زيارة رئيس الصين إلى مصر.. شراكة أوسع واختبار لتوازن القوى | الشرق للأخبار
خاص

زيارة الرئيس الصيني إلى مصر.. شراكة أوسع واختبار لتوازن القوى

خبراء لـ"الشرق": القاهرة تراهن على تكنولوجيا واستثمارات بكين دون التخلي عن واشنطن وموسكو

  • 19.52 مليار دولار حجم التبادل التجاري بين مصر والصين في 2025
  • استثمارات صينية تتجاوز 8 مليارات دولار وأكثر من 2800 شركة تعمل في مصر
  • خبراء: القاهرة تسعى لتنويع الشراكات دون الانحياز إلى قوة دولية واحدة
  • التكنولوجيا والصناعة والطاقة والدفاع في صدارة مجالات التعاون المرشحة للتوسع
  • التنافس الأميركي الصيني يضع مصر أمام فرص للمناورة وتحديات للحفاظ على التوازن
الرئيس الصيني شي جين بينج خلال مراسم استقبال نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في بكين. 29 مايو 2024 - Reuters
الرئيس الصيني شي جين بينج خلال مراسم استقبال نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في بكين. 29 مايو 2024 - Reuters

بعد 10 سنوات من آخر زيارة له إلى مصر، يصل الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة، الثلاثاء، في رحلة تعكس تنامي العلاقات بين البلدين وجهود "تعزيز الشراكة الاستراتيجية" بينهما في مختلف المجالات، وذلك بالتزامن مع مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية.

ومع سعي القاهرة إلى توطيد علاقاتها مع القوى الدولية وتنويع شراكاتها، تأتي زيارة شي في توقيت تتزايد فيه المنافسة بين القوى الكبرى، ما يطرح تساؤلات بشأن ما يمكن أن تجنيه مصر من تعميق العلاقة مع الصين، وكيفية الحفاظ في الوقت نفسه على توازن علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا. 

وقال خبراء مصريون وصينيون لـ"الشرق" إن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تمثل "محطة مهمة" تعكس تقاطع المصالح بين الطرفين، فبينما يسعى "المارد الصيني" إلى توثيق صلاته مع القاهرة بوصفها "حارس البوابة" وشرياناً حيوياً للتجارة العالمية، تجد مصر في بكين شريكاً استراتيجياً يعزز تنويع خياراتها في المجالات المختلفة، لافتين إلى أن مسار العلاقات بين البلدين تطور بالفعل من مجرد تعاون تجاري إلى شراكة شاملة.

مسار تصاعدي

ووصف عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع والباحث في الاقتصاد الصيني، وليد جاد الله، العلاقات المصرية الصينية بأنها "تاريخية"، مشيراً إلى أنها اتخذت مساراً تصاعدياً خلال السنوات الأخيرة، إذ إن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 19.52 مليار دولار خلال عام 2025، فضلاً عن استثمارات صينية في مصر تجاوزت قيمتها 8 مليارات دولار، مع وجود أكثر من 2800 شركة صينية تعمل في مصر.

واعتبر جاد الله، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن زيارة الرئيس الصيني "لا تبدأ من الصفر"، وإنما تبني على ما تحقق من تطور في العلاقات بين البلدين، متوقعاً أن تواكبها إعلانات لتعزيز التعاون في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية، وربما الدفاعية أيضاً.

وأوضح أن مصر تتطلع إلى مزيد من التعاون مع الجانب الصيني، خصوصاً أن بكين تقدم نموذج تعاون "أخف قيوداً وأكثر انفتاحاً على نقل التكنولوجيا دون إقحام الأمور السياسية في الشأن الاقتصادي".

وتوقع جاد الله نمو الوجود الصيني في مصر، لا سيما في قطاعات الصناعة ذات البعد التكنولوجي، مثل صناعة السيارات الكهربائية وبطارياتها، والخلايا الشمسية وغيرها من منتجات الطاقة النظيفة، إلى جانب صناعة الإلكترونيات ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن التوسع في التعاون القائم بالفعل بين البلدين في مجال صناعات الغزل والنسيج وغيرها من أوجه التعاون.

وأشار إلى أن الاستثمارات الصينية تدعم بالفعل الاقتصاد المصري، إلا أن تأثيرها سيرتفع إذا تزايد وجودها في القطاع الصناعي بدلاً من التركيز على قطاع البنية التحتية، قائلاً إن مصر "متعطشة جداً" لتحفيز نمو قطاعها الصناعي وتعميقه للحد من الواردات في ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.

"شراكة استراتيجية"

واعتبر زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية في مصر، اللواء سيد غنيم، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن توقيت زيارة شي جين بينج إلى مصر، بعد 10 سنوات من آخر زيارة له، يكتسب أهمية خاصة في ظل تطور العلاقات المصرية الصينية من شراكة اقتصادية إلى شراكة استراتيجية تشمل السياسة والدفاع والتكنولوجيا.

ويرى غنيم أن الصين تمنح مصر، سياسياً ودبلوماسياً، هامش حركة أوسع في النظام الدولي، وتدعم قدرتها على تنويع شراكاتها وعدم الارتهان لقوة واحدة، كما تستطيع القاهرة الاستفادة من ثقل بكين داخل مجلس الأمن الدولي وفي قضايا الشرق الأوسط، خصوصاً القضية الفلسطينية وأمن البحر الأحمر والممرات البحرية.

وأضاف أن العلاقة مع بكين يمكن أن تتطور إلى شراكة استراتيجية طويلة المدى في التكنولوجيا والصناعة والطاقة والبنية الأساسية، مشيراً إلى أن الصين أصبحت بالفعل أكبر شريك تجاري لمصر، إلى جانب استراتيجية تعاون تنموي مشتركة (2025–2029)، وبرنامج لمبادلة الديون بالتنمية.

ولفت غنيم إلى أن الصين تمتلك ميزة تنافسية مهمة يصعب تجاهلها، إذ تستطيع الشركات الصينية في كثير من الحالات العمل ضمن منظومة متكاملة تضم التكنولوجيا والتمويل والبنوك والتسهيلات الحكومية، بما يسمح بتقديم عروض تجمع بين التمويل والتنفيذ والتكنولوجيا، وهي "ميزة جذابة للدول النامية"، بحسب وصفه.

تنويع مصادر الاستثمار

من جانبه، قال مندوب مصر السابق لدى الأمم المتحدة، السفير معتز أحمدين خليل، لـ"الشرق"، إن مصر تعتمد على تنويع مصادر الاستثمار في المجال الاقتصادي بين الدول والمؤسسات الغربية التي تضع شروطاً اقتصادية تتعلق بالإصلاح الاقتصادي والسياسات المالية، والدول الخليجية الأكثر مرونة، إلى جانب روسيا والصين اللتين تتسم استثماراتهما بـ"مرونة أكبر وشروط سياسية أقل".

وأشار خليل إلى أن من أبرز أمثلة اعتماد مصر على الدول المنافسة للغرب في الاستثمار، مشاركة الشركات الصينية في مشروعات العاصمة الإدارية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وميناء العين السخنة، إلى جانب الاتفاق مع شركة "روساتوم" الروسية لبناء مفاعلات محطة الضبعة النووية.

الوضع الأفضل للقاهرة هو تنويع الشراكات دون تغيير المعسكر

الخبير العسكري اللواء سيد غنيم

في السياق ذاته، قال جاد الله إن نموذج التعاون الصيني يقوم على مبدأ "الجميع رابح"، إذ تقدم الصين فرص تعاون ذات مزايا تنافسية جداً، وهو ما تحتاجه القاهرة، التي "لم يعد ممكناً أن يعتمد اقتصادها على الغرب فقط"، مضيفاً أن السير على خط التوازن بين الشرق والغرب "دقيق جداً".

وأوضح جاد الله، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن القاهرة، إلى جانب تعاونها مع الصين، لديها برنامج تعاون كبير مع الاتحاد الأوروبي، الذي من المتوقع أن يدعمها بنحو 3.5 مليار دولار خلال العام المالي الجاري لسد فجوتها التمويلية، كما أن علاقاتها مع الولايات المتحدة جيدة، مستشهداً بوجود مصر في قائمة الدول الأقل تأثراً بالرسوم الجمركية عند دخول منتجاتها إلى السوق الأميركية.

بدوره، قال الخبير في الاقتصاد السياسي، كبير الباحثين في مركز الابتكار الدولي للحوكمة الصينية CIGI في بكين، إينار تانجين، إن بكين لا تطلب من القاهرة الاختيار بين الصين والولايات المتحدة أو روسيا، معتبراً أن الصين تقدم تعاوناً يقوم على المصالح ويمكن التنبؤ به.

التوازن بين القوى

وسبق أن مارست الولايات المتحدة ضغوطاً مكثفة على جميع حلفائها، بما فيها مصر وكوريا الجنوبية ودول الاتحاد الأوروبي، خلال ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأولى، لثنيها عن التعامل مع شركة "هواوي" الصينية في إنشاء شبكات اتصال الجيل الخامس 5G.

لكن ذلك لم يمنع مصر من استكمال عقودها الحكومية مع شركة "هواوي"، وكذلك استكمال عقود شركات الاتصالات الخاصة العاملة في مصر مع الشركة الصينية، مع محاولة المزج بين المكونات الغربية والصينية في العقود الجديدة، حسبما أشار مندوب مصر السابق لدى الأمم المتحدة، السفير معتز أحمدين خليل، لافتاً إلى أن الدول الأوروبية اتبعت النهج نفسه، وإن كانت قد قيدت التعامل مع الشركة الصينية تدريجياً.

وتوقع خليل، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن تتبع مصر الأسلوب نفسه بشأن المنافسة بين الولايات المتحدة والصين حول بنية مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن الصين "تتمتع بميزة نسبية في هذا المجال"، مستشهداً ببلوغ المفاوضات المصرية الصينية بشأن صفقة مركز البيانات الحكومي المصري مرحلة متقدمة، في حين لم تقدم الشركات الأميركية عرضاً محدداً حتى الآن، وإن حثتها إدارة الرئيس ترمب على ذلك.

في السياق نفسه، أكد اللواء سيد غنيم، زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية في مصر، أن التقارب مع الصين سيظل ضرورياً في الجانب الاقتصادي والتكنولوجي، "دون إثارة حساسية الولايات المتحدة أو الإضرار بالعلاقات الاستراتيجية معها، خصوصاً في القطاعات الحساسة".

ويرى غنيم أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا "قد يؤدي إلى زيادة قدرة دول مثل مصر على المناورة، بشرط إدارة هذا التوازن بحذر حتى لا يتحول التنويع إلى سبب لصدام سياسي أو عقوبات أو قيود على الوصول إلى التكنولوجيا الغربية".

وتؤكد التطورات الأخيرة، بحسب غنيم، أن المنافسة الأميركية الصينية لم تعد نظرية، إذ أصبحت مصر إحدى ساحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي، مع عرض "هواوي".

تشابكات غير مسبوقة

وتوقع الخبير الاقتصادي وليد جاد الله، في حديثه لـ"الشرق"، ظهور تفاصيل كثيرة بعد الزيارة، لافتاً إلى أن القاهرة، بالتوازي مع موازنتها للعلاقة بين الصين والولايات المتحدة، تتابع أيضاً الوجود الصيني والأميركي في إثيوبيا والقرن الإفريقي، وسط حالة من التشابكات السياسية والاقتصادية غير المسبوقة في المنطقة، وهو ما تنخرط فيه مصر.

وفي قراءة مختلفة لأبعاد الشراكة المصرية الصينية، يرى الخبير الصيني، إينار تانجين، أن أهمية مصر بالنسبة إلى بكين تتجاوز حجم التجارة والاستثمارات، لتشمل موقعها الاستراتيجي وقناة السويس والبنية التحتية والتكنولوجيا، فضلاً عن دورها في منح الصين منفذاً إلى أسواق إفريقيا وأوروبا.

وأضاف تانجين، وهو أيضاً مدير مركز أخلاقيات الأعمال بجامعة الأعمال والاقتصاد الدولي UIBE في بكين، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن الأمر لا يتعلق فقط بحجم التجارة، مشيراً إلى أن قناة السويس تمثل شرياناً حيوياً للصين، إذ تمر عبرها أكثر من 60% من شحناتها المتجهة إلى الاتحاد الأوروبي.

وأضاف أن بكين تنظر إلى مصر باعتبارها "حارس البوابة"، وليس مجرد نقطة عبور، فضلاً عن اعتبارها "موقعاً يتحكم في نقطة اختناق استراتيجية تسعى إلى التأثير فيها"، موضحاً أن ذلك يفسر الاستثمارات الصينية في الموانئ، مثل ميناء العين السخنة، وممرات الخدمات اللوجستية، ليس فقط لنقل البضائع، وإنما أيضاً لامتلاك نفوذ تشغيلي في حال تعرضت حركة الشحن العالمية لاضطرابات.

واختتم حديثه لـ"الشرق" بالتأكيد على أن "سياسة التوازن التي تنتهجها القاهرة تصب في مصلحة بكين"، إذ إن "حفاظ مصر على علاقات متوازنة مع مختلف القوى يتيح لها الاستفادة من تعدد الشراكات والحفاظ على هامش أوسع للمناورة، بما يعزز في الوقت نفسه قدرة الصين على أداء دور مهم ضمن شبكة شراكات مصر مع القوى الكبرى".

التعاون العسكري

وفي المجال العسكري والتعاون الدفاعي، رأى غنيم، وهو أيضاً أستاذ زائر لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو) والأكاديمية العسكرية الملكية ببروكسل، أن العلاقات المصرية الصينية انتقلت بالفعل إلى مستوى دفاعي أكبر، من خلال المناورات الجوية المشتركة مثل "نسور الحضارة"، وتوسع التعاون العسكري، مع وجود مؤشرات معلنة على اهتمام مصري بمقاتلات صينية متقدمة.

ويقول غنيم إن الأفضل لمصر هو استخدام الصين للتنويع ونقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك، لكنه شدد على أنه لا يمكن استبدال الصين بالولايات المتحدة أو روسيا.

ولفت إلى أن سوق السلاح يشهد تغيرات تدفع نحو البحث عن بدائل إضافية، معتبراً أن بعض المعدات العسكرية الروسية فقدت جزءاً من جاذبيتها نتيجة أدائها ونتائجها العملياتية في الحرب الأوكرانية، وما كشفته من نقاط ضعف في بعض المنظومات التي كانت تتمتع بسمعة كبيرة، على حد قوله.

من جهة أخرى، أشار إلى أن المعدات الأميركية تظل مرتفعة التكلفة، فضلاً عن أن الاعتماد عليها يرتبط بدرجة من عدم اليقين السياسي، حيث يمكن أن تتأثر الصفقات أو الذخائر أو الدعم الفني بتغير توجهات الإدارة الأميركية.

وأضاف غنيم أن بعض الدول في الشرق الأوسط تواجه قيوداً على مستويات ونوعية التسليح المتاح لها مقارنة بما تحصل عليه إسرائيل، وهو ما يعزز الحاجة إلى بدائل مثل كوريا الجنوبية واليابان وغيرهما، وربما الصين في بعض المجالات.

وفي ما يتعلق بكيفية حفاظ مصر على التوازن بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، قال غنيم إن الوضع الأفضل للقاهرة هو "تنويع الشراكات دون تغيير المعسكر".

وأوضح أن الولايات المتحدة تظل مهمة جداً لمصر بسبب التسليح والتدريب والتوافق العملياتي والعلاقات الاستراتيجية، بينما تحتفظ روسيا بأهمية في بعض منظومات التسليح والطاقة والتعاون العسكري، مشيراً إلى استمرار العلاقات المصرية الروسية العسكرية بما في ذلك التدريبات البحرية المشتركة.

وتابع: "يجب أن تتعامل مصر مع التنافس الأميركي الصيني والروسي باعتباره مساحة للمناورة، مع تجنب أن تكون طرفاً فيه، بحيث تتعاون مع الصين من أجل تحقيق مكاسب في التكنولوجيا والاستثمار والتصنيع والدفاع، مع الحفاظ على الشراكة الأميركية التي يصعب تعويضها، فضلاً عن الإبقاء على قنوات التعاون مع روسيا في المجالات التي تخدم المصالح المصرية، وتجنب الاعتماد المفرط على أي طرف".

وخلص غنيم إلى أن "هذه السياسة تتيح لمصر الابتعاد عن أن تكون طرفاً في الاستقطاب، مع بقائها دولة توازن بين القوى الكبرى بما يسمح لها بالحصول على أفضل ما تقدمه هذه القوى دون أن تصبح رهينة لأي منها".

تصنيفات

قصص قد تهمك