
تواجه مساعي الاتحاد الأوروبي لحماية قاعدته الصناعية من التوغل الصيني المتزايد، انقسامات داخلية متنامية، في ظل تباين المصالح الوطنية بين الدول الأعضاء، ما يضعف قدرة الكتلة على الحفاظ على جبهة موحدة في مواجهة بكين، وفق مجلة "بوليتيكو".
واعتبرت المجلة في تقرير نشرته الخميس، أن هذه المهمة أكثر تعقيداً مع سعي الاتحاد إلى تعزيز علاقاته التجارية عالمياً، في وقت يطلق فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديدات بفرض تعريفات جمركية ويقلب موازين النظام الجيوسياسي القائم.
وأشار التقرير إلى أن دولاً مثل إسبانيا والمجر فتحت أبوابها أمام الاستثمارات والمصانع الصينية، في حين تدفع فرنسا باتجاه تبني موقف أوروبي أكثر تشدداً لحماية القاعدة الصناعية عبر اتخاذ مزيد من الإجراءات التجارية.
وفي هذا السياق، ذكرت المجلة أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، زار بكين الأسبوع الماضي في رحلته الرابعة خلال أربع سنوات، حيث التقى الرئيس الصيني شي جين بينج. وبحسب التقرير، تمثل الزيارة فرصة لمدريد لجذب الاستثمارات، فيما تعزز بكين علاقاتها مع عاصمة أوروبية رئيسية.
ودافع سانشيز عن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين، واصفاً إياها بأنها علاقة "قائمة على الثقة والحوار والاستقرار"، مشيراً إلى الهدف النهائي يتمثل في "نظام عالمي متعدد الأقطاب يقوم على الاحترام والبراجماتية".
سانشيز على خطى ماكرون وميرتس
وتابع التقرير أن سانشيز يسير على خطى قادة أوروبيين آخرين زاروا الصين خلال العام الماضي، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الإيرلندي ميشيل مارتن، ورئيس وزراء فنلندا بيتري أوربو، ورئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيجرو، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، إضافة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا.
ورأت "بوليتيكو"، أن هذا النشاط الدبلوماسي يعكس حاجة الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز علاقاته مع الصين، لكنه يتزامن مع سعي المفوضية الأوروبية للحد من دعم بكين لقطاعات مثل السيارات، وسعيها إلى تبني موقف أكثر صرامة تجاه الاستثمارات الصينية في القطاعات الاقتصادية الحساسة.
وأضاف التقرير أن جاذبية الصين تبدو واضحة، إذ تمتلك ثالث أكبر اقتصاد في العالم بناتج محلي إجمالي يبلغ 20.8 تريليون دولار، مقارنة بـ32.4 تريليون دولار للولايات المتحدة و23 تريليون دولار للاتحاد الأوروبي، وفقاً لصندوق النقد الدولي.
لكن في المقابل، أشار التقرير إلى أن تصدير المنتجات إلى السوق الصينية بات أكثر صعوبة بالنسبة لشركات السيارات والكيماويات الأوروبية، في ظل توجه المستهلكين الصينيين نحو المنتجات المحلية، وفرض بكين شروطاً إضافية على الشركات الأجنبية.
كما أصبحت الصين تمثل تهديداً تنافسياً متزايداً داخل أوروبا، وهو ما شدد عليه ميرتس خلال زيارته، محذراً من اتساع الاختلال في الميزان التجاري مع بكين.
وأوضحت المجلة أن التعريفات الجمركية التي فرضها ترمب أدت إلى تقييد وصول الصين إلى السوق الأميركية، ما دفع إلى إعادة توجيه الواردات التي كانت موجهة سابقاً إلى المستهلكين الأميركيين نحو أوروبا، فيما قفز العجز التجاري الثنائي للاتحاد الأوروبي إلى أكثر من 350 مليار يورو في عام 2025، بزيادة تقارب الخُمس مقارنة بعام 2024.
يورج فوتكي، الشريك في مجموعة DGA-Albright Stonebridge، الذي قدّم المشورة لميرتس قبل زيارته إلى بكين، قال للمجلة: "نخسر 10 آلاف وظيفة في قطاع التصنيع كل شهر"، مشيراً إلى قطاعات الكيماويات والآلات والسيارات باعتبارها الأكثر تضرراً. وتابع: "يرجع ذلك إلى حقيقة أن الصين، بطبيعة الحال، تدفع منتجاتها إلى السوق الأوروبية".
قلق أوروبي من نفوذ بكين
واعتبرت "بوليتيكو" أن هذه الضغوط تدفع بروكسل إلى التحرك، إذ تبدي المفوضية الأوروبية قلقاً متزايداً من النفوذ الاقتصادي الصيني والتطور التكنولوجي المتسارع، بعدما تمكنت بكين من تجاوز أوروبا في عدد من المجالات، من البطاريات إلى السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والذكاء الاصطناعي، فيما تثير هيمنتها على الموارد الأساسية، مثل المعادن الأرضية النادرة، قلق صانعي السياسات.
وأعربت فون دير لاين عن شعورها بالإحباط إزاء عدم نجاح سنوات من القمم رفيعة المستوى في إحداث تغيير في نموذج دعم الإنتاج الصيني باتجاه تعزيز الاستهلاك. وقال أولوف جيل، نائب المتحدث الرئيسي باسم المفوضية: "أوجه الاختلال الحالية في العلاقة لم تعد قابلة للاستمرار".
وأضاف التقرير أن بروكسل تسعى الآن إلى اتخاذ إجراءات أوسع لتقييد الاستثمارات الصينية، مع دعم الشركات الصناعية العملاقة في الكتلة، غير أن الانقسامات بين العواصم الأوروبية تعرقل التوصل إلى استراتيجية موحدة تجاه بكين.
وفي الوقت الذي تتجه فيه المفوضية نحو تشديد سياستها، لم يعد التغلغل الصيني يقتصر على الصادرات فحسب، بل بات يشمل أيضاً الاستثمارات داخل دول الاتحاد. وبحسب التقرير، بدأت زيارات سانشيز لبكين تؤتي ثمارها، مع تدفق الاستثمارات إلى الاقتصاد الإسباني، لا سيما في قطاع السيارات.
وتستثمر شركة CATL العملاقة لصناعة البطاريات مبلغ 4.1 مليار يورو بالشراكة مع شركة Stellantis وهي شركة فرنسية إيطالية أميركية في إنشاء مصنع بمدينة سرقسطة، كما تستعد شركة Chery الصينية لافتتاح أول مصنع لها في أوروبا قرب برشلونة في وقت لاحق من هذا العام.
وتعد المجر أيضاً من أبرز وجهات الاستثمارات الصينية، حيث تتجاوز الحاجة إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع بكين الانقسامات السياسية الداخلية، ورغم الإطاحة برئيس الوزراء فيكتور أوربان المعروف بتقاربه مع الصين، فإن خليفته بيتر ماجيار، بحسب "بوليتيكو"، لن يغيّر هذا النهج، إذ وصف بكين بأنها "إحدى أهم وأكبر وأقوى دول العالم"، مضيفاً أنه يتطلع إلى زيارة بكين واستقبال القادة الصينيين في بلاده.
وذكر التقرير أن المفوضية الأوروبية ليست غافلة عن التحديات الصناعية التي يفرضها الارتفاع الكبير في الواردات، لكنها ترى أن الإجراءات التجارية السابقة للحد من هذه الممارسات، والتي اعتمدت على تحقيقات فردية تستغرق وقتاً طويلاً بشأن الدعم الحكومي، لم تحقق نتائج تُذكر في تغيير الواقع.
وتأمل المفوضية في الوقت الراهن في استهداف الصين عبر اتباع نهج أوسع نطاقاً، ومن بين الأمثلة على ذلك قانون الأمن السيبراني المقترح مؤخراً، والذي يهدف إلى الحد من التعامل مع الموردين ذوي المخاطر العالية، مثل عملاق الاتصالات الصيني "هواوي".
وأضاف التقرير أن أبرز محاولات المفوضية الأكثر حدة للسيطرة على الاستثمارات الصينية يتمثل في "قانون تسريع الصناعة"، وهو المخطط الرئيسي للسلطة التنفيذية لإعادة إحياء الصناعة الأوروبية.
وبحسب التقرير، فإن هذا القانون بصيغته الحالية يفرض متطلبات محتوى محلي، ويقيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة، كما يشترط أن تُهيكل الصفقات الكبرى في القطاعات الاستراتيجية على هيئة مشاريع مشتركة، وذلك لضمان نقل الاستثمارات من دول مثل الصين للتكنولوجيا إلى أوروبا.
وأشار التقرير إلى أن الإدارة التجارية المتشددة في المفوضية تعمل على إعداد تدابير أكثر شمولًا لحماية قطاعات كاملة من فائض الإنتاج الصناعي الأجنبي، مع توقع تقديم أول مقترح خلال الصيف المقبل.
وترى المفوضية أن حجم السوق الموحدة الأوروبية، التي تضم 27 دولة، يمنحها قوة كافية لردع الصين عن الرد الانتقامي. لكن التجارب السابقة تشير إلى عكس ذلك، بحسب "المجلة"، إذ غالباً ما تواجه الدول التي تتخذ مواقف ضد المصالح الصينية إجراءات عقابية من بكين.
فبعد أن أيدت العواصم الأوروبية، بأغلبية ضئيلة، فرض رسوم استيراد على السيارات الكهربائية المصنّعة في الصين، تعرضت فرنسا، التي كانت المحرك الرئيسي لهذا القرار، لرسوم جمركية صينية على منتجات الألبان.
وفي عام 2021، سمحت ليتوانيا بفتح مكتب تمثيلي لتايوان في عاصمتها فيلنيوس، ما أدّى إلى مقاطعة صينية، قبل أن تصف رئيسة وزرائها إنجا روجينين لاحقاً الخطوة بأنها "قفز أمام قطار وخسارة"، مع إبداء استعداد لإعادة تسمية المكتب لتهدئة بكين.
وقال التقرير إن الخوف من بكين، إلى جانب الحاجة إلى الاستثمارات الصينية، يجعل من الصعب على دول الاتحاد الأوروبي تشكيل جبهة موحدة.
ونقلت "المجلة" عن مديرة شؤون آسيا في إدارة التجارة بالمفوضية، جوانا شيتشوفسكا، قولها: "نحن لسنا دولة واحدة، نحن 27 دولة، وإذا أردنا مواجهة مشكلة الصين، فمن الأفضل أن نفعل ذلك كدولة واحدة"، مضيفة: "لكن هذا لا يحدث دائماً".
تراجع صورة أميركا يعقد حسابات أوروبا
ومما يزيد من تعقيد المهمة، بحسب "بوليتيكو"، وهو تغير نظرة الأوروبيين إلى الولايات المتحدة، وتراجع صورتها لديهم في عهد ترمب، بينما تسعى الصين إلى تقديم نفسها كشريك موثوق وضامن للنظام الدولي.
وأظهر استطلاع أجرته "بوليتيكو" في ست دول أوروبية كبرى أن 29% من المشاركين يرون الصين تهديداً، مقابل 36% يرون الولايات المتحدة تهديداً. لكن 43% يعتبرون الصين منافساً، مقارنة بـ24% فقط للولايات المتحدة.
ونقلت المجلة عن دبلوماسي أوروبي، تحدث شريطة عدم كشف هويته، قوله: "لقد دفعت الولايات المتحدة نفسها إلى وضع يستطيع فيه الصينيون التراجع وانتظار الفرصة. لم يعودوا شركاء موثوقين، ولا يمارسون سياسات يمكن التنبؤ بها، والصينيون ينتظرون اللحظة المناسبة لملء هذا الفراغ".
وأفاد التقرير بأن الانقسامات لا تقتصر على الدول الأعضاء فحسب، بل تمتد أيضاً إلى داخل المفوضية الأوروبية نفسها، ونقل عن مفوض الصناعة ستيفان سيجورنيه، مهندس "قانون تسريع الصناعة"، قوله إن أوروبا بحاجة إلى الحفاظ على انفتاحها تجاه الصين، مضيفاً: "نحن بحاجة إليها. نحن بحاجة إلى الاستثمار الأجنبي".
أما نائب المتحدث الرئيسي باسم المفوضية، فاعتبر أن العلاقة مع الصين "واحدة من أهم العلاقات الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه من أكثرها تحدياً".
واختتمت المجلة تقريرها بالإشارة إلى أنه بينما ينقسم الاتحاد الأوروبي حول ما إذا كان ينبغي التعامل مع الصين كتهديد أم كفرصة، يواصل قادة مثل سانشيز إبرام اتفاقات مع بكين، ما يجعل الأخيرة تكتسب مزيد من الحلفاء داخل الكتلة.
ونقلت المجلة عن وزارة الخارجية الصينية قولها، إن "إسبانيا مستعدة للعب دور بنّاء في تضييق الخلافات بين الصين وأوروبا في مجالي الاقتصاد والتجارة، وبناء علاقات أقوى بين الجانبين"، وذلك عقب تصريحات رئيس الوزراء الصيني لي تشيانج بأن بكين ستزيد وارداتها من إسبانيا وتشجّع الشركات على الاستثمار فيها.












