
عاد طارق رحمن، وريث إحدى أبرز العائلات السياسية في بنجلاديش، إلى واجهة المشهد بعد 17 عاماً في المنفى، فيما تستعد البلاد لخوض انتخابات عامة، عقب الإطاحة برئيسة الوزراء السابقة شيخة حسينة عبر انتفاضة شعبية في عام 2024.
استُقبل رحمن، الذي يرجح كثيرون أن يكون رئيس الوزراء المقبل لبنجلاديش، هذا الأسبوع في تجمعات عبر العاصمة دكا بهتافات "شاجوتوم"، أي "أهلاً وسهلاً". وعاد رحمن في ديسمبر الماضي إلى بنجلاديش بعد أن عاش في منفى اختياري في لندن منذ فراره قبل 17 عاماً، وفق "فاينانشيال تايمز".
وتتباين استطلاعات الرأي، إلا أن الحزب الوطني البنجلاديشي، الذي يتزعمه رحمن، يُعتقد أنه يتصدر السباق قبيل الانتخابات العامة المقررة، الخميس، وهي الأولى منذ أطاحت انتفاضة جماهيرية بحسينة في عام 2024.
وأنهت "ثورة الرياح الموسمية"، التي قادها الشباب، حكم حسينة المستمر 15 عاماً، وأحيت آمالاً بعودة الحكم الديمقراطي في الدولة الواقعة في جنوب آسيا.
وقال رحمن (60 عاماً)، الذي فر من البلاد في عام 2008 بعد احتجازه وتعرضه، على حد قوله، للتعذيب وتوجيه اتهامات بالفساد يعتبرها ذات دوافع سياسية: "استعدنا حقنا في التصويت بعد إراقة دماء وتضحيات جسيمة". وأضاف: "يتعين الآن استثمار هذه الفرصة لإعادة بناء البلاد".
دعم واسع النطاق
ويحظى رحمن بدعم شبكة واسعة للحزب الوطني البنجلاديشي على مستوى البلاد، ويُتوقع أن يستفيد من غياب غريمه التقليدي، حزب "رابطة عوامي" بزعامة شيخة حسينة، الذي حُظر من ممارسة الأنشطة السياسية.
غير أنه يواجه ائتلافاً يضم 11 حزباً، معظمها إسلامية، يقوده حزب "الجماعة الإسلامية"، الذي شهد تصاعداً في شعبيته، وفقاً لمحللين.
ويُنظر إلى التنافس على المقاعد الـ300 المنتخبة في البرلمان البنجلاديشي على أنه "أكثر انتخابات مصداقية منذ عقود". ففي عهد حسينة، جرى تقييد أحزاب المعارضة، وقاطع بعضها انتخابات قالت إنها شابها التزوير، وفق "فاينانشيال تايمز".
وسيُدلي الناخبون أيضاً بأصواتهم في استفتاء دستوري بشأن إصلاحات سياسية واسعة، من بينها تحديد مدد ولاية رئيس الوزراء. ومنذ الإطاحة بحسينة، تعيش البلاد مرحلة انتقالية متوترة تحت إدارة حكومة مؤقتة يشرف عليها الحائز على جائزة نوبل للسلام محمد يونس، الذي يُتوقع أن يتنحى اعتباراً من الأسبوع المقبل.
تحديات مُنتظرة
وسيتعين على من يقود بنجلاديش تحقيق توازن بين علاقات متوترة مع الهند، التي لجأت إليها حسينة، وتعميق الروابط مع الصين، والانفتاح على خصم تاريخي هو باكستان.
كما سيواجه تحدي إنعاش اقتصاد يعاني من تضخم يتجاوز 8%. وقد تلقى قطاع الملابس الحيوي في البلاد دفعة هذا الأسبوع عقب اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة خفض الرسوم الجمركية على الصادرات.
وقالت وكالة "موديز" في مذكرة هذا الأسبوع: "سيواصل اقتصاد بنجلاديش التعامل مع تحديات متعددة على مستوى الاقتصاد الكلي". وأضافت: "سيتوقف التعافي الاقتصادي للبلاد بدرجة كبيرة على انتقال منظم إلى حكومة جديدة عقب الانتخابات".
وسيكون على رئيس الوزراء الجديد أيضاً، التعامل مع مساعي استعادة أكثر من 230 مليار دولار، يقدر مسؤولون أنه جرى استنزافها من البلاد خلال حكم حسينة.
تداعيات سقوط حسينة
وأدى سقوط حسينة إلى قلب المشهد السياسي في بنجلاديش، الذي ظل لعقود محكوماً بصراع مرير بين سلالتين سياسيتين تمثلهما "رابطة عوامي" والحزب الوطني البنجلاديشي.
وكان والد حسينة، شيخ مجيب رحمن، قائد استقلال البلاد وأول رئيس لها. أما والد طارق رحمن، ضياء رحمن، فكان من أبرز قادة الاستقلال ورئيساً سابقاً، فيما تولت والدته، خالدة ضياء، رئاسة الوزراء ثلاث مرات وقادت الحزب الوطني البنجلاديشي لعقود قبل وفاتها في ديسمبر 2025.
وصدر حكم بالإعدام غيابياً بحق حسينة على خلفية حملة قمع للاحتجاجات في عام 2024 أسفرت عن مقتل ما يصل إلى 1400 شخص. ونفت مسؤوليتها عن تلك الوفيات.
وانتقدت حسينة الانتخابات، وقالت لـ"فاينانشال تايمز" من الهند إن "شروط إجراء انتخابات ديمقراطية ذات مصداقية غير متوافرة ببساطة" في بنجلاديش.
وأقرت بأنه "سبق أن قاطعت أحزاب الانتخابات في الماضي"، لكنها اعتبرت أن حظر "رابطة عوامي"، التي قالت إنه "يحظى بدعم عشرات الملايين"، "أمر مختلف تماماً".
وأدى ذلك إلى تحويل الانتخابات إلى منافسة بين الحزب الوطني البنجلاديشي والتكتل الذي يقوده أكبر حزب إسلامي في البلاد، "الجماعة الإسلامية"، الذي تعرض بدوره لملاحقات في عهد حسينة.
وقال شفيق رحمن، أمير حزب الجماعة، في تجمع الأسبوع الماضي: "على مدى 15 عاماً ناضلنا من دون أن نستطيع فعل شيء". وأضاف: "أُودعنا مراكز احتجاز سرية، وتعرضنا للإخفاء والقتل، وتحملنا السجن والاضطهاد". وتابع: "سنغير البلاد، إن شاء الله. سنبني بلداً للصالحين".
وقال افتخار زمان، من منظمة "الشفافية الدولية"، إن سقوط حسينة "عزز نفوذ القوى الإسلامية".
وقال رويسل حسين، أحد أنصار الجماعة في دكا: "بنجلاديش بلد ذو غالبية مسلمة. لكن عندما تنظر حولك، هل تشعر أننا نعيش وفق القيم الإسلامية؟"، مشيراً إلى "فتيان وفتيات يرتدون ملابس غربية كاشفة".
وأضاف: "إذا وصلت الجماعة إلى السلطة، فسيكون لدينا مجتمع أكثر احتشاماً وفق القواعد الإسلامية".
واعتبر عاصف شاهان، الباحث البارز في معهد الحوكمة والتنمية التابع لـ"براك" في دكا، خلال تصريحات لـ"فاينانشيال تايمز"، أن محاولة الحزب الوطني البنجلاديشي استمالة ناخبي "رابطة عوامي" السابقين قد "تحدد مصير الانتخابات".














