أوروبا تسعى للاستقلال التكنولوجي وسط تحذيرات دفاعية | الشرق للأخبار

خطة أوروبية لتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية تثير مخاوف دفاعية

صورة جماعية قبل اجتماع غير رسمي لوزراء دفاع الاتحاد الأوروبي بمشاركة مسؤولة السياسة الخارجية في التكتل كايا كالاس في نيقوسيا بقبرص. 8 يونيو 2026 - REUTERS
صورة جماعية قبل اجتماع غير رسمي لوزراء دفاع الاتحاد الأوروبي بمشاركة مسؤولة السياسة الخارجية في التكتل كايا كالاس في نيقوسيا بقبرص. 8 يونيو 2026 - REUTERS

يعارض مسؤولون دفاعيون أوروبيون مساعي بروكسل لتقليص الاعتماد على عمالقة التكنولوجيا الأميركيين، محذرين من أن هذه الخطوة قد تترك أوروبا أمام أنظمة أقل تطوراً، ومخاطر سيبرانية أكبر، وصعوبات في تنسيق العمليات مع أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وفق صحيفة "فاينانشيال تايمز".

وفي وقت تسارع فيه أوروبا لإعادة بناء قدراتها العسكرية في مواجهة ما تصفها بـ"التهديدات الروسية" وتراجع انخراط واشنطن، يُقر مسؤولون أمنيون بأن اعتماد القارة على شركات مثل "جوجل" و"أمازون" و"مايكروسوفت" يمثّل نقطة ضعف جيوسياسية.

ورداً على ذلك، اقترحت المفوضية الأوروبية قانوناً جديداً يحظر استخدام التكنولوجيا الأجنبية في أكثر الأنظمة الأوروبية حساسية.

لكن مسؤولين دفاعيين بارزين في الاتحاد الأوروبي، وعدداً من شركات الدفاع الأوروبية، يرون أن اللجوء إلى تكنولوجيا أوروبية أقل تطوراً قد يزيد المخاطر التي تواجه القارة، مقدّرين أن الولايات المتحدة تتقدم بنحو 8 إلى 10 أعوام في منصات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي المخصصة للدفاع.

وقال أحد المسؤولين في تصريحات لـ"فاينانشيال تايمز": "ما زلنا نشتري الكثير من المعدات الأميركية، بصراحة، لأننا سنكون أقل أماناً إذا لم نفعل".

قانون أوروبي جديد للسيادة الرقمية

ويُلزم مشروع "قانون تطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي" (Cloud and AI Development Act)، الذي قدمته المفوضية الأوروبية في يونيو، الدول الأعضاء بتقييم مدى حساسية كل خدمة من خدمات القطاع العام، على أن يفرض أعلى مستويات التصنيف استخدام التكنولوجيا المحلية حصراً.

وتُقدّر المفوضية الأوروبية أن نحو 1% فقط من الخدمات العامة في القارة سيستوفي الشروط اللازمة للوصول إلى أعلى مستوى من السيادة التقنية.

وتابعت: "يضع الإطار الدول الأعضاء في موقع القيادة، إذ ستحدد كل دولة، بناءً على مدى أهمية نشاط معين في القطاع العام، مستوى ضمان السيادة المطلوب".

لكن مسؤولين دفاعيين ومديرين تنفيذيين في القطاع قالوا إنهم يخشون أن تمنع القواعد الجيوش الأوروبية من استخدام مزودي الحوسبة السحابية الأميركيين الكبار في بعض أكثر عملياتها حساسية، قبل أن تصبح البدائل الأوروبية قادرة على الحلول محلهم.

وقال أحد المسؤولين التنفيذيين في قطاع الدفاع الأوروبي: "لقد اشترت أوروبا بالفعل وركّبت أنظمة تعتمد على شركات التكنولوجيا الأميركية، ومن المستحيل استبدالها من دون تعريض المنظومة بأكملها للخطر".

وأضاف المسؤول التنفيذي: "بالطبع، نريد جميعاً بدائل محلية في أسرع وقت ممكن، لكن الكثير من الأسلحة التي نحتاج إليها يومياً لن تعمل ببساطة من دون البنية التقنية الأميركية التي تعتمد عليها".

وقال دبلوماسي أوروبي إنهم يعتبرون أن المستوى الأشد صرامة من المتطلبات "غير واقعي"، مضيفاً: "لا شركة، أميركية كانت أم أوروبية، قادرة حالياً على تلبية هذا المستوى".

وبحسب أشخاص مطلعين على المناقشات، بدأت بعض شركات التكنولوجيا الأميركية بالفعل مناقشة التشريع المقترح مع وزراء دفاع ومسؤولين في حلف الناتو.

أوروبا بين الاستقلال التقني والحاجة إلى السرعة

ويرى مؤيدو نهج المفوضية أن مزودي التكنولوجيا الأوروبيين سيواجهون صعوبة في توسيع أعمالهم ما لم تخلق الحكومات طلباً كافياً على خدماتهم، وأن فرض متطلبات السيادة يمكن أن يساعد في إنشاء سوق محلية لمزودي خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.

وفي يوليو، أعلنت شركة "إيرباص" (Airbus) الأوروبية للطيران والدفاع أنها ستنقل بعض تطبيقاتها الأكثر حساسية من خدمات الحوسبة السحابية لشركة "أمازون ويب سيرفيسز" (AWS) إلى شركة "سكالواي" (Scaleway) الفرنسية.

وقالت وزيرة الخارجية الفنلندية إلينا فالتونين لـ"فاينانشيال تايمز" إن هلسنكي تستعد لاحتمال لجوء موردين أجانب إلى استخدام "آلية تعطيل" لقطع قدرات الحوسبة الحيوية.

وأضافت فالتونين، خلال فعالية نظمها مركز "تشاتام هاوس" للأبحاث ومقره لندن، دون الإشارة إلى الولايات المتحدة: "قد تكتشف دولة لا تملك القدرة على تشغيل أنظمتها الأساسية بسلطتها الذاتية، أو من خلال شركاء تثق بهم، وفي اللحظة الخطأ تماماً، ما إذا كان الوصول الذي وُعدت به مضموناً بالفعل أم مشروطاً".

وتابعت: "ينبغي أن يكون هدفنا أكثر عملية: ليس امتلاك كل جزء من منظومة الذكاء الاصطناعي، بل ضمان ألا يكون هناك أي جزء حيوي يمكن ببساطة إيقافه".

قيود تهدد أنظمة التسليح

وقال مسؤولون في المفوضية الأوروبية أيضاً إن التفاوض على التشريع وإقراره وتنفيذه سيستغرق وقتاً، ما يمنح قطاعي الدفاع والحوسبة السحابية في أوروبا فرصة للحاق بالركب قبل بدء تطبيق المتطلبات الأكثر صرامة.

لكن مسؤولين دفاعيين وتنفيذيين في القطاع يشيرون إلى أن خدمات الحوسبة السحابية الأميركية أصبحت جزءاً أساسياً من بعض أحدث المنظومات العسكرية، ومنها المقاتلات الأميركية طراز F-35.

وقال الأمين العام للجمعية الأوروبية لصناعات الطيران والأمن والدفاع كاميل جراند: "هناك رغبة واضحة في الحصول على قدر أكبر من السيطرة على البيئة الرقمية للبرنامج، لكن لا توجد دولة مستعدة للتخلي عن مقاتلات F-35 لمجرد أنها تعمل على نظام حوسبة رقمية أميركية لا يمكن استبدالها بسهولة أو بالسرعة الكافية".

وأشار إلى أن الحكومات الأوروبية تدرك أن التخلي عن مزودي الخدمات السحابية والتكنولوجيا من خارج الاتحاد الأوروبي ليس عملية سهلة، مضيفاً: "خصوصاً في قطاع الدفاع، يظل عامل الوقت حاسماً. فالأمر يعتمد على حجم التحول المطلوب، وعلى مدى السرعة التي يُطلب بها تنفيذه".

مخاوف بشأن تعاون الناتو

ورجحت "فاينانشيال تايمز" أن القيود المفروضة على مزودي الخدمات السحابية الأميركيين ربما تؤدي أيضاً إلى تعقيد التنسيق بين جيوش الدول الحليفة، التي تعتمد بشكل متزايد على تبادل كميات هائلة من بيانات ساحة المعركة.

وفي هذا الإطار، قال جيمس أباتوراي، نائب مساعد الأمين العام للناتو للابتكار والهجين والأمن السيبراني: "لقد أصبحت ساحة المعركة رقمية. ولكي تتمكن دول الناتو من القتال معاً وتحقيق النصر، يجب أن تكون جميعها قادرة على تبادل البيانات بسلاسة وبسرعة".

وبحسب أشخاص مطلعين على المناقشات، تأتي أقوى معارضة لمتطلبات السيادة التقنية الصارمة من دول شرق أوروبا والدول الاسكندنافية.

ومن المتوقع أن تضغط عدة عواصم أوروبية لإدخال تعديلات على التشريع عندما تناقش دول الاتحاد الأوروبي المشروع خلال الأشهر المقبلة، فيما يعمل دبلوماسيون أوروبيون حالياً على إعداد مقترحاتهم التفصيلية.

تصنيفات

قصص قد تهمك