

57% من جرائم القتل وقعت في الشمال ومنطقة حيفا.

28% في المركز وتل أبيب (يشمل الرملة واللد).

14% في الجنوب.

1.2% فقط في منطقة القدس، رغم وجود نحو 400 ألف فلسطيني مقيم فيها.

  • 3) مكان ارتكاب الجريمة

77% من جرائم القتل وقعت في الفضاء العام (شوارع، طرق، مؤسسات عامة، مواقف سيارات، مناطق تجارية).

17% في منازل وساحات خاصة.

5% في مناطق مهجورة أو أحراش.

  • 4) التوقيت الزمني

نحو 48% من الجرائم وقعت ليلاً.

15% فجراً.

34% صباحاً ونهاراً.

أعلى عدد حوادث سُجّل يومي الاثنين والخميس.

  • 5) وسائل التنفيذ

86.5% باستخدام السلاح الناري.

13.5% عبر عبوات ناسفة، تفجير مركبات، طعن، حرق، دهس أو اعتداء جسدي.

  • 6) أنماط الجريمة المنظمة

تسجيل 26 حالة قتل مزدوج و6 حالات قتل ثلاثي في 2025.

توثيق انتحال مجرمين صفة عناصر شرطة وارتداء زي رسمي لدخول منازل بذريعة التفتيش.

تصاعد ظاهرة توثيق الجرائم على شبكات التواصل الاجتماعي لأغراض الترهيب والدعاية. 

  • 7) دور الشرطة ونسبة الكشف

بلغت نسبة كشف جرائم القتل 15% فقط.

أشار التقريران إلى غياب الشفافية في نشر بيانات الجريمة من قبل الشرطة، خلافاً لما هو متبع في معظم الديمقراطيات.

اعتبر التقرير أن انخفاض نسبة الكشف يعمّق فقدان الثقة ويضعف الردع.

نشاط الشرطة الإسرائيلية

عملية "متاهات المال" وعملية "الأمير"

قدّمت الشرطة الإسرائيلية العملية باعتبارها ضربة منهجية للبنية المالية لمنظمات الجريمة.

وبحسب الرواية الرسمية، رصدت وحدات الجرائم الاقتصادية شبكة معقّدة من شركات واجهة وحسابات مصرفية استُخدمت لإخفاء عائدات ابتزاز وتجارة غير مشروعة.

ونفّذت الشرطة مداهمات متزامنة، وأوقفت مشتبهين مركزيين، وجمّدت حسابات وصادرت ممتلكات. وأكدت أن الهدف لم يكن الاعتقالات فحسب، بل "تفكيك متاهة التمويل" وقطع شرايين المال التي تمكّن الشبكات من إعادة إنتاج نشاطها.

ولفتت إلى أنه جرى الاشتباه بضلوع عدد من أفراد إحدى العائلات في "غسل أمول عبر شركات ومصالح تجارية، وإدارة منظومة تحصيل أموال مقابل حماية، وتهرّب ضريب وإخفاء عائدات مالية، واستخدام حسابات وأطراف ثالثة لإخفاء مصدر الأموال".

وأشارت الروايات إلى أن التحقيق ركّز على تتبّع حركة أموال بمبالغ كبيرة، وعلى شبهات بوجود شبكة علاقات اقتصادية مكّنت من تدوير الأموال داخل وخارج البلدات العربية.

عملية "الأمير"

عرضت الشرطة الإسرائيلية العملية كتحرك مركّز ضد عدة منظمات وُصفت بـ"الإجرامية" وبأنها ذات قيادة واضحة ونفوذ ميداني، حيث أسفرت عن اعتقالات وضبط أموال ووثائق ووسائل اتصال، مع الاشتباه بجرائم ابتزاز وغسل أموال وتحصيل "أموال حماية".

وأكدت الشرطة، وفق بيانها، أن العملية استهدفت شلّ القيادة ومنع تصاعد العنف المرتبط بالنشاط المالي غير المشروع، مشددةً على أن الملاحقة ستستمر عبر لوائح اتهام ومصادرة أصول لتعزيز الردع وإعادة فرض سيادة القانون.

وعرضت الشرطة الإسرائيلية هاتين العمليتين كبرهان على أنها تعمل لمكافحة العنف والجريمة داخل المجتمع العربي في إسرائيل.

وفي قراءة لمركز مساواة لتقرير الفقر لعام 2024 الصادر عن مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلي، فالمعطيات  الواردة فيه تشير وفق المركز إلى أن معدلات الفقر في المجتمع العربي تفوق المعدل العام بما يقارب الضعف، وأن المجتمع العربي يشكّل 36.2% من مجمل الأسر الفقيرة، رغم أنه لا يتجاوز 19.3% من مجموع الأسر.

ويعيش ما يقارب نصف الأطفال العرب تحت خط الفقر، فيما تواجه نسبة كبيرة من العائلات صعوبة حقيقية في تغطية المصاريف الشهرية الأساسية.

كما يعاني 57.5% من الأفراد من انعدام الأمن الغذائي، من بينهم 22.5% في حالة حرجة.

ويؤكد مركز مساواة أن هذه المعطيات لا تعكس "اختياراً اجتماعياً" أو ضعفاً في الرغبة بالعمل، بل تمثل نتيجة مباشرة لسياسات حكومية أدّت إلى إفقار المجتمع العربي، رغم كونه مجتمعاً شاباً يتميز بنسبة عالية من القادرين والراغبين في العمل، بخلاف مجتمعات أخرى تحظى بسياسات دعم مختلفة.  

والفجوة القائمة ليست فجوة جهد فردي، بل فجوة فرص وبنى تحتية واستثمار حكومي.

ويحذّر المركز من تفاقم الوضع في السنوات القريبة، في ظل تقليصات ميزانية عام 2024 الناتجة عن الحرب، والتقليصات المتوقعة في ميزانيات الأعوام 2025–2026، بما في ذلك المسّ بتنفيذ قرارات حكومية مركزية مثل القرارين 550 و1279، اللذين وُضعا أصلاً لتقليص الفجوات في المجتمع العربي.

ويُظهر التقرير أن سياسات الرفاه الاجتماعي والضرائب تقلّص الفقر في المجتمع العربي بنسبة 23.5% فقط، مقارنة بـ 42% في عموم سكان الدولة، ما يعكس فشلاً بنيوياً في أدوات السياسة الاقتصادية والاجتماعية.

ويشدّد مركز "مساواة" على أن "الإفقار الاقتصادي يرتبط مباشرة بتفشي الجريمة المنظمة، فغياب فرص العمل اللائقة، وانعدام المناطق الصناعية في القرى والمدن العربية، وشح أماكن العمل القريبة، إلى جانب ضعف وانتظام المواصلات العامة، كلها عوامل تدفع شرائح واسعة، خصوصاً من فئة الشباب، نحو الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، ما يسهّل تغلغل الجريمة المنظمة ويقوّض السلم المجتمعي".

تصنيفات

قصص قد تهمك