كاودا.. صراع داخل معقل الحلو يفتح جبهة جديدة في حرب السودان | الشرق للأخبار

"كاودا".. صراع داخل معقل الحلو يفتح جبهة جديدة في حرب السودان

عبدالعزيز الحلو رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال  - REUTERS
عبدالعزيز الحلو رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال - REUTERS
بورتسودان -

بينما تتسع جبهات الحرب في السودان وتتداخل تحالفاتها العسكرية، اندلع صراع من نوع مختلف في مدينة كاودا بولاية جنوب كردفان، المعقل التاريخي للحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو.

وتحوّل نزاع محلي على الأرض وترسيم الحدود إلى مواجهة مسلحة بين الجيش الشعبي التابع للحركة ومقاتلين من مجموعة الأطورو.

وتكتسب المواجهات أهمية تتجاوز نطاقها المحلي، إذ تدور داخل واحدة من أكثر المناطق تحصيناً وأهمية بالنسبة إلى الحركة الشعبية، التي حافظت لعقود على نفوذها في أجزاء واسعة من جبال النوبة، قبل أن تصبح في الحرب الحالية حليفاً لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي".

وبدأت الأزمة الحالية بخلافات بشأن ترسيم الحدود بين مجموعتي الأطورو والشواية، قبل أن تتطور تدريجياً إلى مواجهة بين مقاتلين من الأطورو والجيش الشعبي. وتقول الحركة إن عملياتها تستهدف مجموعة "متمردة" ولا تستهدف الأطورو بوصفهم مكوناً اجتماعياً، فيما تتهم قيادات من المجموعة قوات الحركة بارتكاب انتهاكات وعمليات تهجير واعتقال بحق أبنائها.

وتصاعدت المواجهة خلال أغسطس الجاري، وانتقلت إلى داخل كاودا نفسها، حيث شهدت المدينة ومحيطها معارك استخدمت فيها أسلحة ثقيلة، وأدت إلى موجات نزوح باتجاه المناطق الجبلية والكهوف المجاورة.

وتضاربت الروايات بشأن السيطرة على المدينة خلال الأسابيع الماضية، في ظل صعوبة الاتصالات والوصول المستقل إلى المنطقة، فبعد تقدم مقاتلي الأطورو وسيطرتهم على مواقع مهمة في كاودا في وقت سابق من أغسطس، أفادت مصادر محلية في 20 أغسطس بأن الجيش الشعبي استعاد المدينة بالكامل، بما في ذلك منطقة لويرا التي تضم مقار ومنازل قيادات الحركة، ومنزلي الحلو ونائبه جقود مكوار، إلى جانب قبر القائد التاريخي للحركة يوسف كوة مكي.

لكن الصراع لم ينتهِ، وظهرت لاحقاً روايات جديدة تتحدث عن تقدم مقاتلي الأطورو داخل المدينة مجدداً، ما يجعل خريطة السيطرة الميدانية عرضة لتغيرات متسارعة يصعب التحقق منها بصورة مستقلة.

اقرأ أيضاً

شمال كردفان والنيل الأزرق تحت النار.. تصعيد عسكري ونزوح متواصل

تتسع رقعة القتال في السودان بين غارات جوية وهجمات بالطائرات المسيرة وحشود عسكرية على الأرض، مع تصاعد المواجهات في شمال كردفان والنيل الأزرق.

هدنة هشة

دفعت خطورة المواجهات قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو إلى طرح مبادرة لوقف الاقتتال، في خطوة اكتسبت أهمية إضافية بالنظر إلى التحالف القائم بين قواته والحركة الشعبية-شمال بقيادة الحلو.

واستجاب الحلو للمبادرة، وأصدر في 21 أغسطس أمراً بوقف العمليات والأعمال العدائية في كاودا وهيبان، داعياً إلى وقف خطاب الكراهية والتحريض وإفساح المجال أمام المسارات الاجتماعية والإنسانية والعسكرية للمبادرة.

غير أن الهدنة واجهت اختباراً سريعاً، إذ اتهم ممثلون للأطورو الجيش الشعبي، في اليوم التالي، بخرق وقف إطلاق النار وقصف كاودا بالمدفعية، بعدما كانت المجموعة قد أعلنت قبولها المبادرة والتزامها وقف العمليات القتالية.

ويطرح انهيار التهدئة أو تعثرها أسئلة تتجاوز مستقبل كاودا نفسها، إذ إن استمرار المواجهات قد يضعف قدرة قيادة الحركة الشعبية على ضبط مناطق سيطرتها وقواتها، خصوصاً أن للأطورو حضوراً داخل البنية العسكرية للحركة نفسها.

تمرد من داخل الحاضنة

وتختلف أزمة كاودا عن جبهات الحرب الرئيسية في السودان في أن جذورها لا ترتبط مباشرة بالصراع بين الجيش والدعم السريع، وإنما بتوترات محلية داخل مناطق خاضعة منذ سنوات طويلة لنفوذ الحركة الشعبية.

وتشير روايات محلية إلى أن الأزمة تفاقمت بعد رفض قيادات من الأطورو نتائج ترسيم الحدود بين مناطق متنازع عليها، واستدعاء الحركة عدداً من الضباط والقيادات للتحقيق معهم، قبل أن يؤدي رفضهم المثول إلى اعتبارهم "متمردين"، لتتحول الأزمة تدريجياً من خلاف إداري ومحلي إلى مواجهة عسكرية.

وتكمن حساسية التطور في أن الأطورو ليست مجموعة من خارج البيئة الاجتماعية للحركة الشعبية، بل إحدى المجموعات المحلية في جبال النوبة، ولها أبناء خدموا في صفوف الجيش الشعبي التابع للحركة.

وبذلك، تواجه قيادة الحلو تحدياً مختلفاً عن المواجهة التقليدية مع الجيش السوداني: نزاعاً مسلحاً داخل منطقة ظلت لعقود تمثل عمقها الاجتماعي والجغرافي والعسكري.

كاودا.. أكثر من مدينة

وتفسر المكانة الاستثنائية لكاودا حدة الصراع عليها، فالمدينة ليست مجرد تجمع سكاني في جنوب كردفان، وإنما تمثل منذ سنوات طويلة المركز السياسي والإداري والعسكري الأهم للحركة الشعبية في جبال النوبة، وتضم مؤسساتها ومقارها ومنازل عدد من كبار قادتها، فضلاً عن مواقع تحمل رمزية تاريخية للحركة.

ومنذ الحرب الأهلية بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي القرن الماضي، تحولت جبال النوبة إلى واحدة من أصعب ساحات القتال بالنسبة إلى الجيش السوداني، بفعل طبيعتها الجبلية الوعرة والغطاء النباتي والظروف المناخية القاسية.

وانضم آلاف من أبناء المنطقة إلى الحركة الشعبية خلال تلك الحرب، وبرز يوسف كوة مكي باعتباره أحد أبرز قادتها في جبال النوبة.

وبعد وفاة كوة، برز عبد العزيز الحلو في قيادة الحركة بالمنطقة، قبل أن تؤدي التحولات التي أعقبت اتفاق السلام الشامل عام 2005، ثم انفصال جنوب السودان في 2011، إلى نشوء الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال واستمرار الحرب بينها وبين الحكومة السودانية.

وفي السنوات اللاحقة، عصفت بالحركة انقسامات سياسية وقيادية، انتهت إلى قيادة الحلو جناحاً رئيسياً منها، بينما سلك قادة سابقون مسارات سياسية مختلفة، من بينهم مالك عقار، الذي أصبح نائباً لرئيس مجلس السيادة، وياسر عرمان الذي يقود حالياً ما يعرف بالحركة الشعبية لتحرير السودان- "التيار الثوري".

حرب قديمة داخل حرب أكبر

جاءت أزمة كاودا بينما أصبحت جنوب كردفان واحدة من ساحات الصراع المتداخلة في الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023.

ويحتفظ الجيش السوداني بنفوذ في عدد من المدن الرئيسية بالولاية، في مقدمتها كادوقلي والدلنج، فيما تسيطر الحركة الشعبية على مناطق واسعة في جبال النوبة.

وأحدث تحالف الحركة بقيادة الحلو مع قوات الدعم السريع تحولاً مهماً في خريطة الصراع، إذ بات الطرفان يعملان ضمن تحالف سياسي وعسكري في مواجهة السلطة التي يقودها الجيش.

وفي الوقت نفسه، أصبحت كردفان بأقاليمها الثلاثة إحدى أهم ساحات الحرب، نظراً إلى موقعها الذي يربط وسط السودان ودارفور وجنوب البلاد، وتعدد طرق الإمداد والمحاور العسكرية التي تمر عبرها.

ولهذا، فإن استمرار الاضطرابات داخل مناطق سيطرة الحركة الشعبية قد تكون له انعكاسات تتجاوز النزاع المحلي، خصوصاً إذا اضطر الجيش الشعبي إلى تحويل مزيد من قواته وموارده إلى مواجهة تمرد داخلي بدلاً من استخدامها في جبهاته الأخرى.

موارد هائلة وتنمية غائبة

وتكشف المواجهات الحالية أيضاً مفارقة ظلت ملازمة لجنوب كردفان لعقود: ولاية غنية بالموارد الطبيعية لكنها من أكثر مناطق السودان تأثراً بالحروب وضعف التنمية.

وتتميز المنطقة بأراضٍ زراعية واسعة ومراعٍ وموارد مائية، إلى جانب الثروة الحيوانية واحتياطات الذهب والنفط، فيما تسمح طبيعتها المناخية بإنتاج محاصيل وفواكه متنوعة.

لكن عقوداً من الحرب منذ ثمانينيات القرن الماضي أضعفت البنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية، ودفعت أعداداً كبيرة من السكان إلى النزوح مراراً.

كما ظلت النزاعات على الأرض والموارد وترسيم الحدود بين المجتمعات المحلية أحد مصادر التوتر، وهي الخلفية ذاتها التي خرجت منها الأزمة الحالية قبل أن تتحول إلى مواجهة عسكرية.

وبينما يخوض السودان حرباً واسعة دخلت عامها الرابع، يضيف القتال في كاودا طبقة جديدة إلى مشهد الصراع المعقد: نزاع محلي على الأرض والسلطة تحول إلى تمرد داخل واحد من أقدم التنظيمات المسلحة في البلاد، وفي منطقة ظلت طوال عقود إحدى أكثر ساحات السودان استعصاءً على الحسم العسكري.

تصنيفات

قصص قد تهمك