
اختتمت كوريا الشمالية مؤخراً أعمال المؤتمر التاسع لحزب العمال الحاكم، وهو أبرز حدث سياسي في بيونج يانج خلال السنوات الخمس الماضية، وذلك وسط مؤشرات على تغييرات كبيرة أجراها الزعيم كيم جونج أون على هيكل القيادة في اللجنة المركزية للحزب الحاكم، طالت مناصب عُليا بما فيها ثاني أعلى منصب رسمي في الدولة.
واستبعد خبراء في تصريحات لـ"الشرق" صحة التكهنات المتداولة والمنسوبة إلى وكالة الاستخبارات في كوريا الجنوبية بشأن اختيار الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون لابنته كيم جو-آي خليفةً له. ووصف خبير كوري شمالي منشق هذه القراءة بأنها "سوء تفسير" لظهور الابنة المتكرر في مناسبات رسمية.
وانتهى المؤتمر بعرض عسكري ليلي واسع النطاق في ساحة كيم إيل سونج في بيونج يانج، شاركت فيه وحدات كانت قد شاركت مع الجيش الروسي في الحرب ضد أوكرانيا، من دون الكشف عن أي منظومات تسليح جديدة.
رسائل إلى واشنطن وسول
وقال كيم جونج أون، الذي ظهر في العرض إلى جانب ابنته كيم جو-آي، إن "قواتنا المسلحة على أهبة الاستعداد للتعامل مع أي ظرف من الظروف. وسيشن جيشنا هجمات انتقامية مروعة على أي قوة ترتكب أعمالاً عسكرية عدائية تنتهك سيادتنا الوطنية ومصالحنا الأمنية".
وأضاف أن بلاده "لا ترى سبباً لعدم التفاهم مع الولايات المتحدة" إذا "تخلّت عن سياستها العدائية" واعترفت بامتلاك بيونج يانج أسلحة نووية.
وعلى النقيض، شدّد لهجته تجاه كوريا الجنوبية واصفاً إياها بأنها "مخادعة"، مشيراً إلى أنه سيعمل على "استبعاد الجنوب بشكل دائم من فئة أبناء الوطن الواحد". كما هدّد بشن ضربة استباقية إذا اتخذت سول أي إجراءات من شأنها تهديد "البيئة الأمنية" لبيونج يانج.
وتعيد رسالة كيم إلى كوريا الجنوبية التأكيد على مواقفه السابقة وعلى التحركات الأخيرة للشمال، التي تشير جميعها إلى غياب أي إرادة حالياً لدى بيونج يانج للانخراط في مسار دبلوماسي مع سول.
مؤتمرات دورية.. رسالة استقرار
منذ تولّي كيم جونج أون السلطة، دأبت كوريا الشمالية على عقد مؤتمرات حزب العمال الحاكم كل خمس سنوات، كما حدث في عامي 2016 و2021، وصولاً إلى مؤتمر 2026.
ويُعد ذلك تحولاً ملحوظاً مقارنة بوالده وسلفه كيم جونج إيل، الذي لم يعقد أي مؤتمر للحزب، ما أدى إلى فجوة زمنية كبيرة بين المؤتمر السادس عام 1980 والمؤتمر السابع عام 2016.
ويُعزى غياب المؤتمرات في عهد الزعيم السابق كيم جونج إيل إلى الصعوبات الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي وضعف النظام آنذاك. ومن خلال الالتزام بعقد المؤتمرات كل خمس سنوات، قد يسعى كيم جونج أون إلى إظهار الثقة والاستقرار.
وقال الخبير في شؤون كوريا الشمالية هيون-سيونج لي، وهو عنصر سابق في القوات الخاصة الكورية الشمالية انشق عن البلاد، في تصريحات لـ"الشرق" إن كيم جونج أون حرص في كل مؤتمر خلال قيادته على إبراز ما تحقق من "تقدم اقتصادي" خلال السنوات الخمس السابقة، مع التركيز على مشاريع بناء المصانع والمساكن، من دون تقديم تفاصيل دقيقة، والاكتفاء بتعابير عامة مثل "تضاعف الإنجاز".
من جانبها، أبرزت صحيفة الحزب الحاكم "رودونج سينمون" الشق الاقتصادي في تغطيتها لإعادة انتخاب كيم زعيماً للحزب، قائلة إن "إنجازات لا يمكن تصورها حتى عبر قرون عدة" تحققت خلال السنوات الخمس الماضية. وأشادت بـ"ازدهار قطاع البناء والتنمية الإقليمية".
كيم يُعيد هيكلة النظام
ورغم أن إعادة انتخاب كيم جونج أون زعيماً للحزب كانت بمثابة إجراء شكلي، فإن المؤتمر شهد تغييرات عدة في بنية القيادة، إذ أعاد كيم تشكيل اللجنة المركزية للحزب الحاكم. وقد فاجأ حجم التغيير المراقبين، إذ تم استبدال نسبة كبيرة من القيادات.
ومن أبرز التعديلات التي لفتت انتباه المراقبين، استبعاد تشوي ريونج-هاي من عضوية اللجنة المركزية، وهو الذي كان يشغل ثاني أعلى منصب رسمي في البلاد بصفته رئيس اللجنة الدائمة لمجلس الشعب الأعلى. ويُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها مؤشراً على انتقال تدريجي في الأجيال داخل القيادة.
وأشار هيون-سيونج لي إلى أن سلف تشوي، كيم يونج-نام، شغل منصب الرجل الثاني لعقود حتى تقاعده في التسعينيات من عمره، فيما يتمتع تشوي بصحة جيدة، ما يرجّح أن استبعاده قرار متعمد من كيم جونج أون لتقليص نفوذه.
من جهته، قال الأستاذ في قسم الدراسات العسكرية بجامعة سوكيونج والمستشار السابق لسياسات الدفاع في كوريا الجنوبية، سانجيونج يون في تصريحات لـ"الشرق" إن تشوي "انتقل على الأرجح من موقع صانع قرار مؤثر في الخطوط الأمامية إلى دور رمزي أقرب إلى رجل دولة مخضرم"، معتبراً أن إعادة الهيكلة تتماشى مع نهج كيم جونج أون في تقليص نفوذ الشخصيات البارزة من دون اللجوء إلى إقصائها.
وأضاف يون أن كيم جونج أون يواصل استبدال المسؤولين المرتبطين بعهد والده بجيل أصغر سناً تعتمد مسيرته بالكامل عليه، ما يعزز الولاء الشخصي ويقلل مخاطر التحديات الداخلية، مؤكداً أن الزعيم الكوري الشمالي "يسرّع عملية ترسيخ نخبة حاكمة جديدة تدين له بالولاء الشخصي".
ترقية شقيقة كيم
ومن التغييرات اللافتة أيضاً ترقية كيم يو-جونج، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، وإن كان يُنظر إليها على أنها استعادة لمنصب كانت قد شغلته قبل خفض رتبتها سابقاً.
ويرى يون أن ذلك يعكس محدودية دائرة النخب الموثوقة لدى كيم، ما يدفعه إلى ترقية أفراد من عائلته، لافتاً إلى أنه غالباً ما تتولى كيم يو-جونج إطلاق تصريحات شديدة اللهجة ضد الجارة الجنوبية، إذ تدين المناورات العسكرية المشتركة بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة وتنتقد سياسات سول، معتبراً أن هذا "يوفّر هامشاً لكيم جونج أون للاحتفاظ بمرونة سياسية إذا ما قرر الانخراط في مسار دبلوماسي مع واشنطن أو سول".
"المكتب 39"
ومن التغييرات المهمة، وإن لم تحظَ بتغطية واسعة، احتمال إقالة رئيس "المكتب 39" السري، المعروف بأنه يدير الصندوق المالي الخاص بكيم جونج أون.
ولم يرد اسم رئيس المكتب ضمن قائمة أعضاء اللجنة المركزية، ما يرجّح إبعاده عن منصبه. ويرى هيون-سيونج لي أن هذا قد يكون أبرز تغيير في مجمل عملية إعادة الهيكلة.
تكهنات الخلافة
قبيل انعقاد المؤتمر، أفادت الاستخبارات في كوريا الجنوبية بأن بيونج يانج تقترب من مرحلة تسمية كيم جو-آي، ابنة كيم جونج أون، خليفة له. وأثيرت تكهنات بإمكانية إعلان ذلك خلال المؤتمر، غير أن الأمر لم يتحقق، رغم ظهورها إلى جانب والدها في العرض العسكري الليلي.
واعتبر هيون-سيونج لي أن جهاز الاستخبارات الكوري الجنوبي "أساء تفسير الوضع"، مشيراً إلى أن "كيم جو-آي لا تزال مراهقة وغير مؤهلة حتى لعضوية حزب العمال".
ويرى أن ظهورها أقرب إلى نشاط عائلي منه إلى تدريب على الخلافة، لافتاً إلى أن كيم جونج أون قام بزيارات مماثلة مع والده، لكن من دون إعلانها بسبب "سرية الدولة" آنذاك، فيما يبدو كيم الحالي أكثر اهتماماً بصورته العامة وإبراز دوره كأب.
وتابع بالقول: "بالنظر إلى أن كيم جونج أون لا يزال شاباً ويتمتع بصحة جيدة، فإن الحديث عن خليفة يبدو سابقاً لأوانه، وقد يضر به عبر إضعاف تماسك قاعدة دعمه".
أما يون فيرى أنه لا يزال من المبكر تأكيد تعيين كيم جو-آي وريثة للسلطة، لكن ظهورها العلني يشير إلى أن النظام "يمهّد الأرضية لانتقال وراثي محتمل"، ربما لتفادي حالة عدم الاستقرار التي رافقت بداية حكم كيم جونج أون نفسه.
وتوحي نتائج المؤتمر التاسع لحزب العمال بعملية ترسيخ تدريجية ومدروسة للسلطة بيد كيم جونج أون، من دون تغييرات جوهرية في توجهات السياسة الخارجية مقارنة بالأشهر الماضية. فهو مستعد للحوار مع الولايات المتحدة، ولكن وفق شروطه.











