انهيار "نيو ستارت" يربك التسلح النووي.. وموسكو: نراقب واشنطن | الشرق للأخبار

انهيار "نيو ستارت" يربك معادلات التسلح النووي.. وموسكو: نراقب واشنطن عن كثب

لافروف لا يريد إشراك الصين بالمفاوضات: لا بد من أخذ قدرات بريطانيا وفرنسا في الاعتبار

time reading iconدقائق القراءة - 11
وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في قصر الكرملين. 15 يناير 2026 - Reuters
وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في قصر الكرملين. 15 يناير 2026 - Reuters
دبي-

عادت مخاوف الدخول في سباق تسلح نووي بين القوى النووية الثلاث الكبرى، روسيا والولايات المتحدة والصين، إثر انتهاء صلاحية معاهدة "نيو ستارت" بين موسكو وواشنطن، الخميس الماضي، فيما قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن بلاده تراقب الولايات المتحدة "عن كثب".

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحاول تحفيز مفاوضات بشأن اتفاق جديد الآن بعد أن انتهت آخر معاهدة من زمن الحرب الباردة، أم أنه يدرس إنتاج المزيد من الأسلحة النووية والاختبارات تحت الأرض، بحسب "نيويورك تايمز".

وقال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، الثلاثاء، إن موسكو تتابع "عن كثب" تصرفات الولايات المتحدة في ظل غياب القيود المفروضة على الأسلحة النووية الاستراتيجية.

وأضاف أن روسيا لا تنوي أن تكون الطرف المبادر إلى التصعيد بعد انتهاء صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية "نيو ستارت".

وفي مقابلة مع قناة NTV، أوضح لافروف أن الحديث الأميركي عن إشراك الصين في أي مفاوضات مستقبلية محتملة بشأن معاهدة بديلة لـ"ستارت"، قد يكون هدفه "صرف الانتباه عن القضايا الجوهرية"، معتبراً أن أي نظام رقابة تسلحية متعدد الأطراف يصعب تصوره من دون أخذ قدرات بريطانيا وفرنسا بعين الاعتبار، وفق ما نقلت وكالة "ريا نوفوستي".

وتحدد معاهدة "نيو ستارت" عدد الأسلحة النووية الاستراتيجية التي يمكن للولايات المتحدة وروسيا نشرها بنحو 1550 سلاحاً لكل منهما. وهي نوعية الأسلحة التي يمكن إطلاقها إلى نصف الكرة الآخر من العالم.​

غموض وارتباك

في الأيام الخمسة منذ انتهاء آخر معاهدة نووية قائمة بين الولايات المتحدة وروسيا، الخميس، أبرزت تصريحات مسؤولي إدارة ترمب أمرين واضحين، الأول أن واشنطن تدرس بفاعلية نشر مزيد من الأسلحة النووية، والثاني أن من المرجّح أيضاً أن تُجري اختباراً نووياً من نوع ما.​

هاتان الخطوتان تمثلان تراجعاً عن مسار يقارب الأربعين عاماً من الضبط الصارم للتسلح النووي الأميركي، التي خفّضت أو أبقت ثابتاً عدد الأسلحة التي نشرتها في الصوامع والقاذفات والغواصات، بحسب "نيويورك تايمز".

ولفتت إلى أن ترمب سيكون أول رئيس منذ رونالد ريجان يزيد هذه الأسلحة من جديد إذا اختار أن يفعل ذلك، مشيرة إلى أن آخر مرة أجرت فيها الولايات المتحدة اختباراً نووياً كانت عام 1992.

وقال ترمب، العام الماضي، إنه يريد استئناف التجارب النووية "على أساس المساواة" مع الصين وروسيا.​

حتى الآن، كانت تصريحات إدارة ترمب مبهمة، إذ قالت إنها تنظر في مجموعة متنوعة من السيناريوهات التي قد تعزّز الترسانة من خلال إعادة استخدام أسلحة نووية موجودة الآن في المخازن، وأن الرئيس وجّه مساعديه إلى استئناف الاختبارات. لكن لم يُحدّد أحد عدد الأسلحة التي يمكن نشرها أو نوع الاختبارات التي قد تُجرى.

ونبهت الصحيفة إلى غياب "تفاصيل مهمة" قد تحدّد ما إذا كانت القوى النووية الثلاث الكبرى تتجه نحو سباق تسلّح جديد، أم أن ترمب يحاول إجبار القوى الأخرى على الدخول في مفاوضات ثلاثية بشأن معاهدة جديدة.​

ونقلت "نيويورك تايمز" عن الخبيرة النووية المخضرمة جيل هروبي، التي كانت، حتى العام الماضي، ترأس "الوكالة الوطنية للأمن النووي"، وهي جزء من وزارة الطاقة يتولى تصميم الأسلحة النووية الأميركية واختبارها وتصنيعها: "كل هذا غامض بعض الشيء". وأضافت: "إنه مربك جداً ما يفعلونه".

إشارات أميركية

بدأت المؤشرات خلال ساعات من انتهاء "نيو ستارت"، الخميس، فقد رفض ترمب عرضاً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتمديد المعاهدة إلى أن يتفاوضا على معاهدة جديدة.

في اليوم نفسه، أرسلت وزارة الخارجية الأميركية وكيلها لشؤون الحدّ من التسلح والأمن الدولي، توماس جي. دينانو، إلى جنيف ليلقي كلمة أمام "مؤتمر نزع السلاح"، اشتكى خلالها من أن المعاهدة "فرضت قيوداً أحادية الجانب على الولايات المتحدة كانت غير مقبولة".

وأشار دينانو إلى أن الولايات المتحدة انسحب خلال ولاية ترمب الأولى من معاهدتين سابقتين مع روسيا، معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى، ومعاهدة الأجواء المفتوحة، مرجعاً السبب إلى ما قال إنها "انتهاكات روسية".

وأضاف أن معاهدة "نيو ستارت" فشلت في تغطية فئات كاملة جديدة من الأسلحة النووية التي تطوّرها روسيا والصين، وأن أي معاهدة جديدة سيتعيّن أن تفرض قيوداً على بكين، التي تمتلك أسرع قوة نووية نمواً على مستوى العالم.​

ثم أشار دينانو إلى أن الولايات المتحدة باتت الآن حرّة في "تعزيز الردع نيابة عن الشعب الأميركي". وقال إن الولايات المتحدة سوف "تُكمل برامج التحديث النووي الجارية لدينا"، في إشارة إلى مئات المليارات من الدولارات التي تُنفق على صوامع جديدة وغواصات جديدة وقاذفات جديدة.

وقال إن واشنطن "تحتفظ بقدرة نووية غير منشورة يمكن استخدامها للتعامل مع بيئة أمنية ناشئة، إذا وجّه الرئيس بذلك".

أحد الخيارات، كما قال وكيل وزارة الخارجية الأميركية للحد من التسلح هو "توسيع القوات الحالية" و"تطوير ونشر قوات نووية جديدة على مستوى المسرح"، أي الأسلحة النووية الأقصر مدى التي نشرتها روسيا بكثرة. (كانت "نيو ستارت" تغطي فقط الأسلحة "الاستراتيجية" التي يمكن إطلاقها إلى نصف الكرة الآخر من العالم).​

الآثار الفورية المحتملة

على سبيل المثال، تتركّز إحدى الزيادات القريبة المحتملة على الغواصات الأميركية من فئة "أوهايو" البالغ عددها 14 غواصة، كل واحدة منها لديها 24 أنبوباً يمكن أن تطلق صواريخ برؤوس نووية. وللامتثال لقيود "نيو ستارت"، كانت البحرية الأميركية تعطل أربعة أنابيب في كل غواصة.

الآن، وقد أُزيلت تلك القيود، تمضي الخطط قدماً لإعادة فتح الأنابيب، بما يسمح بتحميل أربعة صواريخ إضافية في كل غواصة. في المجمل، هذه الخطوة وحدها ستضيف مئات أخرى من الرؤوس الحربية التي يمكن أن تهدّد خصوم البلاد.

من الممكن، بالطبع، أن تكون مثل هذه عمليات النشر مقصودة فقط لدفع القوى النووية الأخرى إلى مفاوضات، لكن من الممكن أيضاً أن تقرر روسيا والصين أنهما تفضّلان توسيع قواتهما.​

رفض صيني

أبدت الصين، حتى الآن، قدراً ضئيلاً من الاهتمام بالحدّ من التسلح، على الأقل إلى أن تقترب قواتها من حجم قوات واشنطن وموسكو.

وكما لاحظ فرانكلين ميلر وإريك إدلمان، وهما اثنان من استراتيجيي الأسلحة النووية خَدَما في إدارات جمهورية سابقة، في مقال لهما في مجلة "فورين أفيرز"، العام الماضي، فإن الصين "تعتبر أي استعداد للانخراط في ضبط التسلح علامة ضعف، وترى أن عملية الشفافية والتحقق التي من المفترض أن تُسند مثل هذا الاتفاق عملية تدخّلية تشبه التجسس".

في خطابه في جنيف، قدّم دينانو أيضاً أول شرح تفصيلي من مسؤول في إدارة ترمب لما قصده الرئيس العام الماضي عندما أمر باستئناف الاختبارات النووية، وهو التصريح الذي أدلى به ترمب قبيل اجتماعه في أكتوبر مع الرئيس الصيني شي جين بينج.

وفي مقابلة الشهر الماضي مع "نيويورك تايمز"، قال ترمب إنه تحدّث مطولاً مع شي بشأن القضايا النووية. لكنه لم يعطِ تفاصيل.

في البداية، رأى بعض الخبراء النوويين الأميركيين من خارج الحكومة في تصريحات ترمب إشارة إلى أن الولايات المتحدة تخطط لنوع الاختبارات النووية القوية تحت الأرض التي كانت رموزاً متكررة للمنافسة بالمثل في زمن الحرب الباردة قبل نصف قرن. كانت هذه الاختبارات تُفجَّر تحت الأرض، وتُرسل موجات صدمة تنتشر في قشرة الأرض وتنعكس من هناك حول العالم. كانت الانفجارات يسهل رصدها.​

وبينما علّقت الولايات المتحدة وروسيا والصين هذه الاختبارات، التزاماً بـ"معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية"، تجاهلت كوريا الشمالية ذلك، إذ أجرت ستة اختبارات تحت الأرض، بين عامي 2006 و2017، محطّمة الآمال في وقف عالمي للتجارب.​

ويحظر حظر التجارب، الذي دخل حيّز التنفيذ عام 1996، الاختبارات التي تنتج أي قوة تفجيرية على الإطلاق، مهما كانت ضئيلة، وتسمى "معاهدة العائد الصفري".

استئناف التجارب النووية

في خطابه في جنيف، أوضح دينانو أن إدارة ترمب كانت تعتقد أن روسيا والصين قد أجرتا بالفعل مثل هذه الاختبارات، وألمح إلى أن دعوة الرئيس إلى إجراء اختبارات "على أساس المساواة" قد تسمح للولايات المتحدة بفعل الشيء نفسه.​

وذكر أن الحكومة الأميركية كانت تعرف أن الصين أجرت "اختبارات نووية تفجيرية" سعت إلى إخفائها. وأشار تحديداً إلى اختبار واحد جرى في 22 يونيو 2020، قبيل نهاية الولاية الأولى لترمب.​

بدورها، أوضحت الشبكة العالمية الرئيسية التي تسعى إلى مراقبة الالتزام بحظر التجارب، في بيان حديث، أنها لم ترصد أي انفجار تجريبي في ذلك التاريخ.

وقال مسؤولون أميركيون إن خبراء الاستخبارات الأميركيين ناقشوا، على مدى السنوات الخمس الماضية، ما إذا كانت الحكومة الصينية قد أجرت الاختبار فعلاً أم لا. لكن السيد دينانو لم يبدِ أي شك.​

في خطابه، ذكر دينانو أن بكين استخدمت "فكّ الارتباط" لإخفاء اختباراتِها. وكان يشير إلى تقنية يستخدمها مصمّمو القنابل لعزل موجات الصدمة لتفجير نووي حتى لا تؤثر في قشرة الأرض.

تشمل الوسائل حصر انفجار صغير في وعاء خلف جدران من الفولاذ فائقة القوة.​ تعرف الولايات المتحدة هذه العملية جيداً: فمن 1958 إلى 1961، قبل وقت طويل من الحظر العالمي على التجارب، أجرى مصمّمو الأسلحة النووية الأميركيون أكثر من 40 اختباراً من هذا النوع، رغم وجود وقفٍ أميركي‑ سوفييتي للتجارب.​

في خطابه، لم يوضح دينانو تبعات مزاعمه. لكنه كرّر عبارة "على أساس المساواة"، التي سبق واستخدمها ترمب حين أمر باستئناف التجارب النووية، ما يوحي بأن الولايات المتحدة تتجه في هذا الاتجاه أيضاً، بحسب "نيويورك تايمز".

ولفتت الصحيفة إلى أن "هناك بعض الغموض"، مشيرة إلى أن المسؤول الأميركي قال إن الولايات المتحدة حريصة على "استعادة السلوك المسؤول عندما يتعلّق الأمر بالاختبارات النووية"، لكنه لم يقدّم أي إشارة إلى ما قصده بـ"السلوك المسؤول".

تصنيفات

قصص قد تهمك