
بدأ كبار قادة العالم والدبلوماسيين، الجمعة، مؤتمر ميونيخ للأمن في ألمانيا بفندق بايرشير هوف الفخم، والذي يشهد على مدار ثلاثة أيام، نقاشات ولقاءات في ظل "أزمة ثقة" وتوتر واضح في العلاقات عبر الأطلسي.
وأكد ما يقرب من 50 رئيس دولة وحكومة من مختلف أنحاء العالم حضورهم لمؤتمر ميونيخ الأمني 2026، بينهم قادة معظم الدول الأوروبية، إلى جانب وفد كبير من الحكومة الألمانية برئاسة المستشار فريدريش ميرتس.
ويناقش مؤتمر ميونيخ للأمن قضايا الأمن والدفاع الأوروبيين، ومستقبل العلاقات عبر الأطلسي والرؤى المتنافسة للنظام العالمي، والآثار الأمنية للتقدم التكنولوجي.
سيُشكّل مؤتمر ميونيخ للأمن 2026 مجدداً منصةً بالغة الأهمية للحوار العالمي حول القضايا الرئيسية في سياسة الأمن الدولي. وأسفرت المحادثات التي بدأت هذا العام باجتماعات قادة ميونخ في واشنطن والعلا عن نتائج قيّمة. وانطلاقاً من هذه الأسس، سيوفر مؤتمر ميونيخ للأمن 2026 زخماً فريداً لتعميق المناقشات الاستراتيجية وتعزيز التعاون اللازم لمواجهة التحديات العالمية الأكثر إلحاحاً اليوم.
رئيس مؤتمر ميونخ للأمن
فولفجانج إيشينجر
التأسيس
بحسب موقعه الإلكتروني، تأسس مؤتمر ميونيخ للأمن في خريف 1963، وتغيّر مذاك بشكل كبير، إذ تأسس في البداية تحت اسم "الاجتماع العسكري الدولي" أو بالألمانية "Internationale Wehrkunde-Begegnung" على يد ضابط مشاة ألماني سابق يدعى إيفالد فون كلايست، خدم في الحرب العالمية الثانية، وكان ضمن المشاركين في خطة ملغاة لاغتيال الزعيم النازي أدولف هتلر.
كان الهدف الأساسي آنذاك هو تعزيز الحوار بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية خلال الحرب الباردة.
وحمل المؤتمر في بداياته اسم "مؤتمر العلوم العسكرية الدولي"، وكان يضم نحو 60 مشاركاً فقط، معظمهم من ضباط الجيش وخبراء الأمن.
ورغم التغيرات التي لحقت بالمؤتمر بدءاً من الاسم والمشاركين والحضور، إلا أن الهدف الرئيسي وراء اللقاء السنوي "لم يتغير منذ بدايته".
ويصف المؤتمر في صفحته التعريفية أهدافه بأنه "منصة مستقلة لصنّاع السياسة والخبراء لخوض نقاشات مفتوحة وبناءة بشأن أبرز القضايا الأمنية الملحة في حاضرنا ومستقبلنا".
إيفالد فون كلايست
إيفالد فون كلايست (1922 - 2013) الذي أسس المؤتمر هو ضابط مشاة ألماني شارك في الحرب العالمية الثانية، وكان أحد الضباط الذين خططوا لاغتيال هتلر بقنبلة انتحارية عام 1944 حين تبين لهم أن ألمانيا تخسر ولن تفوز بالحرب.
وكان كلايست موكلاً إليه مهمة عرض زي عسكري جديد على هتلر، ووافق على ارتداء معطف مفخخ قبل أن يتم إلغاء الخطة، بعد تغيير مفاجئ قام به هتلر لجدوله، ضمن تغييرات في اللحظة الأخيرة كان يقوم بها عادة توخياً لسلامته، وفقاً لما ذكرته صحيفة "الجارديان" البريطانية.
وظل كلايست، الذي عمل منذ الخمسينات ناشراً ومؤلفاً غزير الإنتاج، راعياً للمؤتمر لنحو 30 عاماً، وكان عاملاً حاسماً في دفع الحوار الأمني عبر الأطلسي، ودخول ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وكذلك عالم الحرب الباردة الأمني الأوسع نطاقاً.
فهم السياسة الأمنية والدفاعية
في العقد الأول من تاريخ المؤتمر اقتصر الحضور على عدد محدود من الدول، وكان هذا مقصوداً، إذ إن الحضور كان صغيراً نسبياً ولا يتعدى العشرات، ورغم أن اللقاء العسكري كان دولياً منذ بدايته، إلا أنه في المقام الأول كان منصة يلتقي من خلالها المشاركون الألمان بنظرائهم من الدول الحليفة مثل الولايات المتحدة، وعدد من دول حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ونتيجة لذلك كان يطلق على المؤتمر مجازاً "اجتماع عائلة عبر الأطلسي"، وركزت النقاشات في ميونيخ على السياسة الغربية في إطار مواجهات الحرب الباردة.
وأسس كلايست "اللقاء العسكري الدولي" في 1963 لما رآه من "نقص الخبراء في القضايا النووية"، ولتحسين فهم المشرّعين الألمان للسياسة الأمنية الأميركية.
خلال الحرب الباردة، وفي ظل أزمة الصواريخ الكوبية وأزمة برلين، بدا واضحاً أمام كلايست غياب أي منتدى عابر للأطلسي يناقش القضايا الأمنية والدفاعية الملحة خارج القنوات الرسمية.
ومن بين أبرز الحضور في السنوات الأولى للمؤتمر وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر، والمستشار الألماني هيلمون شميدت (1974 – 1982).
وفي الذكرى الـ66 لمحاولة الاغتيال الفاشلة لهتلر، ألقى كلايست خطاباً قال فيه: "لقد عشنا سنوات من السلام في وسط أوروبا. يجب ألا يؤخذ هذا كأمر مسلم به".
نهاية الحرب الباردة
مع نهاية الحرب الباردة، بدأ مؤسس المؤتمر إيفالد فون كلايست وخليفته هوريست تيلتشيك في دعوة المزيد من المشاركين من دول لم تكن جزءاً من العالم الغربي من قبل. وبدأوا في إفساح المجال أمام مشاركين من دول وسط وشرق أوروبا، وكذلك من الاتحاد الروسي.
وبدأت رئاسة المؤتمر في ذلك الوقت التحرك إلى ما بعد حدود جانبه من الحرب الباردة، مثلما فعل حلف الناتو، رغبة في أن يظل المؤتمر والحلف منتميين إلى عصرهما.
اتساع دائرة المشاركين
مع تزايد عدد اللاعبين الدوليين في المجال الأمني، اتسعت دائرة المشاركين في المؤتمر، مع التمسك بأن يظل في صلبه "عابراً للأطلسي"، ما يعني أنه يجمع أوروبا والولايات المتحدة.
وبات المؤتمر يدعو مشاركين رفيعي المستوى من الصين والبرازيل والهند. وفي السنوات الأخيرة، مع تزايد النقاش حول طموحات إيران النووية، بدأ المؤتمر في دعوة قادة من الشرق الأوسط إلى ميونيخ.
وبدلاً من اقتصار الحوار على العسكريين، يحضر المؤتمر في بايرشير هوف، إلى جانب القادة العسكريين، رؤساء تنفيذيون ونشطاء في مجال حقوق الإنسان ومدافعون عن البيئة وقادة المجتمع المدني.
أبرز دورات مؤتمر ميونيخ للأمن
1963 – الدورة الأولى
-
البداية المتواضعة للمؤتمر تحت اسم مؤتمر العلوم العسكرية الدولي.
-
اقتصرت المشاركة على نحو 60 شخصية من ضباط وخبراء أمن غربيين.
1991 – ما بعد الحرب الباردة
-
أول دورة تُعقد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
-
تحوّل النقاش من مواجهة المعسكر الشرقي إلى إعادة تعريف الأمن الأوروبي والعالمي.
2003 – حرب العراق
-
واحدة من أكثر الدورات توتراً.
-
شهدت خلافاً حاداً بين الولايات المتحدة وأوروبا (خصوصاً ألمانيا وفرنسا) حول غزو العراق.
-
رسّخت دور المؤتمر كمنصة لعرض الانقسامات الكبرى في النظام الدولي.
2007 – خطاب فلاديمير بوتين الشهير
-
ألقى الرئيس الروسي خطاباً هاجم فيه سياسة التوسع الأطلسي والهيمنة الأميركية.
-
اعتُبر الخطاب نقطة تحوّل في العلاقات بين روسيا والغرب، وما زال يُستشهد به حتى اليوم.
2014 – أزمة أوكرانيا الأولى
-
تزامنت مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم.
-
تحوّل المؤتمر إلى ساحة نقاش حول مستقبل الأمن الأوروبي والعقوبات على موسكو.
2020 – “غياب الغرب” (Westlessness)
-
حمل التقرير السنوي عنواناً مثيراً يعكس القلق من تراجع دور الغرب في النظام الدولي.
-
النقاشات ركزت على صعود الصين، وتراجع الثقة عبر الأطلسي.
2022 – ما قبل الحرب في أوكرانيا بأيام
-
غابت روسيا عن المشاركة.
-
تحذيرات مكثفة من غزو محتمل لأوكرانيا، وهو ما حدث بعد أيام قليلة.
2023–2024 – الحرب في أوكرانيا وتوترات الصين–أميركا
-
المؤتمر أصبح منصة لتنسيق الدعم الغربي لكييف.
-
تصاعد النقاش حول “عالم متعدد الأقطاب” وتراجع الهيمنة الغربية.
ترمب غائب حاضر
أشار التقرير السنوي لمؤتمر ميونيخ للأمن "تحت التدمير" (Under Destruction)، إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب باعتباره الشخص "الأقوى نفوذاً" بين من يُقوضون القواعد والمؤسات القائمة.
وقال إن مؤيديه يرون أن سياسات واشنطن الهدامة تُبشر بكسر الجمود المؤسسي وإجبار الدول على إيجاد حلول للتحديات التي كانت تعاني من الجمود سابقاً.
وحذر التقرير من أن "من غير الواضح ما إذا كان هذا الهدم يمهد الطريق فعلاً لسياسات تخدم الشعوب في نهاية المطاف" أم أن "الصفقات النفعية قد تحل محل التعاون القائم على المبادئ، وقد تطغى المصالح الخاصة على المصالح العامة، وقد تهيمن القوى العظمى على مناطق بدلاً من أن تخضع للقواعد والمعايير الدولية".
وركز تقرير 2026 على مناطق ومجالات سياسية مختلفة "يترك فيها تخلي الإدارة الأميركية عن العناصر الأساسية للنظام القائم أثراً بالغاً"، وهي أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ والاقتصاد العالمي والتنمية والمساعدات الإنسانية".
وأظهر التقرير أن التحديات جسيمة، لكن في المقابل "فإن الجهات الفاعلة التي لا تزال مهتمة بالنظام الدولي تنظم جهودها، وتسعى لاحتواء آثار سياسات التدمير، وتستكشف مناهج جديدة لا تعتم على قيادة واشنطن".








