
بعث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، السبت، برسائل طمأنة للحلفاء الأوربيين من مؤتمر ميونخ للأمن، وقال إن الولايات المتحدة وأوروبا تنتميان إلى بعضهما البعض، وإن واشنطن لا تهدف ولا ترغب في إنهاء التحالف عبر الأطلسي.
وانطلق روبيو خلال كلمته في مؤتمر ميونخ للأمن، من تاريخ المؤتمر الذي يعود إلى عام 1963، وقال: "نجتمع هنا اليوم كأعضاء في تحالف تاريخي، تحالف أنقذ العالم وغير مجراه".
واعتبر أنه عند بداية مؤتمر ميونخ للأمن في العام 1963 كانت هناك قارة منقسمة على نفسها، وأن "الخط الفاصل بين الشيوعية والحرية كان يمر عبر قلب ألمانيا"، حسب تعبيره.
وأضاف: "في ذلك الوقت كانت الشيوعية السوفيتية في تقدم، وآلاف السنين من الحضارة الغربية كانت على المحك"، مشيراً إلى أنه في ذلك الوقت "لم يكن النصر مؤكداً لكننا كنا مدفوعين بهدف مشترك. لم نتحد فقط من أجل ما نقاتل ضده، بل اتحدنا لما نقاتل من أجله".
وتابع: "لقد قادتنا النشوة من هذا الانتصار إلى وهم خطير بأننا دخلنا نهاية التاريخ وأن كل أمة ستكون الآن ديمقراطية ليبرالية، وأن الروابط التي تشكلت عن طريق التجارة والتبادل التجاري وحدها ستحل محل الوطنية، وأن النظام العالمي القائم على القواعد، وهو مصطلح مُفرط الاستخدام، سيحل محل المصلحة الوطنية، وأننا سنعيش الآن في عالم بلا حدود، حيث يصبح كل شخص مواطناً عالمياً".
وجاءت نبرة تصريحات روبيو، السبت على النقيض تماماً من تلك التي ألقاها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس قبل عام واحد فقط خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، حين وجّه انتقادات لاذعة لأوروبا بسبب اعتمادها المفرط على الدعم الأميركي.
ولا تزال كلمة فانس حاضرة في أذهان القادة الأوروبيين الذين حضروا تصريحات روبيو، السبت، وهي المناسبة التي حظي خلالها وزير الخارجية الأميركي بلحظات من التصفيق من قبل الحضور، عندما شدد على أهمية ضمان تحالف قوي بين الولايات المتحدة وأوروبا.
وفي الوقت نفسه، قال روبيو إن المؤسسات العالمية المنبثقة عن "النظام الدولي القديم" يجب أن يُعاد "إصلاحها" و"إعادة بنائها"، في إشارة إلى التحول الجذري الذي أقدمت عليه إدارة الرئيس دونالد ترمب في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع شركائها الدوليين.
"الشراكة عبر الأطلسي"
وقال روبيو للقادة الأوروبيين المشاركين في المؤتمر إن "نهاية الحقبة عبر الأطلسي ليست هدفنا ولا رغبتنا"، وأضاف أنه في وقت تتحدث فيه العناوين عن نهاية الشراكة عبر الأطلسي، يجب أن يكون واضحاً للجميع أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى ذلك ولا تتمناه.
وأردف قائلاً: "بالنسبة لنا كأميركيين قد يكون موطننا في النصف الغربي من الكرة الأرضية، لكننا سنبقى دائماً أبناءً لأوروبا".
واستعرض الروابط الوثيقة بين أوروبا والولايات المتحدة مستنداً إلى التاريخ المشترك، مشيراً إلى أن قصة أميركا بدأت برحالة إيطالي، وأن أولى المستعمرات أنشأها مستوطنون إنجليز، وأسهم في تشكيلها اسكتلنديون وإيرلنديون، إضافة إلى مزارعين ألمان.
وتابع ممازحاً "لقد رفعوا جودة الجعة الأميركية بشكل كبير"، وهو ما قابله الحضور بالضحك والتصفيق.
كما استحضر وزير الخارجية الأميركي خلال الخطاب خلفيته الشخصية، قائلاً إنها تذكّره بأن تاريخ الجانبين ومصيرهما سيبقيان مترابطين دائماً، وأشار أيضاً إلى قوات حلف شمال الأطلسي "الناتو" مؤكداً أن الطرفين "نزفا وقاتلاً جنباً إلى جنب".
وقال إن الولايات المتحدة "ترسم مسار قرن جديد من الازدهار"، لكنها تريد أن تسلك هذا الطريق بالشراكة مع أوروبا.
"إحياء صداقة قديمة"
وشدد وزير الخارجية الأميركي في خطابه الذي كان محل ترقب كبير، على أن الولايات المتحدة "لا تسعى إلى الانفصال، بل إلى إحياء صداقة قديمة".
وأشار إلى أن واشنطن لا تريد من الحلفاء تبرير الوضع القائم المختل، بل مواجهته والعمل على إصلاحه.
وأوضح أن الولايات المتحدة تريد إعادة تنشيط التحالف مع أوروبا انطلاقاً من إدراك مشترك بأن ما أصاب المجتمعات الغربية ليس مجرد مجموعة من السياسات السيئة بل حالة من اليأس والرضا عن الذات.
وقال روبيو إن الملفات المرتبطة بأوكرانيا التي تحتاج إلى تسوية أصبحت أكثر تحديداً من ضي قبل، لكنها تتركز الآن على أصعب القضايا وأكثرها تعقيداً.
ورداً على سؤال خلال جلسة نقاش بشأن أزمة أوكرانيا عقب إلقاء كلمته في المؤتمر، قال روبيو إنه لا يمكن الجزم بأن الجانب الروسي غير مهتم بالمفاوضات، مضيفاً أن موسكو تعلن استعدادها للحوار، لكن يبقى التحدي في معرفة الشروط التي قد تقبل بها، وما إذا كان بالإمكان التوصل إلى صيغة ترضي أوكرانيا ويمكن لروسيا الموافقة عليها.
وزاد: "هذا ما سيجري اختباره في المرحلة المقبلة"، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة وأوروبا تواصلان ممارسة الضغط على روسيا لدفعها نحو التفاوض.
كما كشف عن إحراز "تقدم" في المحادثات، مع توقع عقد جولة جديدة من المناقشات، الثلاثاء المقبل.
وختم بالتأكيد على أن أي تسوية تفاوضية للحرب في أوكرانيا ستكون محل ترحيب إذا قامت على أسس عادلة وقابلة للاستمرار، وهو الهدف الذي تواصل الأطراف العمل من أجله بالتوازي مع استمرار أدوات الضغط مثل العقوبات.
إشادة أوروبية
وأشادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بخطاب روبيو، ووصفاه بأنه حمل رسائل مطمئنة بشأن مستقبل الشراكة عبر الأطلسي.
وقالت فون دير لاين إنها شعرت بأنها "مطمئنة جداً" لما سمعته، مؤكدة أنها متوافقة مع وزير الخارجية الأميركي في الدعوة إلى أن ترفع أوروبا مستوى جاهزيتها واستعدادها لمواجهة التحديات المقبلة، مع الإشارة إلى أن هذا لا يعني بالضرورة تطابق المواقف في كل الملفات مثل سياسات المناخ أو الهجرة.
من جانبه، قال ستارمر إن تصريحات روبيو جاءت "متسقة" مع ما يدعو إليه هو وفون دير لاين، لكنه حذّر من الوقوع في حالة رضا واطمئنان مفرط.
وتابع: "من الواضح أننا يجب ألا ننغمس في شعور مريح بالاطمئنان ونعتقد أن كل ما نفعله هو مجرد تأكيد استمرار ما كان قائماً خلال الثمانين عاماً الماضية. سيكون ذلك خطأ، وخطأً خاص بالنسبة لأوروبا".
وعند سؤالهما عن وضع أوروبا والاتحاد الأوروبي بين روسيا والولايات المتحدة الأكثر تشدداً، شددت فون دير لاين على أنها لا يمكن أن تقارن الولايات المتحدة بروسيا، مؤكدة أن "روسيا تمثل تهديداً حقيقياً لنا، من دون أي شك".








