
كشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، عن "تنازلات إيرانية" بشأن البرنامج النووي، و"مرونة أميركية" في المطالب، بأولى جولات المحادثات التي استضافتها سلطنة عمان، الأسبوع الماضي، إذ أكد أن الولايات المتحدة وإيران مستعدتان "على ما يبدو" لإبداء مرونة من أجل التوصل إلى اتفاق نووي جديد، لكنه حذر من أن توسيع نطاق المحادثات لتشمل برنامج طهران للصواريخ الباليستية لن يؤدي سوى "حرب أخرى".
وأضاف فيدان الذي تتوسط بلاده في المفاوضات، خلال مقابلة مع صحيفة "فاينانشيال تايمز"، الخميس، أن واشنطن أبدت استعدادها لـ"التعامل بمرونة بشأن مطلب رئيسي يقضي بوقف إيران لجميع أنشطة تخصيب اليورانيوم"، وهو شرط شكل لفترة طويلة عقبة رئيسية أمام التوصل إلى اتفاق، إذ تُصر إيران على أن لها الحق في التخصيب بصفتها دولة موقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.
وأعرب وزير الخارجية التركي، عن اعتقاده أيضاً بأن طهران "تريد بالفعل التوصل إلى اتفاق حقيقي"، و"ستقبل قيوداً على مستويات تخصيب (اليورانيوم) ونظام تفتيش صارم"، على غرار ما قبلته في اتفاق 2015 مع الولايات المتحدة وقوى عالمية أخرى.
وقال فيدان، الذي يظل على اتصال مستمر مع مسؤولين أميركيين وإيرانيين وإقليميين: "إنه لأمر إيجابي أن الأميركيين يبدون مستعدين لتقبل تخصيب إيران (لليورانيوم) ضمن حدود محددة بوضوح".
وتابع: "الإيرانيون يدركون في الوقت الراهن أنهم بحاجة إلى التوصل إلى اتفاق مع الأميركيين، والأميركيون يفهمون أن الإيرانيين لديهم حدود معينة. لا جدوى من محاولة إجبارهم".
وتطالب واشنطن حتى الآن إيران بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء تصل إلى 60%، وهي نسبة قريبة من 90% التي تعتبر درجة صالحة للاستخدام في صنع أسلحة.
فيما قال الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، إن بلاده ستواصل المطالبة برفع العقوبات المالية والإصرار على حقوقها النووية بما في ذلك التخصيب.
قدرات إيران الصاروخية
وحذّر وزير الخارجية التركي من أنه إذا "أصرت الولايات المتحدة على معالجة جميع المسائل في وقت واحد"، في إشارة إلى الصواريخ الباليستية الإيرانية، ودعم طهران لجماعات مسلحة في المنطقة، فإنه "حتى الملف النووي لن يمضي قدماً.. وقد يؤدي ذلك إلى حرب أخرى في المنطقة".
وكشف أن أنقرة ودول أخرى في المنطقة كانت "تحاول تطوير أفكار مبتكرة"، لمعالجة مسألة برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ودعم طهران لجماعات مسلحة، مشيراً إلى أنها يمكن أن تلعب "دوراً بناءً وفعالاً".
وأضاف: "الأميركيون يساورهم قلق بالغ إزاء القدرات النووية الإيرانية"، لافتاً إلى أن "المسائل الأخرى ترتبط ارتباطاً وثيقاً بدول المنطقة، لأن الصواريخ والوكلاء يؤثرون على الأمن الإقليمي؛ ولا يملكون تأثيراً عالمياً".
وأعرب فيدان عن قلقه من محاولة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التأثير على الرئيس ترمب خلال زيارته للبيت الأبيض، مشيراً إلى أن "الحفاظ على موقع التفوق العسكري في المنطقة يمثل إحدى الأولويات الأساسية بالنسبة لإسرائيل، ووجود الصواريخ الإيرانية يُعقد هذا الهدف"، على حد وصفه.
وبعد استضافة رئيس الوزراء الإسرائيلي في البيت الأبيض، الأربعاء، قال ترمب إنه أكد أن "المفاوضات مع إيران مستمرة لمعرفة ما إذا كان يمكن إبرام اتفاق أم لا".
وكتب ترمب على منصته للتواصل "تروث سوشيال": "إذا لم يكن ذلك ممكناً، فسيتعين علينا فقط انتظار النتيجة". جاء الاجتماع وسط تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة قد ترسل حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة.
وكانت إسرائيل حذرت بشكل متزايد من التهديد الذي تشكله ترسانة الصواريخ الإيرانية، وضغطت بقوة لكي تكون جزءاً من أي مفاوضات، فيما تصر إيران على أن برنامجها الصاروخي ليس مطروحاً للنقاش.
وشدد وزير الخارجية التركي على "ضرورة أن تتجنب إدارة ترمب وإيران تكرار أخطاء الماضي، عندما شعرت دول المنطقة بأنها مستبعدة من المفاوضات، التي أفضت إلى توقيع قوى عالمية على الاتفاق النووي مع طهران".
ويُحدد الاتفاق النووي المبرم عام 2015، نسبة النقاء المسموح بها لتخصيب إيران لليورانيوم عند 3.67%، وألا يتجاوز مخزونها من اليورانيوم المخصب 300 كيلوجرام؛ لكنه لم يتطرق إلى مسائل أخرى، ما أدى، حسب بعض دول المنطقة، إلى تمكين طهران من تطوير برنامجها الصاروخي، ودعم وكلائها.
احتجاجات إيران
وأشار فيدان، خلال تصريحاته لـ"فاينانشيال تايمز"، إلى أنه "سيكون من المهم بالنسبة لإيران أن تقرن أي اتفاق مع الولايات المتحدة بخطوات تعزز الثقة مع شركاء إقليميين"، مؤكداً أن "هذا التوازن ضروري، لأنه توجد فجوة كبيرة في الثقة مع دول المنطقة، ومن الضروري معالجة هذا الجانب".
ولفت إلى أن "طهران تدرك الخطر الذي واجهته في أعقاب الحرب التي شنتها إسرائيل في يونيو الماضي"، فضلاً عن الاحتجاجات الشعبية المناهضة للنظام الشهر الماضي، التي كانت الأعنف والأكثر دموية منذ ثورة عام 1979.
وقال وزير الخارجية التركي: "إنهم (قادة إيران) يدركون أن الاحتجاجات الشعبية كانت مدفوعة إلى حد كبير بالصعوبات الاقتصادية. لذا فهم يعلمون أنه ينبغي تسوية مسألة العقوبات".
واستبعد فيدان إمكانية أن تؤدي الضربات الأميركية إلى انهيار النظام الإيراني، قائلاً: "لا أعتقد أن تغيير النظام سيحدث. بالطبع، أجهزة الحكومة وبعض الأهداف الأخرى ستتضرر بشدة وستدمر. لكن النظام ككيان سياسي سيظل كياناً فعالاً".
والأسبوع الماضي، أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر محادثات غير مباشرة مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مسقط، بعد أن كثفت تركيا وقطر وعمان ومصر جهودها الرامية إلى إعادة واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات.
ووصفت كل من واشنطن وطهران المحادثات، وهي الأولى منذ انضمام الولايات المتحدة إلى إسرائيل في حربها التي استمرت 12 يوماً ضد إيران في يونيو الماضي لقصف منشآت نووية إيرانية، بأنها خطوة أولى إيجابية. وقال الجانبان إنهما يتوقعان عقد جولة أخرى قريباً، على الرغم من تحذير دبلوماسيين من أن التوصل إلى اتفاق يواجه تحديات كبيرة.
وكان من المقرر في البداية عقد المحادثات في إسطنبول بحضور قوى إقليمية بصفة مراقبين؛ لكن طهران ضغطت لعقدها في سلطنة عمان، حيث أصرت على أن تركز المناقشات على البرنامج النووي فقط.











