ما هي المادة 122 التي فرض بها ترامب رسومه الأخيرة؟ | الشرق للأخبار

ما هي "المادة 122" التي فرض بها ترمب رسومه الأخيرة.. وكيف استغلها لصالحه؟

المادة تمنح للرئيس الأميركي "صلاحية فرض رسوم مؤقتة" لمدة لا تزيد عن 150 يوماً

time reading iconدقائق القراءة - 8
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع أمراً تنفيذياً خلال إعلان رسوم جمركية في البيت الأبيض بواشنطن. 2 أبريل 2025 - Bloomberg
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع أمراً تنفيذياً خلال إعلان رسوم جمركية في البيت الأبيض بواشنطن. 2 أبريل 2025 - Bloomberg

لم تمضِ ساعات على إبطال المحكمة العليا الأميركية أكبر منظومة رسوم جمركية فرضها رئيس أميركي في العصر الحديث، فما كان من دونالد ترمب إلا أن ظهر أمام كاميرات البيت الأبيض مستحضراً من أرشيف التشريع الأميركي "المادة 122" التي أقرها الكونغرس في سياق الجدل الذي أعقب الرسوم الإضافية على الواردات التي فرضها الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون عام 1971 عقب انهيار نظام "بريتون وودز" القائم على معيار الذهب.

هذه الصلاحية، التي صُممت أساساً لمعالجة اختلالات حادة في ميزان المدفوعات ضمن نظام أسعار صرف ثابتة، تعود اليوم إلى الواجهة لتتحول إلى محور جديد في معركة الرسوم الجمركية التي يقودها ترمب على نطاق عالمي. فما قصة هذه المادة، وما أثرها الاقتصادي؟

ما هي "المادة 122" من قانون التجارة الأميركي؟

تندرج المادة 122 ضمن قانون التجارة الأميركي لعام 1974، وتُعرَف رسمياً بـ"صلاحية ميزان المدفوعات"؛ إذ تخول للرئيس فرض رسوم إضافية مؤقتة أو حصص استيراد على الواردات لمعالجة مشكلات جوهرية في المدفوعات الدولية، وفق النص المنشور على موقع مكتب مستشار التشريع بالكونغرس الأميركي. وتوضح ورقة تعريفية لرابطة تجارة التجزئة الأميركية أن هذه المادة تتيح فرض رسوم تصل إلى 15% أو قيود كمية لمدة لا تتجاوز 150 يوماً، كأداة استثنائية لمعالجة اختلالات حادة في ميزان المدفوعات أو تدهور حاد في سعر صرف الدولار. 

تعود جذور المادة 122 إلى تجربة "صدمة نيكسون" عام 1971، حين فرض الرئيس ريتشارد نيكسون رسوماً إضافية بنسبة 10% على الواردات بالاستناد إلى قانون الطوارئ المرتبط بـ"التجارة مع العدو"، قبل أن تطعن شركات أميركية في قانونية الإجراء أمام القضاء، بحسب دراسة منشورة في مجلة القانون بجامعة ميشيغان حول قضية "Yoshida International v. United States".

ووفق تحليل قانوني لمعهد المحامين الدستوريين الأميركيين في نوفمبر الماضي، أقرّ الكونغرس في قانون التجارة لعام 1974 تفويضاً صريحاً ردّاً على هذا الجدل، لكن مع تقييد استخدام الرئيس للمادة 122، ليستخدم الرسوم المؤقتة في ظروف محددة مرتبطة بميزان المدفوعات دون الحاجة إلى تحقيق من وكالة اتحادية، بدلاً من الاعتماد على "قوانين الطوارئ العامة" المعتادة المبينة في الجدول التالي:

شروط تفعيل المادة 122، والمبررات التي استند إليها ترمب

يشترط النص القانوني للمادة 122 أن يواجه الاقتصاد الأميركي مشكلات جوهرية في المدفوعات الدولية يمكن أن تتمثل في عجز كبير وخطير في ميزان المدفوعات، أو تهديد وشيك بانخفاض كبير في قيمة الدولار، أو المشاركة في جهد دولي لمعالجة اختلال واسع في موازين المدفوعات العالمية، وفق الصياغة المنشورة في السجل القانوني الفيدرالي الأميركي. 

واستند إعلان البيت الأبيض الصادر في 20 فبراير 2026 إلى هذه الصلاحية؛ إذ أشار بيان ورقة رابطة تجارة التجزئة الأميركية أن الولايات المتحدة تواجه "عجزاً كبيراً وخطيراً في ميزان المدفوعات"، وأن العجز في الحساب الجاري بلغ قرابة 4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، مع تدهور صافي مركز الاستثمار الدولي إلى مستوى يقارب 90% سالب من الناتج المحلي.

لكن مع ذلك، فالنص القانوني للمادة يشترط وجود "مدة زمنية محددة لتطبيقها"، فضلاً عن موافقة الكونغرس. وتضيف مذكرة تعريفية لرابطة تجارة التجزئة الأميركية أن الرسوم المفروضة استناداً إلى هذه المادة يُفترض أن تُطبَّق بشكل غير تمييزي على جميع الشركاء التجاريين، مع استثناءات محدودة تتعلق بدول ذات فوائض كبيرة مستمرة في المدفوعات أو بسلع حيوية لا بديل محلياً لها، ما يحدّ من قدرة الإدارة على استهداف دول بعينها برسوم تفاضلية كما كان الحال في استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية "IEEPA". 

طعون قانونية في مواجهة "المادة 122"

أثار لجوء الإدارة إلى المادة 122 جدلاً قانونياً؛ إذ يشير تقرير لمجلة "فورتشن" إلى أن عدة خبراء، من بينهم باحثون في معهد "كاتو"، وبيتر بريزين من معهد "بي سي إيه ريسيرش" (BCA Research)، يرون أن المادة صيغت لمعالجة أزمات "ميزان المدفوعات" في ظل أنظمة أسعار صرف ثابتة، وليس لعلاج عجز تجاري مزمن في اقتصاد يعتمد على سعر صرف مرن.

وبحسب تقرير لصحيفة "إنديا توداي"، استند المحامي نيل كاتيال، الذي قاد الطعن الناجح في رسوم قانون الطوارئ أمام المحكمة العليا، إلى مذكرات سابقة لوزارة العدل تفيد بأن العجز التجاري لا يساوي عجزاً في ميزان المدفوعات بالمعنى الذي قصده المشرّع في سبعينيات القرن الماضي، ما يفتح الباب أمام طعون جديدة في مدى انطباق شروط المادة 122 على الحالة الراهنة في الولايات المتحدة. 

في الوقت نفسه فإن قرار المحكمة العليا الأميركية بإبطال الرسوم الجمركية وما ترتب عليه من لجوء إدارة ترمب إلى تطبيق هذه المادة التشريعية يعيد إشعال فتيل الحرب التجارية، إذ رُفعت أكثر من 1000 دعوى قضائية تطالب باسترداد قيمة الرسوم الملغاة.

الأثر الاقتصادي والتجاري لتطبيقها

تشير تقديرات منصة "رير إيرث إكستشينجز" (Rare Earth Exchanges) الأميركية المتخصصة في سلاسل الإمداد إلى أن تطبيق رسوم عالمية بنسبة 10% ثم 15% بموجب المادة 122 سيمثل "ضريبة مدخلات" على الاقتصاد الأميركي، إذ يرفع تكلفة السلع الوسيطة والمعدات المستوردة، بما يضغط على هوامش أرباح الشركات ويزيد الأسعار على المستهلكين، وربما يشد الأوضاع الماليّة ويقوّي الدولار. وفي تقرير لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، أوضح أن الرسوم التي فُرضت سابقاً بموجب قانون الطوارئ جمعت إيرادات جمركية تزيد عن 175 مليار دولار، ويرى أن الرسوم الجديدة وفق المادة 122 ستُعوّض جزءاً من هذه الإيرادات لكنها تبقى محدودة بسقف 150 يوماً، ما يعني أن أثرها المالي قصير الأجل وأقرب إلى جسر انتقالي منه إلى تعديل دائم في هيكل الإيرادات.

وتحذّر "رير إيرث إكستشينجز" من أن تقوية الدولار نتيجة هذه الرسوم قد تعاكس الهدف المعلن بتقليص العجز؛ لأن ارتفاع قيمة العملة يضعف تنافسية الصادرات الأميركية حتى لو انكمشت الواردات نسبياً.

وعلى مستوى الشركاء التجاريين، أفادت "رويترز" أن الرسوم تُفرض بشكل عالمي على معظم الدول مع استثناءات لقطاعات بعينها مثل بعض المعادن الحيويّة والطاقة والأدوية وسلع خاضعة لاتفاقيات مثل "USMCA"، ما يعني إعادة توزيع عبء الرسوم بين شركاء كانوا يتحملون مستويات مرتفعة في ظل قانون الطوارئ الخاص بالرسوم وآخرين كانوا يتمتعون بمعاملة تفضيلية. 

إلى أي مدى يمكن أن يواصل ترمب استغلالها؟

يوضح مجلس العلاقات الخارجية أن المادة 122 تُستخدم بالأساس كأداة مؤقتة تمنح الإدارة الأميركية مجالاً من الوقت لإعادة ترتيب الأوراق القانونيّة عبر المادتين 232 و301 وغيرهما، بحيث تعود إلى فرض رسوم أكثر استهدافاً وأطول أمداً إذا استُكمِلت الإجراءات اللازمة.

ويمكن وصف الفترة الحالية من اعتماد ترمب على هذه المادة بأنها "انتقالية"، حسما نقلته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية عن كارستن بريزيسكي، الرئيس العالمي للاقتصاد الكلي في "آي إن جي للأبحاث" (ING Research).

وقال بريزيسكي: "أجندة ترمب للرسوم الجمركية مستمرة، ولكن على أسس قانونية جديدة وفترة انتقالية فوضوية". وأشار هو وعدد من المحللين الآخرين إلى أنهم لا يتوقعون تعديل توقعاتهم لنمو الاقتصاد العالمي والتجارة على الفور نتيجة قرار المحكمة العليا.

وبسبب معرفة البيت الأبيض بهذا الأمر، تحاول إدارة ترمب استغلال هذه الفترة الانتقالية لفتح ملفات تحقيق إضافية تعطيها مزيداً من الوقت لتحقيق أهدافها التجارية واستمرار فرض الرسوم الجمركية، حتى بعد قرار المحكمة العليا بإبطالها.

في هذه الأثناء ما تزال الدول والشركات الأجنبية في حالة ترقب، مع تحول العلاقة التجارية بينها وبين الإدارة الأميركية إلى عملية تفاوض شبه مستمرة بدلاً من بيئة قواعد مستقرة.

"لقراءة المقال الأصلي، اضغط هنا."

تصنيفات

قصص قد تهمك