هل دخلت أزمة ليبيا مرحلة "اليأس الأممي"؟ | الشرق للأخبار

لجنة عابرة للسلطات ترسم ملامح البديل.. هل دخلت أزمة ليبيا مرحلة "اليأس الأممي"؟

time reading iconدقائق القراءة - 20
طفلة في بنغازي تحمل علم ليبيا خلال الاحتفال بالذكرى الثامنة للثورة. 17 فبراير 2019 - REUTERS
طفلة في بنغازي تحمل علم ليبيا خلال الاحتفال بالذكرى الثامنة للثورة. 17 فبراير 2019 - REUTERS

نهج بديل تتبناه الأمم المتحدة في مقاربة التعامل مع الأزمة الليبية، في خيار يولد من رحم الإخفاق في تحقيق تقدم ملموس في إنجاز أولى خطوات خارطة الطريق والدفع نحو تسوية تضع نقطة النهاية لسنوات طويلة من الانقسام.

توجه جديد ومنتظر يفرضه الامتداد الزمني للأزمة مقابل تآكل فرص الحل، وتؤكده المساحة الفاصلة بين موجود عاجز عن تحقيق تقدم ومأمول غير قادر على مغادرة الحيز النظري والتجسد في شكل خطوات ملموسة.

فهل دخلت أزمة ليبيا مرحلة "اليأس الأممي" لدرجة أنها تتجه للمغامرة بأكثر الخيارات حساسية وتعقيداً ألا وهي هيكلة المشهد السياسي برمته، أي تغيير جميع المكونات التنفيذية والتشريعية الموجودة؟

ومع أنه من النادر أن يجمع خبراء على طرح حين يتعلق الأمر بأزمة ليبيا المتشعبة غرباً وشرقاً، ولكن خيار "النهج البديل" استطاع أن يخلق نقطة تقاطع في قراءات لـ"الشرق" تتفق في مجملها على أنه حان الوقت لتحريك مياه الأزمة الراكدة.

"نهج بديل"

في إحاطة قدمتها مؤخراً، أبلغت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا "UNSMIL"، هانا تيتيه، أعضاء مجلس الأمن الدولي بأن الوساطة التي تقودها أخفقت في إحراز "أي تقدم ملموس" بين مجلس النواب (مقره بنغازي/ شرق)، والمجلس الأعلى للدولة (هيئة استشارية/ طرابلس/ غرب) في إنجاز أولى خطوات خارطة الطريق الأممية نحو التسوية.

وأشارت تيتيه إلى اتفاق كان قد توصل إليه المجلسان بشأن وضع آلية لاختيار مجلس إدارة المجلس الأعلى للكفاءة الاقتصادية بحلول 11 ديسمبر الماضي، موضحة أن هذا الاتفاق لم يُنفذ.

واتهمت المبعوثة الأممية المجلسين باتخاذ "إجراءات أحادية لاحقة، أولاً من مجلس النواب، ثم من قبل المجلس الأعلى للدولة، مما زاد الوضع تعقيداً، ويهدد الآن وحدة اللجنة الوطنية العليا للانتخابات".

واعتبرت أنه رغم استمرار تواصل البعثة الأممية مع المجلسين، إلا أن عجزهما عن استخدام الآلية المتفق عليها، والإجراءات الأحادية اللاحقة أدى إلى مزيد من تآكل مصداقيتهما"، مشددة على أن الهيئتين "غير قادرتين أو غير راغبتين في العمل سوياً، لإنجاز أولى مراحل خارطة الطريق".

وبناءً على ذلك، لفتت تيتيه إلى أنها حاولت اعتماد "نهجاً بديلاً" مكوناً من خطوتين، الأولى: "تشكيل فريق صغير لحل المرحلتين الحاسمتين من خارطة الطريق اللازمتين لإجراء الانتخابات".

أما الخطوة الثانية فهي عبارة عن "بديل للبديل" أو "الخطة ب"، أي "في حال فشل المجموعة في التوصل إلى اتفاق، فسيكون من الضروري توسيع الدائرة على نحو يمكن من تنفيذ خريطة الطريق".

وفي ما يشبه التلويح بأنه لا خيار في النهاية سوى إنجاح "النهج البديل"، قالت تيتيه: "لدينا الفرصة للاستفادة من الوسائل التي تتيحها الاتفاقات الليبية القائمة، وذلك لكسر الجمود الذي طال أمده".

واستناداً لما قالته تيتيه، يعتقد خبراء أن مهمة الأمم المتحدة في ليبيا باتت معركة ضد عقارب زمن أزمة تتجه لاتخاذ منحى هيكلي مثير للقلق.

التوافق.. فرص ضائعة

المحلل السياسي الليبي أيوب الأوجلي يرى أن "ما حدث في جلسة مجلس الأمن الدولي وإحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه، هو ما كنا نتوقعه قبل فترة من الزمن".

وفي حديث لـ"الشرق"، قال الأوجلي إن "البعثة الأممية تريد استبدال كل المكونات الموجودة الآن في المشهد، وتعمل من خلال حوارها المهيكل على إيجاد إثباتات لا تدع مجالا للشك بأن هذه المكونات لا تريد الذهاب بعيداً في مسألة حل الأزمة".

و"الحوار المهيكل" يعتبر أحد المكونات الأساسية لخارطة الطريق السياسية التي وضعتها البعثة الأممية لدعم الليبيين في سعيهم لمعالجة الإشكالات المعقدة والسعي نحو الاستقرار، بحسب ما أعلنته تيتيه أمام مجلس الأمن في أغسطس 2025.

ووفق الأوجلي، فإن المبعوثة الأممية قالت بما معناه إنه لن يكون هناك أي فرص حقيقية لتوافق المكونات السياسية خاصة في ما يتعلق بمجلسي النواب والدولة، وأكدت أنها أجرت مباحثات دون جدوى.

كما أعلنت بشكل واضح وصريح، وفق الخبير الليبي، أنها "ستذهب نحو خطط بديلة من خلال إما لجنة مصغرة لإنجاز القوانين الانتخابية، أو الذهاب نحو خطة عمل يمكن وصفها بأنها أكثر نجاعة مما يحدث الآن".

وفي اعتقاد الأوجلي، فإن هذه "الخطوات مدروسة مسبقاً، والبعثة (الأممية) تدرك أن التوافق بين المجلسين لن يحدث سواء في الأمدين القريب أو البعيد".

بدوره، يصف المحلل السياسي الليبي أسامة الورفلي إعلان تيتيه تشكيل لجنة مصغرة "تتجاوز مجلسي النواب والدولة من أجل وضع حلول أخيرة أو ناجعة تنهي حالة الخلاف أو تضع لبنة تنفيذ خارطة الطريق" بـ"الهام" في توقيته، خاصة أنه يأتي في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية بالبلاد.

وقال الورفلي لـ"الشرق"، إن "تيتيه وضعت المجتمع الدولي أمام خيار أخير ونهائي من أجل تجاوز الفرقاء السياسيين ووضع ليبيا على المسار، لا سيما في ظل توافق دولي حول ضرورة وضع ليبيا على مسار الحل ونهج الديمقراطية عبر صندوق الاقتراع".

وبالنسبة لملامح "النهج البديل"، يرى أستاذ العلوم السياسية، الدكتور يوسف الفارسي، أنها واضحة، مرجعاً ذلك إلى حقيقة أن "البعثة الأممية تحدثت منذ فترة طويلة عن تجاوز المكونات القائمة".

وفي حديثه لـ"الشرق"، أوضح الفارسي أن "هذا الأمر بات واضحاً خصوصاً في ظل عدم وجود حل حقيقي واستمرار الخلافات بين مجلسي الدولة والنواب ما يدفع البعثة لاتخاذ مسارات بديلة في ظل هذا التعنت وغياب الحل".

و"النهج البديل"، وفق المحلل السياسي الليبي، "يعني أن الأجسام الحالية هي سبب الإشكال القائم، والوضع وصل لانسداد خطير، وانعدام الرؤية حتى في ما يتعلق ببرنامج الانتخابات القادمة لا يبشر بخير، وبالتالي فإن اللجوء لنهج بديل يبدو أمراً بديهياً".

بأي ثمن؟

رغم تأييده لأهمية المقاربة الأممية البديلة في ليبيا، لكن مصطفى بن حمودة، أستاذ العلوم السياسية يخشى من "كلفتها" السياسية، في وقت تنقسم فيه البلاد بين منطقتي نفوذ، وتنتشر فيها ميليشيات، وتشكيلات مسلحة بنفوذ واسع.

وقال بن حمودة في حديثه لـ"الشرق"، إن "النهج البديل يفرض نفسه في ظل الانسداد القائم منذ سنوات طويلة، لكن هل فكرنا بأي ثمن سيتم تطبيقه؟".

وأوضح: "نعلم جيداً أنه ليس من اليسير إخفاء المكونات التنفيذية والتشريعية القائمة حالياً، ونعلم جيداً أن وراء كل منها أحزمة عسكرية وقبلية وحتى شعبية، ما يعني أنه في حال التحرك نحو تجسيد هذا الخيار، فلابد من التفكير أولاً في ما يمكن أن يحدثه من تداعيات قد تكون وخيمة وتقود نحو الأسوأ".

ومن بين السيناريوهات المحتملة، حذر بن حمودة من إمكانية الزج بالبلاد في أتون حرب أهلية بنتائج قال إنها ستكون كارثية، موصياً -بناء على ذلك- بضرورة دراسة المقاربة جيداً في خطواتها العملية لضمان أن لا تأتي بعكس ما وضعت من أجله.

خطة عملية

المستقبل القريب، هذا ما يريد الليبيين معرفته بطرح "النهج البديل"، ووفق المحلل السياسي الليبي أيوب الأوجلي، فإن "ما يمكن الذهاب نحوه في المستقبل سيكون طريقاً جديداً ستستحدثه البعثة الأممية لمحاولة تغيير المشهد المتجمد منذ اتفاق الصخيرات".

والاتفاق وقعه، بالأحرف الأولى، المشاركون بالحوار الليبي في 11 يوليو 2015 ، على تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية، واعتبار برلمان طبرق (شرق/ انتقل إلى بنغازي لاحقاً) الهيئة التشريعية، وتأسيس مجلس أعلى للدولة.

وذكر الأوجلي أن "الأزمة تدور في فلك مجلسي النواب أو الدولة، وإما بوجود حكومتين أو حكومة واحدة لا تسيطر على كامل التراب الليبي، ولذلك فإن هذا النهج سيتغير تماماً خاصة في ظل السياسة الأميركية الجديدة بالمنطقة".

وتطرق الخبير إلى حضور كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، لجلسة مجلس الأمن، مشيراً إلى أن "مداخلته حملت إشارات واضحة بأن المكونات السياسية الموجودة لن تكون موجودة بعد الآن، (بما قد يعني) الذهاب نحو المجالس البلدية، بما أن رؤساء هذه المجالس يشكلون جسماً جديداً باعتبارهم الأحدث انتخاباً من الشعب الليبي مباشرة أو تشكيل اللجنة المصغرة التي تحدثت عنها تيتيه".

وفي استشرافه للبعد العملي، أعرب الأوجلي عن اعتقاده بأنه "حتى في حال إنجاز هذا المسار أو تشكيل هذه اللجان أو الذهاب نحو مسألة توحيد المؤسسات بأي شكل من هذه الأشكال، فإن كل هذه الخطوات لن تنهي الأزمة لكنها ستغير من شكلها وتضخ دماء جديدة في ليبيا، ولكن دون الوصول إلى حل شامل للأزمة".

غير أنه يمكن كسر هذا التوقع، بحسب الأوجلي، في حال "ذهبت البعثة الأممية مباشرة نحو انتخابات رئاسية قبل البرلمانية، أي انتخاب رئيس واحد للدولة الليبية، لأنه سيكون الضمان الوحيد لتحقيق الاستقرار في ظل أزمة معقدة بشكل لا يمكن وصفه، ولا يمكن التوافق حول الدستور في ظل تواجد كل هذه المكونات، وكل هذه المسميات على الساحة السياسية".

ولا يمكن الحديث أيضاً عن توحيد في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وفي ظل وضع معيشي صعب للمواطن الليبي، ما يعني ضرورة الذهاب وتفكيك الأزمة بشكل صحيح حتى يمكن بعدها التوصل إلى حل شامل لهذه الأزمة، بحسب الخبير.

والتفاؤل بشأن المرحلة المقبلة يتملك أيضاً أستاذ العلوم السياسية، الدكتور يوسف الفارسي الذي يعود ليعرب عن اعتقاده بأن الأمم المتحدة "ستلجأ لخطوة عملية وهي تجاوز المجلسين أو حلهما بشكل عام، لأن ما قالته تيتيه يشي بالذهاب نحو هذا الاتجاه، وهذا الأمر تحدثت عنه حتى الدول الكبار".

وتطرق الفارسي إلى حديث المبعوثة الأممية حول اللجنة المصغرة، ولفت إلى أنها "تقصد بها استكمال خطوتين: اختيار آلية، والثانية إنجاز القوانين الانتخابية وأعتقد أن هذا الأمر ستذهب إليه بالنظر للإشكال الذي يشوب هذه القوانين".

وقال: "عبر هذه اللجنة سيتم تمرير هذه القوانين وتجاوز الإشكالات المتعلقة بها، وطبعاً هذا يعتبر تجاوزاً للجسم التشريعي القائم والذي من المستحيل أن يسمح بتمرير هذه القوانين، والإشكال هنا لا يتعلق بمجلس النواب وإنما بالأعلى للدولة"، في إشارة إلى الخلافات القائمة بين المجلسين حول القاعدة الدستورية للانتخابات.

والأزمة بدأت في 2021 بعدم توصل المجلسين إلى وضع قاعدة لتنظيم الانتخابات التي كانت مقررة حينها في 24 ديسمبر من العام ذاته، لكن تعثر إجراء الاقتراع.

تحديات ورهانات 

الخبير الأمني الجزائري أحمد ميزاب عرج من جانبه على تحديات تفخخ المسار البديل في ليبيا، وقال إن "الإحاطة الأخيرة لا يمكن قراءتها بوصفها عرضاً تقنياً لتطورات الملف، وإنما باعتبارها مؤشراً على تحول تدريجي في المقاربة الأممية من منطق تسهيل التوافق بين الأطراف الليبية إلى منطق البحث عن أدوات بديلة لإدارة حالة العجز البنيوي التي باتت تطبع أداء المؤسسات القائمة".

وأكمل: "في مقدمة تلك المؤسسات مجلسي النواب والدولة اللذان استنفدا، وفق التقدير الأممي الضمني، قدرتهما على إنتاج قاعدة دستورية وانتخابية قابلة للتنفيذ".

وفي هذا السياق برز مصطلح "النهج البديل"، كما يراه ميزاب "باعتباره مفهوماً انتقالياً أكثر منه خطة نهائية مكتملة المعالم، إذ يعكس محاولة أممية لإعادة ضبط هندسة العملية السياسية من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع شرعية الأجسام القائمة، وهو توازن دقيق تحاول البعثة الحفاظ عليه لتفادي تفجير فراغ مؤسسي شامل قد يعمق الانقسام بدل معالجته".

ويرى أن "النهج البديل، في بنيته العميقة، يقوم على فرضية مركزية مفادها أن استمرار احتكار الأجسام التشريعية الحالية لمسار صناعة القاعدة الانتخابية لم يعد خياراً منتجاً، وأن نقل جزء من العملية إلى مستوى تقني مصغر قد يسمح بخلق اختراق وظيفي يفتح نافذة لتحريك المسار الانتخابي الذي يظل رهينة الحسابات السياسية الضيقة".

ومن هنا، جاءت فكرة تشكيل لجنة مصغرة تتولى استكمال القوانين الانتخابية وإعادة هيكلة الإطار المنظم لعمل المفوضية العليا للانتخابات، وهي خطوة قال إنها تبدو في ظاهرها تقنية إجرائية، لكنها في جوهرها تحمل بعداً سياسياً عميقاً يتمثل في محاولة إعادة توزيع مركز الثقل داخل العملية السياسية الليبية، بحيث لا يبقى القرار الانتخابي أسير التوازنات الصلبة داخل المؤسسات التشريعية.

غير أن الرهان على المسار التقني، رغم وجاهته النظرية، يواجه جملة من التحديات البنيوية التي لا يمكن تجاهلها، بحسب الخبير الذي عزا هذا الأمر إلى أن "التجربة الليبية أظهرت بالسنوات الماضية بوضوح أن إنتاج نصوص انتخابية متقدمة لا يكفي في حد ذاته لدفع العملية السياسية إلى الأمام إذا لم يكن مدعوماً بإرادة سياسية نافذة، وتوازن قوى يسمح بتنفيذ تلك النصوص على الأرض".

الأزمة الليبية، وفق ميزاب، لم تعد أزمة إجراءات أو صيغ قانونية، بل تحولت إلى أزمة مركبة تتداخل فيها ثلاث طبقات رئيسية، تتمثل أولها في أزمة الشرعية وتنازع التمثيل بين المؤسسات، وثانيها في تشابك شبكات المصالح التي ارتبط بقاء العديد من الفاعلين السياسيين باستمرار المرحلة الانتقالية، وثالثها في معادلة القوة الميدانية التي تظل المحدد الصامت لمسار السياسة رغم كل المسارات التفاوضية.

وأكمل: "بناء على ذلك، فإن قدرة اللجنة المصغرة على التحول من مجرد هيئة استشارية إلى أداة فعلية لدفع المسار الانتخابي ستظل رهينة بثلاثة شروط حاسمة".

واستعرض ميزاب الشروط، وتحدث أولاً عن تماسك الغطاء الدولي حول المقاربة الجديدة بما يمنع عودة التعطيل عبر بوابة الخلافات الخارجية، وثانياً عن توفر حد أدنى من القبول الإقليمي الذي يخفف من تأثير الاستقطابات المحيطة بالملف الليبي، وثالثاً، -وهو الأهم في تقديره- عن قدرة البعثة الأممية على تحويل المخرجات التقنية إلى التزامات سياسية ملزمة، وليست توصيات قابلة للتعطيل.

هل تقبل المؤسسات القائمة إلغاء وجودها؟

البديل الأممي في ليبيا يقوم على هيكلة الأجسام السياسية بشكل كامل، لكن يظل السؤال: هل تقبل المؤسسات القائمة سيناريو إلغاء وجودها؟

وفي ما لم يصدر تعقيب رسمي فوري من المكونات السياسية الليبية المعنية على "النهج البديل" الذي طرحته رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يرى المحلل السياسي الجزائري، الدكتور إسماعيل معراف، أن "إطلاق مبادرة دولية خارج إطار المكونات الحاكمة والذهاب إلى الانتخابات على مراحل أو حتى إعادة هيكلة السلطة التنفيذية مؤقتاً لن يؤدي إلى حلحلة الأوضاع، لأن الأطراف المتصارعة سترفض إذ إنها لا تقبل أن يكون الحل ليبياً بحتاً".

وقال معراف: "هذا الانقسام بين الشركاء السياسيين يجعل ليبيا منقسمة بين الشرق والغرب، وسط دعم إقليمي ودولي لكل طرف".

ومن ناحية ثانية، يعتبر معراف أن "سقوط سيف الإسلام الذي كان مرشحاً للانتخابات الرئاسية خلط نوعاً ما وأعاد العملية إلى مرحلة سابقة كان فيها الخصوم متعنتون، ولكن الآن الأمم المتحدة، ورغم نجاحها عام 2020 في منع اندلاع حرب أهلية حقيقية، تبدو عاجزة، والنهج البديل هو فكرة تنبع من عدم قدرة الشركاء السياسيين داخل ليبيا على تحقيق توافق حقيقي ينهي الأزمة".

ويعتقد الخبير أن "الليبيين بحاجة لتوافقات داخلية، وعلى الأطراف الخارجية -إقليمية أو دولية- أن تتراجع نوعاً ما في لعب الدور المتداخل بالشؤون الليبية".

وفي قراءته لـ"النهج البديل"، يوضح زياد سلطان منسق فريق الحوار والمصالحة السياسي الليبي أن "البعثة الأممية تقصد به استخدام نفسها كضاغط، وضامن لأي اتفاق سياسي قادم بشرط أن يكون ناتجاً عن توافق ليبي ليبي، وإلا فإن الأزمة ستستمر".

وفي تصريحه لـ"الشرق"، عاد سلطان إلى مبادرة شبيهة قال إن سيف الإسلام القذافي أطلقها و"تتضمن خروج جميع من بالمشهد السياسي بمن فيهم هو".

وقال إن نجل العقيد معمر القذافي الذي سقط مطلع فبراير الجاري على يد مسلحين مجهولين "ترك المجال للشعب الليبي صاحب القرار والقاعدة الدستورية الأولى لاختيار ممثلية، وإطلاق انتخابات برلمانية ورئاسية موحدة في ليبيا تحت إشراف أممي عربي لضمان شفافية الانتخابات".

واستدرك منسق فريق الحوار والمصالحة السياسي الليبي: "لكن مشروعه لم يكتمل وتم اغتياله في بداية الشهر الجاري".

وبالنسبة لسلطان، فإن "الإقرار بالفشل في ليبيا خطوة أولية لكي تقوم بعثة الأمم المتحدة بالرجوع إلى نص قرار إنشائها في ليبيا، وهو مساعدة الشعب على تنفيذ قراره السياسي وليس فرض أجندات خارجية عليه".

ولكن لمنسق فريق الحوار والمصالحة السياسي تحفظات على بعض النقاط، إذ اعتبر أن "مسار الحوار المهيكل ليس جديداً فقد تم تطبيقه في السابق وفشل بشكل ذريع، والفريق عقد العديد من الاجتماعات مع أعضاء بالحوار المهيكل وهم ليبيون ووطنيون ويأملون في الوصول إلى حل".

وتابع: "عندما تصرح البعثة بأن مخرجات حوار الفريق المهيكل غير ملزمة، فما جدواها إذن؟ ولماذا تأخذ 8 أشهر من عمر الأزمة الليبية؟ كما أنها في إحاطتها الأخيرة لم تشر إلى هذا الحوار ونتائجه ومخرجاته وما إن كان سيكون ملزماً أم لا، وفي حال كان كذلك، فمن يضمن تنفيذه سواء في الشرق أو الغرب؟".

دلالات التوقيت

علاوة على التحديات والسيناريوهات، يدفع الخبير الأمني أحمد ميزاب بمؤشر يقول إنه الأكثر دلالة في الإحاطة الأممية بشأن النهج البديل، وهو التوقيت، قائلاً إن "هذا التحول يأتي بعد تراكم قناعة دولية متزايدة بأن إدارة الأزمة الليبية عبر تمديد المراحل الانتقالية لم تعد مقاربة قابلة للاستدامة، وأن نافذة إعادة ضبط المسار السياسي بدأت تضيق في ظل مخاطر ترسخ الانقسام المؤسسي وتحوله إلى حالة شبه دائمة".

ويخلص الخبير إلى أن ليبيا "تبدو اليوم بمفترق دقيق، حيث قد يشكل النهج البديل محاولة أخيرة لإنقاذ المسار التوافقي إذا نجحت اللجنة المصغرة في إنتاج قاعدة انتخابية قابلة للتنفيذ بدعم دولي ضاغط، لكنه قد يتحول في المقابل إلى مقدمة لمسار أممي أكثر تدخلاً في إعادة هندسة المشهد المؤسساتي إذا استمر العجز الحالي وتكررت حلقات التعطيل".

وتظل الخلاصة التي تفرض نفسها، بحسب ميزاب، هي أن الأمم المتحدة لم تعلن بعد نهاية مرحلة، لكنها تهيئ الأرضية بهدوء لمرحلة مختلفة، مرحلة قد تنتقل فيها من دور الوسيط بين مؤسسات متنازعة إلى دور الفاعل الضاغط لإعادة تشغيل المسار السياسي الليبي وفق معادلة زمنية أكثر صرامة، وهو تحول ستكون تداعياته حاسمة على شكل المرحلة المقبلة في ليبيا.

تصنيفات

قصص قد تهمك