
تعمل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على توسيع كبير لجهود سحب الجنسية من الأميركيين المولودين في الخارج، في إطار مساعيها للحد من الهجرة، وفقاً لما قاله شخصان مطلعان على هذه الخطط لشبكة NBC News.
وخلال الأشهر الماضية، أرسلت دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأميركية، التابعة لوزارة الأمن الداخلي والمسؤولة عن شؤون الهجرة القانونية، خبراء إلى مكاتبها في مختلف أنحاء البلاد، أو أعادت توزيع موظفين؛ للتركيز على ما إذا كان يمكن الآن نزع الجنسية عن بعض المواطنين الذين جرت معاملاتهم عبر تلك المكاتب، بحسب ما أفاد به هذان الشخصان.
ويهدف التركيز على المواطنين المتجنسين إلى تزويد مكتب التقاضي في شؤون الهجرة بما يتراوح بين 100 و200 قضية محتملة شهرياً، بحسب أحد المطلعين على الخطط.
وعادة ما كانت مثل هذه القضايا نادرة للغاية، وغالباً ما كانت تتعلق بأشخاص أخفوا سجلات جنائية أو انتهاكات سابقة لحقوق الإنسان خلال إجراءات التقدم بطلبات التجنيس. وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" أول من كشف عن هذا السقف العددي.
وبالمقارنة، قدمت الإدارة الأميركية رسمياً ما مجموعه 102 قضية فقط من هذا النوع طوال السنوات الأربع لولاية الرئيس دونالد ترمب الأولى، وفقاً لوزارة العدل.
تقليص الهجرة
ويأتي هذا الجهد ضمن حملة أوسع تقودها وزارة الأمن الداخلي لتقليص الهجرة بشكل جذري، وتنفيذ أجندة ترمب السياسية. وشملت هذه الحملة إرسال عشرات من ضباط إنفاذ قوانين الهجرة إلى مدن أميركية لتنفيذ عمليات ترحيل، وشراء مستودعات ضخمة لاستخدامها في احتجاز الموقوفين.
وسعت وزارة الأمن الداخلي أيضاً بشكل متزايد إلى إخراج مهاجرين قانونيين من الولايات المتحدة عبر إلغاء آلاف التأشيرات، من بينها تأشيرات لأشخاص شاركوا في احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين، إضافة إلى محاولات لترحيل حاملي البطاقات الخضراء.
وقال المتحدث باسم دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأميركية، ماثيو تراجيسر، إن الوكالة تراجع قضايا المواطنين المتجنسين عندما تتوافر أدلة موثوقة على أن الجنسية جرى الحصول عليها عبر الاحتيال أو تقديم معلومات مضللة.
وأضاف: "نحافظ على سياسة عدم التسامح مطلقاً مع الاحتيال في عملية التجنيس، وسنلاحق إجراءات نزع الجنسية بحق أي فرد كذب أو قدّم معلومات غير صحيحة".
وتابع: "سنواصل بلا هوادة ملاحقة كل من يقوض نزاهة نظام الهجرة الأميركي، والعمل جنباً إلى جنب مع وزارة العدل لضمان احتفاظ من يستوفون معايير المواطنة فقط بامتياز الجنسية الأميركية".
وأشار المطلعان على الخطط إلى أن مسؤولين في إدارة ترمب يبحثون عن وسائل مختصرة لتسريع هذه العملية.
وأوضحا أن مسؤولي دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأميركية خلصوا إلى أن تخصيص موظفين، إما عبر إرسال خبراء أو من خلال تدريبهم في أكثر من 80 مكتباً ميدانياً تابعاً للوكالة في أنحاء البلاد، سيكون أكثر فاعلية في اكتشاف عدد أكبر من القضايا مقارنة بالجهد السابق في عهد ترمب، الذي كان مقره في مستودع بمدينة باسادينا في ولاية كاليفورنيا.
قضايا نزع الجنسية
وأبلغت وزارة العدل بالفعل المحامين بالتركيز على قضايا نزع الجنسية، وقدمت أمثلة محتملة لتلك القضايا، تتراوح بين "أفراد يشكلون خطراً على الأمن القومي" أو متورطين في جرائم حرب أو تعذيب، وصولاً إلى أشخاص ارتكبوا عمليات احتيال في برامج "ميديك إيد" أو "ميديكير"، أو احتالوا على الحكومة بطرق أخرى.
وتتضمن الإرشادات أيضاً بنداً عاماً واسعاً يشير إلى "أي قضايا أخرى... ترى الدائرة أنها ذات أهمية كافية للملاحقة".
وغالباً ما تمتد هذه القضايا إلى ما بعد انتهاء ولاية رئاسية معينة. ووفقاً لأرقام وزارة العدل، ربحت إدارة ترمب 86 قضية خلال ولايته الأولى، فيما ربحت إدارة الرئيس جو بايدن 54 قضية.
وظل ترمب منشغلاً منذ فترة طويلة بمسألة المواطنة، ومن يحق له أن يكون أميركياً ومن لا يحق له ذلك، كما عبّر عن استيائه من المهاجرين القادمين مما يصفها بدول العالم الثالث.
ويسعى ترمب، بشكل منفصل، إلى الحصول على صلاحية سحب الجنسية من الأشخاص المولودين في الولايات المتحدة لأبوين أجنبيين، رغم أن مبدأ "حق المواطنة بالميلاد" منصوص عليه في الدستور الأميركي، فيما تنظر المحكمة العليا حالياً في حججه.
وقال ترمب، في رسالة نشرها على منصته "تروث سوشيال" موجهة إلى الأميركيين في يوم عيد الشكر من العام الماضي، إنه سيقوم بإبعاد كل من لا يشكل "إضافة صافية" للولايات المتحدة أو "غير قادر على حب البلاد"، و"إنهاء جميع المزايا والإعانات الفيدرالية لغير المواطنين في الولايات المتحدة، ونزع الجنسية عن المهاجرين الذين يقوضون السلم الداخلي، وترحيل أي أجنبي يشكل عبئاً عاماً أو خطراً أمنياً أو غير منسجم مع الحضارة الغربية".
ويحصل نحو 800 ألف شخص على الجنسية الأميركية سنوياً، وفقاً لوزارة الأمن الداخلي. وللحصول على الجنسية بالتجنس، يجب أن يكون المتقدم فوق 18 عاماً، وحاصلاً بالفعل على الإقامة الدائمة القانونية، ويتقن اللغة الإنجليزية، ويعرف تاريخ الولايات المتحدة والدراسات الاجتماعية، ويتمتع بـ"حسن السيرة والسلوك"، وفقاً لقانون الهجرة والجنسية.
حالات نادرة
وعادة ما كان يُجرّد الأميركيون المولودون في الخارج من الجنسية فقط إذا ثبت ارتكابهم احتيالاً خلال إجراءات التقدم بطلباتهم. وفي العقود الماضية، ركزت تلك القضايا على تعقب نازيين سابقين فروا إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية تحت ذرائع كاذبة.
وقال مسؤول سابق في دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأميركية إن الإدارات الديمقراطية والجمهورية على حد سواء سعت إلى زيادة التحقيقات، لكنها تظل نادرة.
وأضاف دوج راند، وهو مسؤول سابق آخر في الدائرة: "من المهم للغاية للمواطنين الأميركيين المتجنسين الحاليين والمستقبليين أن يعرفوا أنه لا يمكن لأي رئيس أن يسحب من جانب واحد الجنسية التي عملوا بجد شديد للحصول عليها".
وتُعد عملية نزع الجنسية طويلة ومعقدة، وتخضع لمعيار قانوني مرتفع. وحتى إذا دفعت الإدارة باتجاه التحقيق مع شخص بهدف نزع جنسيته، فقد يستغرق الأمر سنوات، فيما قد يستغرق الترحيل اللاحق فترة أطول من ذلك.
وقالت سارة بيرس، محللة سياسات الهجرة التي عملت مسؤولة في دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأميركية في عهد الرئيس السابق جو بايدن: "يُعد نزع الجنسية أداة بالغة الخطورة، وينبغي استخدامها في حالات نادرة".
وأضافت بيرس أن لدى الدائرة هامشاً واسعاً من الصلاحيات عند اتخاذ قرار الموافقة على منح الجنسية، ما يجعل من الممكن أن يخضع أشخاص لم تُسجل بحقهم أي مشكلات عند تجنيسهم لتدقيق إضافي الآن.
وأوضحت أن هناك مخاوف من أن تؤدي بعض تغييرات سياسات الهجرة في إدارة ترمب إلى "جعل بعض المواطنين المتجنسين عرضة لمزاعم الاحتيال أو تقديم معلومات مضللة بأثر رجعي".
مشروع قانون لسحب الجنسية
وقدم مشرعون جمهوريون مؤخراً مشروع قانون يتيح للحكومة سحب الجنسية من أي شخص يثبت ارتكابه احتيالاً ضد الحكومة، أو انضمامه إلى جماعة إرهابية، أو إدانته بجناية خطيرة خلال السنوات العشر التالية لحصوله على الجنسية.
ومنذ بداية الولاية الثانية لترمب، رُفعت 16 قضية من هذا النوع، وربحت الإدارة 7 منها، من بينها قضية لرجل من أصل بريطاني أُدين بتلقي وتوزيع صور جنسية صريحة لأطفال.
وقالت ديبورا تشين، المحامية المشرفة في برنامج حماية المهاجرين التابع لمجموعة نيويورك للمساعدة القانونية، إن بعض موكليها الذين كانت طلبات تجنيسهم قيد النظر عند دخول السياسات الجديدة حيز التنفيذ رُفضت طلباتهم بسبب ديون ضريبية، رغم أنهم كانوا ملتزمين بخطط سداد.
وأضافت أن ذلك قد يشير إلى أن ضباط الهجرة يسعون إلى أدلة إضافية على "حسن السيرة والسلوك"، التي يجري إثباتها من خلال إبراز "سمات إيجابية"، مثل رعاية الأسرة والتحصيل التعليمي والاستقرار الوظيفي والمشاركة المجتمعية.
وتتزايد المخاوف من أن يكون جهد وزارة الأمن الداخلي موجهاً أكثر إلى بث الخوف، وأقل إلى تحقيق نجاح فعلي في سحب الجنسية. وحتى إذا لم يُلاحق الأميركيون الذين تشملهم التحقيقات قضائياً أو تتم إدانتهم، فإن العملية تفرض عليهم أعباء مالية ونفسية كبيرة، إذ يتعين عليهم توكيل محامين وتقديم وثائق.
وقالت مارجي أوهيرون، الزميلة البارزة في برنامج الحرية والأمن القومي بمركز برينان للعدالة في كلية الحقوق بجامعة نيويورك، إن مجرد التهديد بنزع الجنسية يخلق حالة من الرعب الحقيقي.
وأضافت: "يخشى المواطنون من أنهم إذا فعلوا أو قالوا شيئاً لا يعجب الحكومة، حتى لو كان ذلك قانونياً ومحمياً بموجب الدستور، فسيصبحون هدفاً".











