
يتجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الثلاثاء، إلى الصين، لبحث تعزيز العلاقات التجارية مع بكين، في أول زيارة له منذ توليه المنصب، بينما يتصدر احتواء "صدمة الصين" وتداعياتها على الصناعة الألمانية، أولويات المستشار الألماني، وفق "بوليتيكو".
وعلى مدى سنوات، شكلت برلين القوة الدافعة وراء تعميق علاقات الاتحاد الأوروبي مع الصين، وجادل القادة الألمان بأن توثيق العلاقات التجارية مع الصين سيؤدي إلى تأثير "مُهدئ" على النظام في بكين، وهي مقاربة لُخصت في شعار "فاندل دورخ هاندل" Wandel durch Handel، أو "التغيير عبر التجارة".
ولفترة طويلة، بدا ذلك مجدياً على صعيد الأعمال. فقد كانت ألمانيا من بين الدول القليلة في الاتحاد الأوروبي التي حققت فوائض تجارية مع بكين، إذ زودتها بالمكونات الحيوية والآلات التي غذت صعود الصين الاقتصادي. وضخ عمالقة الصناعة الألمانية، مثل شركة "فولكسفاجن" لصناعة السيارات وشركة "باسف" للكيماويات، استثمارات ضخمة للاستفادة من السوق الصينية.
وقال المستشار الألماني، الأسبوع الماضي، إنه يتوجه إلى الصين لتعزيز التعاون، مضيفاً: "لدينا مصلحة استراتيجية في إيجاد شركاء حول العالم يفكرون مثلنا ويتصرفون مثلنا".
صدمة الصين
غير أن كثيرين من قادة الصناعة الألمان يحثون الآن المستشار على اتخاذ موقف أكثر صرامة، ويُطلقون تحذيرات مدوية مما يصفونه بـ"صدمة الصين".
ومنذ جائحة فيروس كورونا، انقلبت العلاقة التجارية إلى عجز هائل بلغ 90 مليار يورو في عام 2025، فيما تُحمل الصين على نطاق واسع مسؤولية جزء كبير من نزيف الوظائف في قطاع التصنيع الألماني بالغ الأهمية، الذي يخسر حالياً نحو 10 آلاف وظيفة شهرياً.
ويجد ميرتس، المعروف بنزعته الأطلسية التقليدية، نفسه في موقف مُحبط، إذ أن التحول نحو الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترمب، المنخرطة في مواجهة جمركية غير متوقعة مع أوروبا، لا يُعد خياراً عملياً. وهذا يعني أن على ميرتس إيجاد صيغة للتعامل مع الزعيم الصيني شي جين بينج.
وقال يورج فوتكه، وهو خبير مخضرم في الشأن الصيني قدم إحاطة للمستشار الألماني، في 17 فبراير الجاري قبيل زيارته، إنه فوجئ بمدى "استعداده (ميرتس) الجيد".
وعلى مدى ساعتين تقريباً، دوّن ميرتس ملاحظات خلال لقاء مع مجموعة من ستة خبراء في الشأن الصيني، مكتفياً في الغالب بطرح الأسئلة. وأوضح فوتكه أن أولوية المستشار "تمثلت في عرض المشكلات بطريقة تلقى صدى لدى الرئيس الصيني". وقال فوتكه لـ"بوليتيكو": "إنه يدرك أنه ربما يكون السياسي الأكثر أهمية للصين في أوروبا".
لكن الصين تبدو ممسكة بأفضل الأوراق. فقد أصبحت ألمانيا مع مرور الوقت تعتمد على مواد خام أساسية مستوردة من الصين، ما يمنح بكين القدرة على تعطيل المصانع الألمانية "متى شاءت تقريباً"، حتى في وقت تسعى فيه برلين إلى تبني سياسة أطول أمداً لتقليص هذه الاعتمادات، أو ما يُعرف بـ"خفض المخاطر".
غير أن تحقيق هذا الهدف سيستغرق سنوات. وبحلول ذلك الوقت، يحذر عدد متزايد من قادة الصناعة الألمان، من أن جزءاً كبيراً من الضرر سيكون قد وقع، مع تراجع الشركات الألمانية تحت وطأة المزايا السعرية الصينية الضخمة الناتجة عن الدعم الحكومي، والإغراق المتعمد، والعملة المقومة بأقل من قيمتها.
ويُقر ميرتس نفسه بأن ألمانيا ينبغي ألا تعيش "أوهاماً" بشأن الصين وطموحها إلى "فرض نظام متعدد الأطراف جديد وفق قواعدها الخاصة".
وقال أندرو سمول، مدير برنامج آسيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية للمجلة: "يتوجه ميرتس في أسوأ توقيت ممكن من حيث تأثير صدمة الصين على الاقتصاد الألماني. الأرقام سيئة للغاية، ولا توجد توقعات بتحسنها".
من يملك أوراق الضغط؟
ترى "بوليتيكو" أن هذه الزيارة ستشبه في جوانب كثيرة، رحلات مستشارين سابقين، حين كان يُنظر إلى السوق الصينية الواسعة وسريعة النمو باعتبارها أمل الصناعة الألمانية. ويرافق ميرتس وفد يضم نحو 20 من كبار التنفيذيين في قطاع الأعمال.
وفي زيارات إلى بكين ومركز التكنولوجيا هانجتشو على مدى ثلاثة أيام، سيتناول ميرتس العشاء مع الرئيس الصيني شي جين بينج، ويزور المدينة المحرمة، إضافة إلى منشآت تابعة لشركتي "مرسيدس-بنز" و"سيمنس إنرجي".
لكن قليلون هم من يتوقعون التوصل إلى اتفاقات شاملة. وبدلاً من ذلك، يطالب قادة الصناعة الألمان بتحقيق تقدم أكثر واقعية وفورية لتحسين أوضاعهم.
وقال تيلو برودتمان، المدير العام لرابطة مصنعي الآلات الألمانية VDMA، في بيان قبيل زيارة ميرتس: "تتعرض شركاتنا لضغوط متزايدة لأن شروط المنافسة الأساسية يجري تشويهها بصورة منهجية".
وأوضح أنه نتيجة لذلك، تراجعت صادرات الآلات الألمانية إلى الصين بنسبة 8.5% خلال الأشهر الـ11 الأولى من العام الماضي، فيما ارتفعت واردات الآلات من الصين بنسبة 12.5%.
ودعا برودتمان المستشار الألماني، إلى معالجة القيود الصينية على صادرات العناصر الأرضية النادرة، وإنهاء ممارسة بكين دعم "شركات الزومبي" الخاسرة التي تعرض أسعاراً متدنية. وأضاف: "الشركات الألمانية لا تنافس شركات أخرى، بل تنافس الخزانة الصينية"، في إشارة أوسع إلى الدعم الحكومي.
وتتمثل أقوى أداة في يد ميرتس في تزايد اعتماد الصين على السوق الأوروبية، وهو اعتماد ازداد مع تراجع الطلب المحلي الصيني.
غير أن الدفع نحو التهديد برسوم جمركية دفاعية ضمن إطار الاتحاد الأوروبي يبقى بالنسبة إلى ميرتس، المدافع المخضرم عن التجارة الحرة، أمراً مرفوضاً، بل وقد يكون متهوراً في وقت تتعامل فيه ألمانيا أيضاً مع تداعيات حروب ترمب التجارية، وفق "بوليتيكو".
كما أن محاولة ترمب مواجهة الصين تقدم مثالاً تحذيرياً. ففي خضم نزاع تجاري بين الولايات المتحدة والصين العام الماضي، أعلنت بكين فرض قيود تصدير واسعة على مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة والمواد الخام اللازمة لتصنيعها. وبعد أسابيع، توصل ترمب وشي إلى هدنة، وافقت بموجبها بكين على تأجيل قيود تصدير العناصر النادرة لمدة عام واحد.
لكن نيكولاس تسيبيليوس، النائب الذي يتولى ملف العلاقات مع الصين لدى المحافظين بزعامة ميرتس، قال إن المستشار قد يكون "أكثر حزماً مما يظهر في العلن".
وأضاف: "أقول إن الصين وألمانيا قادرتان على إلحاق ضرر بالغ ببعضهما البعض. يجب ألا نقلل من شأن الصوت الألماني القوي داخل الاتحاد الأوروبي. وقد أظهر الاتحاد في السابق أنه يمتلك أدوات قوة، مثل الرسوم الجمركية وغيرها من الإجراءات". وأشار إلى أن مثل هذه النقاشات ستجري خلف الأبواب المغلقة.
وقال: "لا أعتقد أن المجازفة علناً ضد بعضنا مفيدة. لكن في المحادثات المغلقة يمكن إيصال الرسائل بوضوح شديد. وهناك تملك بالفعل أوراق ضغط".
وفي هذا السياق، قد يختار ميرتس توثيق تحالفه مع فرنسا، التي برزت كأحد أعلى الأصوات تحذيراً من أن الصين تواصل إفراغ القاعدة الصناعية الأوروبية تدريجياً، فيما تنشغل القارة بترمب.













