
يعتزم أعضاء الحزب الديمقراطي الأميركي استغلال مؤتمر ميونيخ الأمني السنوي، الذي بدأ فعالياته الجمعة ويستمر حتى الأحد، لحث القادة الأوروبيين على مواجهة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في وقتٍ تنقسم فيه القارة بشأن كيفية الحفاظ على دعم الرئيس الأميركي "غير المتوقع" واستمالته إلى جانبها، وفق صحيفة "الجارديان".
وأوضحت الصحيفة أن الوفد الديمقراطي المشارك في المؤتمر يضم أبرز منتقدي ترمب، من بينهم حاكم ولاية كاليفورنيا جافين نيوسوم، وعضوة الكونجرس ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، والسيناتور روبن جاليجو، وحاكمة ميشيجان جريتشن ويتمر.
وقال حاكم ولاية كاليفورنيا جافين نيوسوم إن الوقت حان لبدء التفكير في الرئيس الأميركي المقبل، واصفاً ترمب بأنه "رئيس مؤقت"، وأضاف، خلال جلسة حول تغيّر المناخ في مؤتمر ميونخ: "دونالد ترمب مؤقت.. سيرحل خلال ثلاث سنوات".
ويُعد نيوسوم واحداً من نحو 6 مرشحين ديمقراطيين محتملين للرئاسة يقدّمون أنفسهم بوصفهم بديلاً لانتقادات نائب الرئيس جيه دي فانس اللاذعة لأوروبا في المنتدى نفسه العام الماضي.
وكان نيوسوم قد دعا الأوروبيين، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، في يناير، إلى إدراك أن "الخضوع لمطالب ترمب يجعلهم يبدون بمظهر مثير للشفقة على المسرح العالمي"، حيث قال ساخراً إنه "كان ينبغي عليه إحضار عدد من واقيات الركبة".
بدوره، كان جاليجو صريحاً أيضاً في انتقاداته، إذ قال إن ترمب "يدمر سُمعتنا العالمية، أو ربما قوتنا الاقتصادية حول العالم، لأنه يتصرف بدافع الضغائن.. لا شيء من هذا عقلاني.. على الجميع التوقف عن التظاهر بأن هذا عقلاني".
انقسام أوروبي
ومن المقرر أن يقود الوفد الأميركي إلى ميونيخ وزير الخارجية ماركو روبيو، وبينما يأمل القادة الأوروبيون أن يحمل الوزير رسالة أكثر تصالحاً من الخطاب الذي ألقاه العام الماضي نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، فإنهم منقسمون أيضاً بشأن كيفية التعامل مع ترمب.
فقد دعا بعض القادة، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى اعتماد دبلوماسية جديدة أكثر حزماً لمواجهة ما وصفه منظمو مؤتمر ميونيخ بـ"سياسات كرة الهدم" التي ينتهجها ترمب.
في المقابل، يرى آخرون، مثل الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته، أن الحفاظ على علاقات طيبة مع ترمب يُعد أمراً لا غِنى عنه لأمن أوروبا.
وتقليدياً، حرص الوفد الأميركي في ميونيخ على تجنب إبراز الخلافات السياسية الداخلية، غير أن هذه الخلافات تبدو هذا العام عصية على الاحتواء، ومن المرجح أن ينحاز الديمقراطيون إلى أوروبا في رفض ما يعتبرونه "دبلوماسية قسرية" يتبعها ترمب، بحسب "الجارديان".
وأشارت الصحيفة إلى أن الديمقراطيين قد يميلون إلى توجيه نصيحة لأوروبا بالتحلي بالصبر وانتظار عودة الأمور إلى طبيعتها، فقد أدى تراجع شعبية ترمب في استطلاعات الرأي إلى دفع بعض الجمهوريين في الكونجرس إلى تحديه بشأن الرسوم الجمركية، في خطوة يأمل الديمقراطيون أن تتسع رقعتها مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، وسط مخاوف من خسائر كبيرة قد يتكبدها الحزب الجمهوري.
غير أن كثيرين في الغرب باتوا يرون الآن أن النظام الدولي القائم على القواعد قد انتهى إلى غير رجعة، وحلّ محله نظام جديد قائم على الصفقات، تتبادل فيه القوى الكبرى المصالح وتتجاوز القواعد، وتُعلن أن منطق القوة هو الذي يمنح الشرعية.
وكان هذا هو جوهر الرسالة التي وجّهها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بخطابه في دافوس، إذ قال: "نعلم أن النظام القديم لن يعود، لكننا نؤمن بأنه يمكننا بناء شيء أكبر وأفضل وأقوى وأكثر عدلًا من رحم هذا الانقسام".
صوت ديمقراطي مؤثر
وذكرت شبكة NBC News أن النائبة الديمقراطية أوكاسيو-كورتيز تعتزم طرح رؤيتها للسياسة الخارجية خلال المؤتمر، في وقت تتصاعد فيه التكهنات بشأن مستقبلها السياسي.
وأوضحت الشبكة أن النائبة التقدمية تحظى بشعبية واسعة بين قاعدة الحزب الديمقراطي، وبرزت كصوت مؤثر في معارضة ترمب، ما دفع بعض زملائها إلى تشجيعها على الترشح للرئاسة أو لمجلس الشيوخ في عام 2028. ورغم أنها عُرفت بمواقفها الصريحة في القضايا الداخلية، فإن مؤتمر ميونيخ يفتح أمامها نافذة جديدة على صعيد السياسة الخارجية.
وفي ظل التوترات العالمية المتصاعدة، يُتوقع أن تقدم أوكاسيو-كورتيز رؤية مغايرة لنهج ترمب، الذي قلب علاقات بلاده مع الحلفاء رأساً على عقب عبر فرض رسوم جمركية والتلويح بالاستحواذ على جرينلاند، بحسب الشبكة.
وقالت أوكاسيو-كورتيز للشبكة أثناء مغادرتها مبنى الكابيتول: "من المهم للغاية أن يروا الطيف الكامل للنواب والقيادة والفكر في الولايات المتحدة".
ومن المقرر أن تشارك النائبة الديمقراطية في جلستين نقاشيتين، إحداهما حول "صعود الشعبوية"، والأخرى بشأن "مستقبل السياسة الخارجية الأميركية"، وفقاً لما أفاد به مكتبها.
من جانبه، قال مات داس، مستشار أوكاسيو-كورتيز لشؤون السياسة الخارجية والمستشار السابق للسيناتور بيرني ساندرز، إنه تمت دعوتها للحديث في المؤتمر، مشيراً إلى أن هذه الدعوة تمنحها فرصة لعرض منظور لا يحظى عادةً بتمثيل في المؤتمرات الأمنية الأميركية-الأوروبية الكبرى.
وأضاف أن أوكاسيو-كورتيز ستستغل هذه المنصة أيضاً لتقديم رؤيتها لظاهرة الشعبوية اليمينية، وطرح ما وصفه بـ"منظور الطبقة العاملة" بشأن التداخل بين السياسة الداخلية والخارجية في الولايات المتحدة.
وأوضح داس أن رؤية النائبة الديمقراطية للسياسة الخارجية متداخلة مع أجندتها الداخلية، وتعكس المبادئ التي تتبناها منذ دخولها الكونجرس.
أجندة متداخلة
وقال: "نهجها في الشؤون العالمية مرتبط بعمق بنهجها في القضايا الداخلية، ويستند إلى المبادئ ذاتها. فهي تؤمن بالدبلوماسية كخيار أول، وتدعم تقييد صلاحيات السلطة التنفيذية فيما يتعلق بالحرب، وتعتقد أن للولايات المتحدة دوراً مهماً في العالم، لكن التدخل العسكري ليس السبيل لتحقيق ذلك، وهناك قاعدة شعبية قوية داخل البلاد تتفق مع هذا الطرح، وهي القاعدة التي خاطبها ترمب وفانس".
وأفادت الشبكة بوجود مخاوف من احتمال إلغاء سفر وفد أعضاء مجلس النواب المتجه إلى المؤتمر بسبب تعثر في تمويل حكومي، غير أن مكتب أوكاسيو-كورتيز أكد أنها لا تشارك ضمن ذلك الوفد، وستحضر المؤتمر على أي حال.
وقال داس: "لقد حوّل ترمب الولايات المتحدة إلى خصم لأوروبا، وشهدنا صعود الشعبوية اليمينية في أوروبا وحول العالم، ومنذ أيامها الأولى في الكونجرس، كانت أوكاسيو-كورتيز تحذر من أن الناس يعانون وأن الحكومات تفشل، فعندما لا يتمكن الناس من العثور على وظائف أو توفير تكاليف الاحتياجات الأساسية مثل السكن والرعاية الصحية، فإنهم يلجأون إلى حلول سهلة مثل إلقاء اللوم على المهاجرين، وهذا ما يغذي الشعبوية اليمينية".
ومع ذلك، فإن ظهورها في ميونيخ، حيث ستلتقي قادة عالميين وكبار الدبلوماسيين والعسكريين، يُعد تحولاً ملحوظاً بالنسبة لها بعد 7 سنوات في الكونجرس ركزت فيها إلى حد كبير على القضايا الداخلية، بحسب الشبكة.
ورغم أن مكتب النائبة الديمقراطية لا يروّج للزيارة على نطاق واسع، فإنها ، وفقاً لـNBC News، أثارت تساؤلات داخل أروقة الكونجرس وعززت التكهنات بشأن استعدادها لخوض سباق البيت الأبيض في 2028.
مرشحة للرئاسة؟
ورغم أن هذه تعد زيارتها الأولى لمؤتمر ميونيخ، سبق أن قامت بجولات خارجية، إذ قادت في عام 2023 أول وفد من الكونجرس الأميركي ناطق بالإسبانية إلى أميركا اللاتينية، حيث التقت برؤساء البرازيل وتشيلي وكولومبيا، كما شاركت في العام نفسه في زيارة إلى اليابان وكوريا، وفي عام 2019 ألقت كلمة في قمة المناخ C40 في كوبنهاجن.
وبحسب NBC News، سواء كانت تعتزم الترشح للرئاسة في 2028 أم لا، فقد وضعت أوكاسيو كورتيز نفسها بوضوح في مواجهة فانس، مشيرة إلى أن ظهورها في ميونيخ يأتي بعد عام واحد بالضبط من كلمته في المؤتمر ذاته، حين وبّخ قادة أوروبيين بشأن قضايا حرية التعبير والهجرة، وانتقد القادة الألمان لرفضهم إشراك حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف في الائتلاف الحاكم رغم مكاسبه الانتخابية.
ونقلت الشبكة عن زميل لأوكاسيو-كورتيز، لم تكشف عن هويته، قوله إنه يعتقد أنها تميل أكثر إلى الترشح للرئاسة وليس خوض سباق مجلس الشيوخ في 2028.
في المقابل، قلل النائب الديمقراطي جريجوري ميكس، الذي قد يتولى رئاسة لجنة الشؤون الخارجية إذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، من أهمية مشاركة أوكاسيو-كورتيز في مؤتمر ميونيخ، قائلًا إنه يشجع جميع زملائه على القيام برحلات خارجية وحضور مؤتمرات دولية.
وأضاف أن مؤتمر ميونيخ يمثل فرصة للديمقراطيين، من التيارين الليبرالي والمعتدل، لإظهار التضامن مع الحلفاء الأوروبيين.








