
قال رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، إن أوروبا بحاجة إلى لحظة من "التغيير الجذري" تنحي فيها العواصم الأوروبية مصالحها الوطنية جانباً، لمعالجة الجمود التنظيمي الذي ترك القارة متأخرة عن الولايات المتحدة والصين، وفق ما نقلته صحيفة "فاينانشال تايمز".
وأضاف كوستا، الذي كان يستعد لترؤس قمة أوروبية حاسمة بشأن التنافسية، الخميس، أن مشكلات أوروبا لا تعود فقط إلى الإفراط في التنظيم من جانب بروكسل، بل تشمل أيضاً الجمود البيروقراطي في العواصم الوطنية.
وقال كوستا في تصريحات للصحيفة: "نحتاج إلى زخم سياسي جديد. علينا أن نفعل في عام 2026 بشأن التنافسية ما فعلناه العام الماضي في مجال الدفاع"، في إشارة إلى الاتفاقات التي أُبرمت لزيادة الإنفاق الدفاعي وتوحيد عمليات الشراء.
وشدد كوستا على ضرورة إظهار انفتاح سياسي على التسويات يتماشى مع الخطاب السائد الداعم للنمو، داعياً إلى إصلاحات شاملة عبر السوق الأوروبية الموحدة لتقليص الأعباء البيروقراطية. وأضاف: "قد يشكل ذلك تغييراً جذرياً في السوق الداخلية".
وأشار إلى أن أحد الأمثلة الممكنة يتمثل في اعتماد مبدأ يقضي بأن تقدم الشركات بياناتها إلى جهة أوروبية مرة واحدة فقط، بدلاً من تقديمها في كل دولة عضو تعمل فيها.
كما أعرب عن رغبته في أن يصدر القادة الأوروبيون تعليمات واضحة لوقف "التدقيق المفرط" من جانب العواصم الوطنية، والذي قال إنه أعاق جهود إنشاء اتحاد لأسواق رأس المال في الاتحاد الأوروبي، أو إقامة شبكة طاقة متكاملة فعلياً.
رسالة سياسية
وفي ما يتعلق بتطبيق القواعد القائمة، دعا كوستا، القادة، إلى "توجيه رسالة سياسية قوية جداً إلى حكوماتهم" لوقف ما يُعرف بـ"التشدد الإضافي"، أي إضافة أعباء وطنية فوق التشريعات الأوروبية، بما يؤدي إلى مضاعفة القواعد المرهقة عبر 27 بيروقراطية وطنية.
وأوضح أن أحد محاور اجتماع الخميس، الذي يُعقد في قلعة بلجيكية تعود إلى القرن السادس عشر، يتمثل في التوصل إلى تسوية بشأن مساعي فرنسا لاعتماد سياسة "اشترِ المنتجات الأوروبية"، التي تشترط تصنيع سلع أساسية معينة في أوروبا، وهو توجه ترفضه الدول الأكثر ميلاً إلى اقتصاد السوق الحر.
وأكد كوستا أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يظل "سوقاً مفتوحة"، وأن يرفض الحمائية، لكنه أقر في الوقت ذاته بضرورة اتخاذ تدابير لحماية الصناعات الاستراتيجية مثل الكيماويات والصلب والألومنيوم.
وأوضحت الصحيفة أن نهج كوستا يعكس مخاوف عواصم أخرى، من بينها برلين، من أن تطبيق سياسة "اشترِ المنتجات الأوروبية" على جميع القطاعات قد يمضي بعيداً أكثر مما ينبغي. ونقلت عن مسؤول ألماني رفيع قوله إن "هذه السياسة يجب أن تكون استثناءً وملاذاً أخيراً، ويفضّل أن تُطبق على التقنيات الحيوية والاستراتيجية، لا على قطاعات كاملة، ولمدة زمنية محدودة".
وذكر كوستا، الذي يترأس قمم قادة الاتحاد الأوروبي ويتولى تحديد جدول أعمالها، أنه يسعى إلى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن مجموعة من الإجراءات، من بينها إزالة الحواجز داخل السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، وإنشاء "سوق موحدة حقيقية" في قطاعات الطاقة والاتصالات وأسواق رأس المال.
التدابير الانتقامية
كما سيحث رئيس المجلس الأوروبي، التكتل، على إبرام مزيد من الاتفاقات التجارية، واستخدام التدابير الانتقامية، ومراجعة قواعد المنافسة "للسماح للشركات الأوروبية بالتوسع" داخل القارة بما يمكّنها من المنافسة عالمياً، وفق ما نقلت عنه الصحيفة.
وأضاف: "لا يمكننا أن نكون ساذجين. إذا كان بعض الفاعلين العالميين يتحدوننا من خلال منافسة غير عادلة، فعلينا أن نرد، وإذا كان آخرون يستخدمون التجارة كتهديد، أو كأداة إكراه، فعلينا أن نستخدم أدواتنا أيضاً".
وتابع كوستا: "لسنا بحاجة إلى تلويث مجتمعنا بالإفراط في التنظيم من أجل تحقيق أهدافنا في خفض الانبعاثات".
وأبدى كوستا حذراً بشأن احتمال لجوء الدول الأعضاء المتوافقة معه في الرأي إلى سَن تشريعات لتجاوز حق النقض الذي تتمتع به دول مثل المجر، وهو خيار طرحته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون.
واختتم حديثه قائلاً: "في الوقت الحالي، لا أرى سبباً خاصاً للتحرك نحو التعاون المعزز (وهي آلية تتيح لمجموعة من دول الاتحاد المضي قدماً في سياسات مشتركة دون مشاركة جميع الأعضاء)، لأنني أدرك الآن أن جميع قادة الدول الـ27 لديهم شعوراً واضحاً بالإلحاح لحل هذه المشكلات".









