
وافق مجلس السلام العالمي، في ورقة المقترحات الأخيرة المقدمة للوسطاء، على مجموعة من المطالب الفلسطينية، مقابل تسليم الفصائل السلاح الثقيل، في مقدمتها حل الميليشيات التي شكلتها إسرائيل، إلى جانب خطوات أخرى، منها قيام الأخيرة بتنفيذ ما تبقى من المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بالتوازي مع تطبيق خطة غزة بما فيها من انسحابات.
وعملت إسرائيل خلال الحرب على تشكيل بعض الميليشيات وتشغيلها في تنفيذ مهام، بعضها خطير، مثل الاغتيالات، والاعتقالات، وقطع طرق المساعدات الإنسانية، وغيرها.
5 ميليشيات في 5 محافظات بغزة
وبيّن تحقيق أجرته "الشرق" أن إسرائيل شكلت 5 ميليشيات تضم بضع مئات من الأفراد الذين يتلقون التدريب، والتسليح، والتمويل من أجهزة الأمن الإسرائيلية.
وتعرف الميليشيات بأسماء قادتها، مثل مجموعة ياسر أبو شباب التي أصبح اسمها مجموعة غسان الدهيني، بعد سقوط الأول في نزاع داخلي، وتنشط في منطقة رفح جنوب القطاع، ومجموعة أشرف المنسي التي تعمل في شمال القطاع في بيت لاهيا وبيت حانون وجباليا، ومجموعة حسان الأسطل في خان يونس، ومجموعة شوقي أبو نصيرة في الوسطى، ومجموعة رامي حلس شرق غزة.
وتتخذ هذه المجموعات من بقايا البيوت، والمدارس، والمنشآت العامة في المناطق المدمرة التي ما زالت تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، مقرات لها، ولعائلات أفرادها.
وبيّنت منشورات لبعض هذه المجموعات أنها شهدت عمليات تصفية داخلية منها مقتل شقيق غسان الدهيني، مؤخراً، بعد مقتل مؤسس المجموعة ياسر أبو شباب.
توسيع المهام
وكشفت شهادات حصلت عليها "الشرق" أن هذه المجموعات وسعت من نشاطاتها مؤخراً، مثل القيام بغارات لاختطاف أعضاء في حركة "حماس" أو اغتيالهم، كما بيّنت أن أفراد هذه المجموعات أخذوا يستخدمون مؤخراً أدوات متطورة زودهم بها الجيش الإسرائيلي مثل الطائرات المسيرة التي تستخدم لاستكشاف المناطق التي ينفذون فيها هجماتهم.
هجمات مضادة
بالمقابل تنفذ حركة "حماس" إجراءات وقائية لمواجهة أفراد هذه المجموعات التي تتحرك متخفية باستخدام سيارات محلية، منها إقامة حواجز متحركة، ونشر أفراد لرصدها.
وفي حالات عديدة سجلت عمليات تدخل جوي من الجيش الإسرائيلي في قصف من يعترض هذه المجموعات.
وقالت مصادر محلية لـ"الشرق" إن جميع أفراد هذه المجموعات يعملون في المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي، ما يجعل من الصعوبة الوصول إليهم.
وأعلنت حركة "حماس" مؤخراً عن برنامج للعفو لمن يترك هذه المجموعات ويعود لعائلته، وقالت المصادر إن 20 شخصاً منهم على الأقل عادوا، وأعلنوا انسحابهم من هذه المجموعات.
جذور الظاهرة
بدأت الظاهرة مع احتلال الجيش الإسرائيلي لمنطقة رفح جنوب قطاع غزة حيث قامت بتجنيد عدد من أفراد مجموعات محلية مسلحة عملت على مهاجمة قوافل الإغاثة، وسلب حمولاتها، وبيعها للمواطنين المجوعين بأسعار باهظة.
وأوضحت الشهادات التي جمعتها "الشرق" أن إسرائيل قامت بتجنيد أفراد هذه العصابات، وقدمت لهم معلومات عن قوافل المساعدات لاعتراضها ومصادرة حمولاتها، بهدف خلق حالة من الفوضى للضغط على حركة "حماس" للاستجابة لشروطها.
وفي مرحلة لاحقة نجح هؤلاء بتجنيد أفراد آخرين من هوامش المجتمع الغزي مستغلين حاجتهم للغذاء والمال، وبيّنت منشورات لهذه المجموعات أن أفرادها يوزعون على عائلاتهم مواد غذائية زودتهم بها إسرائيل في وقت يعاني منه الغالبية العظمى من سكان القطاع من نقص فادح في هذه المواد.
وبيّن إعلان لإحدى المجموعات عن تجنيد أعضاء للمجموعة، أن الحد الأدنى للراتب الشهري قدره أربعة آلاف شيكل (1300 دولار)، إضافة إلى مساعدات وعلاوات وبدلات، وهو راتب مجزي ومغري في غزة التي بلغت فيها معدلات البطالة أثناء الحرب حوالي 80%، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
إقبال محدود جداً
وعلى الرغم من الإغراءات في بيئة تفتقر لأبسط مقومات العمل والحياة، إلا أن الإقبال على هذه المجموعات بقي محدوداً جداً.
وحسب مقابلات أجرتها "الشرق" فإن المنتمين إلى هذه المجموعات كانوا من فئات هامشية، أو ذات خلفيات إجرامية.
وقال رئيس مجلس إدارة مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان المقيم في غزة مصطفى إبراهيم، إن "هذه المجموعات تضم بضع مئات فقط، وإن الغالبية العظمى منهم من خلفيات إجرامية، أو غير سوية على أقل تقدير".
بعض أصحاب الثأر
وبيّنت الشهادات أن بعضاً ممن انتمى لهذه المجموعات هم إما أصحاب ثأر شخصي مع حركة "حماس"، أو ممن تورطوا في نزاعات نتج عنها سقوط ضحايا، أو أفراد عصابات.
وقال المراسل الصحافي الميداني محمد الأسطل لـ"الشرق" إن هذه المجموعات "فشلت في تكوين حاضنة شعبية بسبب ارتباطها بالاحتلال المسؤول عن القتل الجماعي، والتدمير الشامل في غزة".
وأضاف: "رغم كل المرارة التي يعيشها الناس في غزة إلا أنهم يرفضون العمل مع الاحتلال، وينبذون كل من له صلة به".
تصفية عناصر الأمن
وأعلنت هذه المجموعات عن عمليات اغتيال وتصفية لاثنين من ضباط الأمن في غزة، وعن أسر آخرين متعهدة بمواصلة مهاجمة من يعملون في الجهاز التنفيذي لحركة "حماس" تحت شعار "محاربة الإرهاب".
مؤسسات حقوق الإنسان تطالب بتدخل دولي
وأصدر مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، مؤخراً، تقريراً بشأن ممارسات هذه المجموعات قائلاً إنها: "تهدد حياة المدنيين، وتقوض أسس النظام العام في قطاع غزة"، مطالباً بتدخل الأمم المتحدة، والأطراف السامية الموقعة على اتفاقات جنيف، لوقف ممارستهم وانتهاكات التي تجري بتوجيه من سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
وقال المجلس الذي يضم جميع مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية: "الوقائع التي جرى توثيقها خلال الأشهر الأخيرة تكشف عن نمط خطير، ومتصاعد من الجرائم والانتهاكات المنسوبة إلى هذه المجموعات، في ظل تغطية، أو حماية من قوات الاحتلال الإسرائيلي".
وتشمل هذه الوقائع، حسب تقرير المجلس: "عمليات قتل استهدفت مدنيين في مناطق مختلفة من قطاع غزة، كان آخرها مقتل أحد المواطنين في منطقة المغازي بعد تعرضه لتعذيب، وتشويه جسدي جسيم، إضافة إلى حوادث احتجاز، وخطف جرى خلالها اقتياد مواطنين بالقوة إلى مناطق واقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية أو بمحاذاتها".
كما تشمل أيضاً: "اعتقال مواطنين ومسعفين على طريق صلاح الدين أثناء أدائهم واجبهم الإنساني بتاريخ 10 يونيو 2026، واقتحامات مسلحة لمناطق سكنية ومخيمات نزوح، من بينها اقتحام أحد مراكز الإيواء والمدارس في منطقة المواصي بتاريخ 14 يونيو 2026، فضلاً عن فرض سيطرة فعلية على بعض مسارات المساعدات الإنسانية".
ودعا المجلس، الأمم المتحدة والأطراف الموقعة على اتفاقيات جنيف، والآليات الدولية المختصة، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وملموسة لوقف عمل هذه المجموعات، وتجفيف مصادر الدعم والحماية التي تتمتع بها، وضمان الحماية الفعلية للمدنيين والنازحين والطواقم الطبية والعاملين في المجال الإنساني، وفتح تحقيقات دولية مستقلة في الجرائم والانتهاكات المنسوبة إليها، بما يضمن عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة.
حل الميليشيات شرط أساسي
واشترطت الفصائل الفلسطينية في جميع الحوارات مع ممثلي مجلس السلام والوسطاء، حل هذه الميليشيات قبل القيام بحصر السلاح في غزة.
وقالت مصادر مطلعة على ورقة المقترحات الأخيرة التي قدمها مجلس السلام، إن الورقة تتضمن الموافقة على حل هذه الميليشيات.
ووافق المجلس على بقاء السلاح الشخصي في أيدي عناصر الفصائل الفلسطينية تحت طائلة القانون المحلي، في حال موافقتها على تسليم السلاح الثقيل للجنة إدارة غزة التي ستتولى إدارة المؤسسات العامة، وتطبيق القانون في القطاع.
وتدرس حركة "حماس"، والفصائل ورقة المقترحات الأخيرة المقدمة من المجلس والتي تتضمن تشكيل لجنة مشتركة من الفصائل، وقوات الاستقرار الدولي للعمل على جمع السلاح الثقيل في القطاع، وتسليمه للجنة إدارة غزة.
"مصير قاتم"
ويتوقع كثير من المراقبين في غزة أن يتعرض أعضاء هذه المجموعات للنبذ الاجتماعي، وربما الانتقام في حال تطبيق خطة غزة، والانسحاب الإسرائيلي التام من القطاع.
وقال أحد المراقبين- طلب عدم ذكر اسمه- إنه من "المرجح أن أصحاب الجرائم الخطيرة منهم سيغادرون مع جيش الاحتلال، لكن العناصر الصغيرة ربما تعود إلى عائلاتها وتعلن التوبة".








