
كثيرون اجتهدوا في توصيف ما تمخضت عنه انتخابات سكسونيا-أنهالت، الولاية الألمانية الشرقية الصغيرة ذات الطابع الريفي، والتي لا يعرف منها على نطاق واسع سوى مدينتين يفوق عدد سكان كل منهما 200 ألف نسمة، هما العاصمة ماجديبورج ومدينة هالّه.
وبينما كان صحافيو الداخل الألماني يترقبون ما إذا كانت استطلاعات الرأي ستصدق في توقعاتها التي منحت حزب "البديل من أجل ألمانيا"، المصنف يمينياً متطرفاً، أكثر من 40% من الأصوات، كانت الصحافة الأجنبية تتابع المشهد من زاوية أوسع، سواء في أوروبا أو على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي أو في مناطق أخرى من العالم.
واعتبرت صحيفة لوموند الفرنسية هذه الانتخابات مؤشراً إلى نهاية حقبة هيمنة الأحزاب الألمانية التقليدية التي امتدت لنحو 80 عاماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتأسيس ألمانيا الحديثة.
أما شبكة CNN الأميركية فرأت أن النتيجة المرتفعة التي حققها حزب "البديل من أجل ألمانيا" تبدو وكأنها طرق قوي على أبواب الحكم في ألمانيا بأسرها، فيما خلصت هيئة الإذاعة البريطانية BBC إلى أن انتخابات 6 سبتمبر في ولاية سكسونيا-أنهالت قد تُحدث تحولاً في المشهد السياسي الألماني وتترك بصمة على تاريخ البلاد.
تدني شعبية المستشار وغيابه اللافت!
الآن، وبعد أن استقرت النتائج في الأذهان، انطلقت مختلف الأطراف المعنية في تحليلها وتعديل استراتيجياتها للتعامل مع هذا الحزب مستقبلاً، لا سيما أن انتخابات ولايتين أخريين ستُجرى في 20 سبتمبر، أي بعد أقل من أسبوعين.
وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس شبه غائب عن الحملة الانتخابية في هذه الولاية، إذ لم يشارك سوى في فعاليتين، قوبلتا بضعف الإقبال وعزوف كثيرين عن المشاركة، في تعبير عن تراجع شعبيته ورفض نهجه السياسي على نطاق واسع.
وانعكس ذلك سلباً على نتائج زميله في الحزب المسيحي الديمقراطي ورئيس وزراء الولاية، سفين شولتسه، ما دفع بعض الأصوات، وإن بحذر، إلى الدعوة للبحث عن شخصية أكثر جاذبية لشغل منصب المستشار.
لكن ميرتس، وفي معرض تحليله للنتائج أمام الصحافة في اليوم التالي للاقتراع، أكد استمراره في منصبه مستشاراً لألمانيا، مضيفاً أنه لا يتهرب من مسؤولياته في قيادة البلاد، حتى وإن قرأ رسالة الناخبين وفهم دلالاتها.
من جانبه، أشار الرئيس المشارك لحزب "البديل من أجل ألمانيا" على المستوى الاتحادي، تينو كروبالا، في تقييمه لفوز حزبه في هذه الولاية الصغيرة، إلى تعهد سابق لميرتس بخفض حصة الحزب من الأصوات إلى النصف. وقال ساخراً إن حزب البديل ضاعف نتائجه الانتخابية، فيما نجح في المقابل في خفض حصة الحزب المسيحي الديمقراطي إلى النصف تقريباً.
وتدعم النتائج شبه النهائية هذه المقولة، إذ ارتفعت حصة حزب "البديل من أجل ألمانيا" من 20.8% في انتخابات 2021 إلى 43.8% هذه المرة، بينما تراجعت حصة الحزب المسيحي الديمقراطي خلال الفترة نفسها من 37.1% إلى 17.2%.
سابقة تاريخية.. هل يحكم "البديل" سكسونيا-أنهالت؟
لم تكن هذه المرة الأولى التي يتصدر فيها حزب البديل نتائج انتخابات محلية، إذ سبق أن فعل ذلك قبل عامين في انتخابات ولاية تورينجن حين حصد 32.8% من الأصوات. إلا أن الأحزاب الأخرى، وفي مقدمتها الحزب المسيحي الديمقراطي، جاءت بفارق غير كبير، وتمكنت من تشكيل الحكومة من دون الحاجة إلى أصوات حزب البديل.
لكنها المرة الأولى التي يكاد فيها الحزب أن يحقق أغلبية مطلقة، إذ لم تفصله عنها سوى نسبة محدودة من الأصوات وعدد قليل من المقاعد، فيما تشرذمت الأحزاب التقليدية التي اعتادت حكم الولاية منذ إعادة توحيد ألمانيا عام 1990. وبينما فشل الحزب الديمقراطي الحر في تجاوز عتبة الـ5% اللازمة لدخول البرلمان، لم يحصد الحزب الاشتراكي الديمقراطي سوى 9.3% من الأصوات، فيما جاءت نسبة الخضر أقل بقليل. وحتى مع دعم محتمل من حزب اليسار، الذي حصل على 8.6%، فإن هذه القوى لن تمتلك عدداً كافياً من الأصوات لتشكيل ائتلاف حكومي قوي.
وعلى الرغم من عدم حصوله على الأغلبية المطلقة، قد تكون الفرصة حانت أمام حزب البديل اليميني المتطرف لقيادة حكومة إحدى الولايات الألمانية للمرة الأولى. وسيحتاج الحزب إلى دعم تحالف سارا فاجنكنشت (BSW)، الذي حصل على 5.3% من الأصوات. إذ إن امتناع نواب التحالف عن التصويت لأي مرشح لرئاسة حكومة الولاية قد يتيح لأولريش سيجموند، أبرز قيادات الحزب في سكسونيا-أنهالت، الفوز بأغلبية المقترعين في الجولة الثالثة من التصويت. غير أن هذه الحسابات تبقى معقدة، ومن المبكر الجزم بنتائجها، خصوصاً أن عملية تشكيل الحكومة قد تستغرق وقتاً ليس بالقصير.
متغيرات في مزاج الناخب
وعلى الرغم من تصنيف جهاز حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية الألمانية) حزب البديل في سكسونيا-أنهالت حزباً متطرفاً بشكل مؤكد، إلا أنه حظي بتأييد نحو نصف الناخبين، وهو ما تعود إليه عوامل عدة.
فقد أظهرت دراسات ميدانية، من بينها دراسة أُجريت لصالح القناة الألمانية الأولى، أن 91% من سكان الولاية يرون أن عدد الأجانب والمهاجرين أكبر مما ينبغي، فيما اعتبر 89% منهم أن الوضع الاقتصادي سيئ في ظل ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة تراوح بين 30% و40% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب في أوكرانيا.
كما عبّر 67% من المشاركين في الدراسة عن رفضهم سياسة عزل حزب البديل التي تنتهجها الأحزاب التقليدية. ويضاف إلى ذلك استياء شريحة واسعة من الناخبين من أداء المستشار الألماني، ومن أداء ممثل الحزب الحاكم في الولاية سفين شولتسه.
وفي المقابل، برز نجم المرشح الشاب لحزب البديل أولريش سيجموند في الفعاليات الجماهيرية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما "تيك توك". كما اتسم خطابه بقربه من هموم الناخبين وإظهاره قدراً من التعاطف مع مشكلاتهم.
ولابد هنا من الإشارة، إلى أن سكسونيا-أنهالت من بين الولايات الشرقية الخمس التي انضمت لألمانيا عند استعادة وحدتها عام 1990.
وفي الشرق، لا يزال هناك شعور بالغبن وبأن المواطنين لم يحصلوا على كامل حقوقهم أسوة بأقرانهم في الغرب. ويصب ذلك في مصلحة حزب "البديل من أجل ألمانيا"، الذي يسعى إلى تقديم نفسه متحدثاً باسم الألمان الشرقيين.
كما أن للخطاب اليميني الشعبوي الذي يميّز حزب "البديل من أجل ألمانيا" تأثيراً واضحاً، إذ يتجاوز الوقائع والأرقام ويسهم في إذكاء مشاعر العداء والانقسام، كما يحدث في ملف الهجرة. فالأجانب لا يشكلون سوى نحو 9% من سكان ولاية سكسونيا-أنهالت، وهي نسبة متدنية مقارنة بولايات أخرى مثل شمال الراين-وستفاليا أو برلين.
الضغط يزداد على ميرتس وحكومته
لا يمكن للمستشار فريدريش ميرتس وشريكه في الائتلاف الحاكم، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، على المستوى الاتحادي تجاهل ما جرى، حتى وإن كان في ولاية صغيرة ويخص شريحة من الناخبين لا تتجاوز 1.8 مليون نسمة.
وعلى الرغم من تأكيد الائتلاف الحاكم المضي قدماً في مشاريع إصلاح النظام الاجتماعي والاقتصاد الألماني لتلبية احتياجات المستقبل، يطالب الحزب الاشتراكي الديمقراطي بتعديلات تستجيب لاعتراضات قطاعات واسعة من المواطنين بشأن تأخير سن التقاعد والتشديد على حق الحصول على الإجازات المرضية. كما دعت مانويلا شفيزيج، رئيسة وزراء ولاية مكلنبورج-فوربومرن، إلى ضبط أسعار الوقود والمحروقات وعدم تركها رهينة لشركات النفط.
ويرى ممثلو المجتمع المدني والمؤسسات الكنسية أن مواجهة حزب "البديل" لا تكون إلا عبر التصدي للقضايا التي يطرحها، وفي مقدمتها الهجرة وتباطؤ الاقتصاد، ومعالجتها على أسس عقلانية تختلف عن طرح الحزب، بما يحافظ على مبادئ العدالة والسلم الاجتماعي، ومن دون إثارة مشاعر العداء تجاه فئات بعينها من المجتمع.
وقد تكون هذه أولى ردود الفعل على ما أثارته نتائج انتخابات سكسونيا-أنهالت من جدل وقلق وحراك داخلي داخل الأحزاب، لكن ثمة حاجة إلى مزيد من المراجعات إذا استمر تراجع الأحزاب التقليدية وصعود اليمين المتطرف.
بانتظار بارقة أمل من ولايتي برلين ومكلينبورج-فوربومرن
وعلى الرغم من هذه الضربة القاسية، تتجه الأنظار إلى استحقاق انتخابي جديد بعد نحو عشرة أيام في ولايتي برلين ومكلنبورج-فوربومرن.
وفي مكلنبورج-فوربومرن، يظهر اليمين المتطرف متجهاً نحو حصد نحو 35% من الأصوات وفق استطلاعات الرأي، فيما قد تحصل مانويلا شفيزيج على نحو 32%، ما يرجح قدرتها على تشكيل ائتلاف حكومي جديد والبقاء في منصبها رئيسة للوزراء. وتُعد شفيزيج من الشخصيات السياسية القوية القادرة نسبياً على الحد من تمدد حزب "البديل".
أما في برلين، ومع غياب الشخصيات البارزة لدى معظم الأحزاب، فإن الأحزاب نفسها تبدو أكثر تجذراً. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الاتحاد المسيحي الديمقراطي سيحل أولاً، يليه حزب اليسار، ثم حزب "البديل من أجل ألمانيا" بنحو 18% فقط.
هزة الانتخابات المحلية تبحث عن هزات ارتدادية
إذا تمكن حزب "البديل من أجل ألمانيا" في نهاية المطاف من تشكيل حكومة في ولاية سكسونيا-أنهالت، فمن المرجح أن يكتشف أن صلاحيات حكومة الولاية لا ترقى إلى مستوى وعوده الانتخابية. فمسؤولياتها تتركز أساساً على التعليم والثقافة والصحة والأمن الداخلي، وهي ملفات مكلفة تتطلب تمويلاً لا يتوافر بالقدر الكافي في هذه الولاية الفقيرة نسبياً.
أما إذا لم يتولَّ الحزب الحكم، فسيعزز ذلك من أطروحته القائلة إن الأحزاب الأخرى تتكتل لعزله، بما يسمح له بتقمص دور الضحية سياسياً، على أمل حصد نسب تأييد أعلى في ولايات أخرى، بما في ذلك بعض الولايات الغربية، أو حتى في سكسونيا-أنهالت نفسها إذا اضطرت الولاية إلى إعادة الانتخابات نتيجة الفشل في تشكيل حكومة.
وبعيداً عن تداعيات مباشرة ودراماتيكية، مثل إطاحة المستشار أو تغيير نهج الحكومة الاتحادية، يبقى هذا الصعود اللافت لليمين المتطرف بمثابة هزة في النظام السياسي الألماني. وقد تبدو آثارها محدودة في المدى القريب، لكنها مرشحة لأن تترك ارتدادات سياسية أوسع في المستقبل.
* كاتب صحافي متخصص في الشؤون الألمانية ومدير مركز برلين للإعلام










