
كشف تحقيق لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تلقى تحذيراً مباشراً قبل نحو أسبوع ونصف من هجوم 7 أكتوبر 2023، بشأن استعداد زعيم حركة "حماس" في غزة آنذاك يحيى السنوار، لتنفيذ "عملية كبيرة" ضد إسرائيل، لكنه لم ينقل التحذير إلى قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية.
واستند تحقيق "هآرتس"، الذي أعده الصحافيان شلومي إلدار وروث يوفال، إلى عشرات المصادر في إسرائيل وخارجها، بينهم مسؤولون رفيعو المستوى، إلى جانب تسجيلات ووثائق داخلية ومراسلات، لتتبع سلسلة من الاتصالات والتحذيرات التي سبقت الهجوم.
ويرسم التحقيق صورة لإخفاقات إسرائيلية سبقت 7 أكتوبر 2023، بدءاً من قناة اتصالات سرية بين إسرائيل و"حماس" بشأن "هدنة طويلة الأمد"، مروراً برسائل نُسبت إلى السنوار حذّر فيها من "مفاجأة هائلة" و"زلزال"، وصولاً إلى تحذير نتنياهو، الذي قالت الصحيفة إن رئيس "الموساد" ورئيس "الشاباك" ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي لم يكونوا على علم به.
وبحسب الصحيفة، فإن الحكومة الإسرائيلية تجاهلت عرضاً من قطر، بشأن استعداد حركة "حماس" لإطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين المدنيين، في مساء أول أيام الهجوم.
نص تحقيق "هآرتس" بشأن تحذير نتنياهو قبل هجوم 7 أكتوبر
كانت تلك الأيام الأخيرة من سبتمبر 2023، هجمات إرهابية تؤجج الأوضاع في الضفة الغربية، وحشود من سكان غزة تتظاهر بانتظام عند السياج الحدودي، وبلاد تترنح تحت وطأة صراع داخلي بشأن قوانين الانقلاب القضائي. وكان بمقدور أيّ شخص يتابع الأحداث بعين بصيرة أن يستشعر تصعيداً يتربص عند كل منعطف.
كان رئيس دولة الإمارات، الشيخ محمد بن زايد، قلقاً على نحو خاص. ويروي الرئيس إسحاق هرتسوغ، الذي تربطه بمحمد بن زايد علاقات ودية: "تحدث معي كثيراً عن هذا الأمر خلال الأشهر التي سبقت الحرب. وكان يبعث باستمرار برسائل مفادها ضرورة نزع فتيل التوتر. بل أرسل مبعوثاً خاصاً إلى إسرائيل التقى رئيس الوزراء. بدا أن الشيخ يستشعر أن المنطقة على شفا انفجار".
وكان الشيخ محمد بن زايد يتحدث أيضاً مباشرة مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وكانت هذه المحادثات تجري وفق ترتيبات ثابتة: يأتي ممثل عن السفارة الإماراتية إلى مكتب رئيس الوزراء، حاملاً جهاز هاتف خاصاً يضمن سرّية الاتصال.
لكن الاتصال الذي بادر إليه الرئيس الإماراتي هذه المرة كان غير اعتيادي. فقبل 7 أكتوبر 2023 بأسبوع ونصف الأسبوع، اتصل الشيخ محمد بن زايد بنتنياهو من القصر الرئاسي في أبوظبي، وتحدّث معه طوال 45 دقيقة.
وخلال تلك المحادثة، حذر الشيخ محمد بن زايد من أن زعيم حماس في غزة، يحيى السنوار، يخطط لعملية كبيرة ضد إسرائيل. وأعرب عن قلقه من أن الحدث المرتقب لن يؤدي إلى إراقة الدماء فحسب، بل سيزعزع استقرار المنطقة بأسرها ويقوض اتفاقات أبراهام.
وثمة 3 مصادر أجنبية رفيعة المستوى مطلعة على مضمون المحادثة، التي يُكشف عن حدوثها هنا للمرة الأولى. ويأتي الكشف عنها نتيجة بحث موسع استند إلى عشرات المصادر في إسرائيل ومختلف أنحاء العالم، بينهم مسؤولون رفيعو المستوى للغاية، فضلاً عن تسجيلات ووثائق داخلية ومراسلات. وأُجري البحث لإعداد الكتاب الجديد "رهائن: 843 يوماً من التخلي"، الصادر بالعبرية عن دار "كينيرت زمورا"، لمؤلفي هذا المقال.
وحضر الاتصال أيضاً مستشار مقرّب من الشيخ محمد بن زايد، وهو فلسطيني هاجر قبل سنوات من غزة إلى أبوظبي، واحتفظ بعلاقات قوية داخل القطاع. وبحسب المستشار، شدّد الرئيس الإماراتي أمام نتنياهو على ضرورة الاستعداد للتهديد.
ويقول المستشار: "أوضح الشيخ أنه يقدّر أن السنوار يستعدّ لحدث كبير. وقال لنتنياهو إن على إسرائيل أن تكون جاهزة. وفي الوقت نفسه، أوصى بمحاولة إيجاد حل اقتصادي للقطاع وتهدئة الأوضاع في الضفة الغربية لمنع التصعيد".
وحث الشيخ محمد بن زايد نتنياهو على أخذ الوضع بجدّية. لكن رئيس الوزراء ردّ بهدوء نسبي، وهو ما أثار استغرابه. وقال نتنياهو إنه يقدّر أن حماس تعتزم التحرك في منطقة الضفة الغربية، وطمأن الرئيس الإماراتي إلى أن إسرائيل مستعدة لأي سيناريو.
ولاحقاً، روى الرئيس الإماراتي تفاصيل المحادثة التي أجراها مع نتنياهو، ونقل التحذير أيضاً إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وليام جيه بيرنز. وشارك بيرنز الإحساس الذي حاول نقله إلى نتنياهو، بأن "شيئاً ما هناك على وشك الانفجار"، وأبلغه أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يعتقد أن المنطقة القابلة للاشتعال هي، في الواقع، الضفة الغربية.
ويقول المستشار: "كان الشيخ يأمل في أن يأخذ نتنياهو الرسالة بجدّية ويتحرّك، رغم ردّه المتحفّظ". ولم يتخيل أي منهم أن يسمع رئيس الوزراء الرسالة، ثم لا يُطلع عليها قادة المؤسسة الأمنية. رئيس الشاباك، ورئيس الموساد، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لم يكن أي منهم على علم بتحذير محمد بن زايد.
ولفهم مصدر هذا التحذير غير الاعتيادي، ولماذا جاء تحديداً عبر الرئيس الإماراتي، لا بد من العودة إلى ما جرى خلف الكواليس خلال الأشهر السابقة. ففي تلك الأشهر، أجرت إسرائيل، بعلم نتنياهو وموافقته، محادثات مع حماس بشأن "هدنة"، أي وقف مؤقت للقتال يهدف إلى الدفع نحو ترتيبات طويلة الأمد في القطاع.
بدأت الاتصالات سراً مطلع عام 2023، بالتزامن مع وصول حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة إلى السلطة. وكلف السنوار بالمهمة غازي حمد، عضو المكتب السياسي لحماس، الذي يتقن العبرية وشارك في الاتصالات السرية لإطلاق سراح الجندي المختطف جلعاد شاليط.
وفي الوقت نفسه، جرى الاستعانة بمسؤول رفيع في حركة "فتح" يتقن العبرية أيضاً. وسنشير إلى هذا المسؤول هنا باسم "عينا الفحم" ــ وهو اسم مستعار يُستخدم احترازاً ــ ويُعرف بأنه شخصية موثوقة ومقبولة لدى كلّ من حماس والشاباك. وكانت مهمته نقل الرسائل بين الطرفين، حتى لا يبدو أن ثمة اتصالاً مباشراً بين حماس وإسرائيل.
لكن هذه المحادثات كانت، عملياً، شبه مباشرة. كان غازي حمد و"عينا الفحم" يجلسان في منزل ناصر السراج في غزة، الذي سبق أن شغل منصب نائب مدير وزارة الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية. وعلى الطرف الإسرائيلي من الخط، كان يجلس مسؤول ملف الرهائن والمفقودين في الشاباك. ولأن الاضطرابات في غزة قد تلحق الضرر بمصر أيضاً، استند جزء كبير من المناقشات إلى تفاهمات جرى التوصل إليها مسبقاً بين القدس والقاهرة.
ومع ذلك، يقول أحد أعضاء فريق الشاباك الذين شاركوا في الإعداد للمحادثات: "أُخفيت هذه القناة المباشرة بأكملها عن المصريين، خشية أن يشعروا بالإهانة لاستبعادهم، ولذلك أصبحت قناة شخصية تعهدها نتنياهو بالرعاية".
ركزت المحادثات في البداية على رفع تدريجي للحصار عن غزة، وزيادة شحنات الغذاء والمواد الخام الداخلة إلى القطاع. وطُرحت أيضاً فكرة جديدة: إنشاء مناطق تجارية على حدود القطاع مع إسرائيل ومصر، توفّر آلاف فرص العمل للعاطلين عن العمل من سكان غزة. وكان المصريون مستعدّين كذلك للسماح بـ"ممر آمن" لسكان القطاع في طريقهم إلى مطار شرم الشيخ، بما يفتح لهم نافذة على العالم. وطُرح أيضاً مقترح لتزويد القطاع بالغاز الطبيعي من حقل "غزة مارين"، الذي اكتُشف عام 2000 قبالة سواحله. وحمل المقترح اسم (G 4 G)، أي "الغاز لغزة".
وبحلول صيف 2023، بدا أن جميع المسائل الاقتصادية قد حُسمت، ولم يبقَ على جدول الأعمال سوى الملف الأكثر حساسية: إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين وإعادة جثمانَي الجنديين المحتجزَين في القطاع. وفي مقابل إعادة أفيرا منجستو وهشام السيد، وجثمانَي هدار جولدين وأورون شاؤول، طالب السنوار بإطلاق سراح 500 أسير من حماس. ثم وافق على خفض العدد إلى 250 أسيراً، وبعد مفاوضات شاقّة، قبل بإطلاق سراح 50 أسيراً فقط. وكان الشاباك يميل إلى قبول إطلاق سراح 30 أسيراً، بينهم 20 يقضون أحكاماً بالسجن المؤبد، من قائمة عُدّت "مقبولة" لدى إسرائيل، مقابل إعادة الإسرائيليين الأربعة.
وكانت الأجواء متفائلة إلى حدّ أن "عينا الفحم" كرّر القول إن الاتفاق مع إسرائيل بات أقرب من أيّ وقت مضى، وإن الطرفين ينظران إلى المقترحات باعتبارها "خيارات قابلة للتنفيذ". ويشهد أحد مسؤولي حماس المشاركين في مبادرات التوصل إلى تفاهمات قائلاً: "كان يخرج متحمّساً في كل مرة، ويبلغ زملاءه: الأمر يتحقّق".
ويؤكد مصدر أمني إسرائيلي شارك في الإعداد للمحادثات أنه "بحلول نهاية أغسطس 2023، وافق نتنياهو على إطلاق سراح 30 أسيراً، بينهم 20 يقضون أحكاماً بالسجن المؤبد، على أن يختارهم الشاباك". ويضيف: "كل ما كان مطلوباً في هذه المرحلة هو موافقة اللجنة الوزارية لشؤون الرهائن والمفقودين، التي تُشترط موافقتها لإطلاق سراح الأسرى، ولا سيما المحكومين بالسجن المؤبد".
لكن نتنياهو ظل يؤجل مراراً عقد اجتماع اللجنة. ربما فعل ذلك خشية التوصل إلى اتفاق مع حماس، وربما خوفاً من رد فعل شركائه المتطرفين في حكومته الجديدة. وكان يقول لممثلي الشاباك الذين يديرون قناة الاتصال مع حماس إنه يخشى تسرب الأمر إلى وسائل الإعلام. ويصف المصدر ما جرى قائلاً: "وهكذا ظل الأمر عالقاً، أسبوعاً بعد أسبوع".
وعندما بدأ السنوار يُظهر استياءه من غياب التقدّم، حاول غازي حمد و"عينا الفحم" طمأنته بأن سبب التأخير هو انشغال نتنياهو بالاضطرابات الكبيرة التي كانت تعصف بإسرائيل آنذاك: المضيّ في التغييرات القضائية، والاحتجاجات الشعبية الحاشدة التي اندلعت في أعقابها.
وفي ظل الاضطراب الداخلي المتواصل في إسرائيل، تعزز داخل محور المقاومة الذي يضم إيران وحماس وحزب الله، اعتقاد بأن إسرائيل باتت أكثر هشاشة بكثير، وأن بإمكانهم توحيد الجبهات وشنّ حملة منسّقة لهزيمتها. وتُظهر وثائق داخلية أن كبار مسؤولي حماس بدأوا، في ذلك الوقت، تكثيف اتصالاتهم بإيران طلباً للمساعدة في تمويل الهجوم.
ثم، في مطلع سبتمبر 2023، قطع السنوار فجأة جميع اتصالاته بفريق التفاوض. ويقول مسؤول رفيع في الشاباك: "اختفى ببساطة من على رادارنا، تبخّر". ويوضح مصدر في حماس أن السنوار نفد صبره إزاء وتيرة التحرك الإسرائيلي.
وهكذا، انقطعت القناة المباشرة التي أُنشئت بين مسؤول في الشاباك ومسؤول حماس غازي حمد، وكانت تُدار بموافقة نتنياهو. وستعود هذه القناة، بالمناسبة، إلى العمل بكامل نشاطها بعد عام على مجزرة 7 أكتوبر، في سبتمبر 2024، عندما برزت حاجة ملحّة إلى إخراج صفقة الرهائن المتعثّرة من مأزقها.
وفي سبتمبر 2023، قبيل حسم الأمر نهائياً، رتب السنوار لقاءً خاصاً مع مسؤول "فتح" "عينا الفحم". وقال له بحزم: "أبلغ الإسرائيليين بأنهم إن لم يحرزوا تقدّماً، فأنا أُعدّ لهم مفاجأة هائلة". وهنا ألقى للمرة الأولى كلمة مفتاحية كان ينبغي أن تدقّ ناقوس الخطر: "أبلغهم بأن يتوقّعوا زلزالاً".
خرج "عينا الفحم" من المحادثة مضطرباً. وقرّر استشارة صديق مقرب، هو الفلسطيني نفسه الذي هاجر من غزة إلى أبوظبي، وأصبح مستشاراً مقرّباً من الشيخ محمد بن زايد.
ويروي المستشار: "كان (عينا الفحم) مضطرباً. كان واضحاً له أن العملية التي يتحدث عنها السنوار قد تؤثّر في الشرق الأوسط بأسره، لكنه كان يخشى إبلاغ الشاباك بالمعلومات مباشرة. وفي المقابل، كان أشد خوفاً من أن يتهمه الإسرائيليون بالتعاون مع السنوار إذا لم يُطلع الشاباك عليها. كان يخشى حقاً على حياته. ولذلك قرر نقل الرسالة إلى الشيخ محمد بن زايد".
سأل الشيخ محمد بن زايد المستشار، بعدما نقل إليه تحذير السنوار: "ما معنى هذا؟".
فأجابه: "إذا كان يقول (زلزالاً)، فهو يقصد الحرب".
سأل الشيخ: "هل أنت متأكد؟".
وردّ المستشار: "لا، هذا تفسيري، وهكذا فهم (عينا الفحم) الأمر أيضاً".
تأنى الرئيس الإماراتي في التفكير، ولم يكن قد حسم أمره. كان يؤرقه احتمال أن يؤدي مجرد التحذير من نيات حماس لبدء حرب، وسط التوترات الإقليمية، إلى إشعال فتيل المواجهة، ربما بضربة استباقية إسرائيلية. وفي النهاية قرّر: "ما دمنا غير متأكدين، فلن ننقل أي تحذير إلى الإسرائيليين في الوقت الراهن. سنتحرى الأمر بدقة إلى أن نتيقن".
وللوقوف على مدى جدية تهديد السنوار، طُلب من "عينا الفحم" عقد لقاء آخر معه في غزة. وجرى اللقاء في منتصف سبتمبر 2023.
سأل السنوار: "حسناً، هل نقلت الرسالة إلى الإسرائيليين؟".
أجاب الوسيط: "لا".
أخذ السنوار نفساً عميقاً، وقال له بصوت هادئ على نحو يبعث القشعريرة: "انقل إليهم رسالة بأنني أُعدّ أمّ المفاجآت. عملية مرعبة. شيئاً استثنائياً". ومرة أخرى، ردّد كلمة "زلزال". وطالبه قائلاً: "أرجوك، انقل إلى الإسرائيليين ما أقوله حرفياً، كلمة بكلمة".
اتصل "عينا الفحم" من غزة بمستشار الشيخ محمد بن زايد لينقل إليه كلام السنوار. ويتذكّر المستشار: "طلبت منه جميع التفاصيل، بما فيها لغة جسد السنوار، ونبرة صوته الدقيقة، والسياق الذي قيلت فيه الكلمات، ولا سيما ما يتعلّق بالتحذير من (الزلزال)".
ويضيف: "اقترحت عليه مغادرة قطاع غزة سريعاً، وأن يلتقيني في منزلي لإجراء محادثة خاصة. وبنهاية اللقاء، أدركت أن أياً منا، لا (عينا الفحم) ولا أنا، لم يخطئ في فهم الرسالة: السنوار يعتزم الذهاب إلى الحرب".
أطلع المستشار الشيخ محمد بن زايد على الانطباع الذي خرج به من محادثته مع "عينا الفحم". وأدرك الرئيس الإماراتي حجم التهديد، وقرر أن "رسالة السنوار يجب أن تُنقل إلى الإسرائيليين، إلى أعلى المستويات هناك، في أسرع وقت ممكن".
وبالفعل، نقل "عينا الفحم" والمستشار التحذير إلى الشاباك في 15 سبتمبر. وطلب رئيس الجهاز، رونين بار، إجراء اتصال هاتفي فوري برئيس الوزراء، رتبه السكرتير العسكري لنتنياهو، آفي غيل. وخلال الاتصال، أطلع بار نتنياهو على تهديدات السنوار بـ"الزلزال"، وتقرر عقد اجتماع أمني بمشاركة جميع الأجهزة الأمنية المعنية.
"لماذا بعث إلينا السنوار بتحذير؟"، يتساءل الآن مسؤول استخباراتي رفيع، ثم يجيب: "إما لأنه ضاق ذرعاً بمماطلة إسرائيل، وأراد الضغط علينا للتوصل إلى تفاهمات، ولم يكن متحمّساً إلى هذا الحد لبدء حرب. وإما، كما نفضل أن نعتقد، لأن ذلك كان جزءاً من خطّته لـ(الخداع الكبير)، وأراد اختبار جاهزية الجيش الإسرائيلي".
وفي كل الأحوال، لم تجازف المؤسسة الأمنية بلا داعٍ. عُقد الاجتماع الأمني بعد يومين، في 17 سبتمبر، بمشاركة وزير الدفاع يوآف جالانت وممثلين عن الاستخبارات العسكرية. وفي ختام المناقشات، تقرر عقد اجتماع عمل في مكتب رئيس الوزراء لاحقاً في اليوم نفسه. ودُعي إليه أيضاً ممثلون عن الموساد ومجلس الأمن القومي. وقدّر ممثلو الشاباك في الاجتماع، استناداً إلى مضاهاة المعلومات بمعطيات استخباراتية جديدة، أن السنوار ربما يخطط لوضع يده على إليزابيث تسوركوف، الباحثة الإسرائيلية التي كانت مختطفة ومحتجزة في العراق آنذاك، حتى يتمكّن من زيادة عدد الأسرى الفلسطينيين الذين سيحصل على إطلاق سراحهم في صفقة تبادل.
واستدرك رئيس الشاباك بأن هذا مجرد تقدير أولي، وأن التحذير ينبغي أن يؤخذ بجدية، لأنه يدل على غياب الردع الإسرائيلي، وعلى أننا "نسير نحو مواجهة". وأوصى بار بنهج عملياتي سمّاه "قنبلة لإخماد الحريق"؛ وهو اسم رمزي لهجوم قوي ومفاجئ يهدف إلى تحييد تهديد كبير بسرعة، أو على الأقل بتنفيذ "جهود دفاعية مكثفة" في غزة والضفة الغربية، ولو من باب الاستعداد للأعياد اليهودية الوشيكة. ولم تُتخذ أيّ قرارات في ختام الاجتماع.
ولما رأى الرئيس الإماراتي أن إسرائيل لا تستجيب للتحذير الواضح الذي نُقل إلى الشاباك، قرر أن يتحدث بنفسه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي. وهكذا جرت، في أواخر سبتمبر، تلك المحادثة التي استغرقت 45 دقيقة، ونقل خلالها إلى نتنياهو تحذيراً صريحاً بشأن نيات السنوار.
وفي تلك الأيام، تلقى مكتب رئيس الوزراء اتصالاً مماثلاً من رئيس المخابرات المصرية، اللواء عباس كامل، الذي حذر نتنياهو من "شيء غير مألوف، عملية مرعبة"، توشك حماس على تنفيذها. وتروي الصحافية سمادار بيري، التي نشرت تفاصيل المحادثة في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن نتنياهو قال لكامل أيضاً: "في غزة، نحن مطّلعون على ما يجري، ونسيطر على الوضع. مشكلتنا في الضفة الغربية، وإليها نحوّل القوات أيضاً".
وفي الأول من أكتوبر، وخلال مناقشة لأعمال الشغب على حدود غزة ورصد نيات لدى حماس لتنفيذ هجوم إرهابي في الضفة الغربية، أوصى رئيس الشاباك مجدداً باستهداف قيادات حماس، بمن فيهم السنوار، الذي "بات يُظهر علامات الغطرسة".
وكما حدث في المرات السابقة التي عُرض عليه فيها هذا المقترح، أجاب نتنياهو: "أعدّوا لي خططاً وسأنظر فيها".
ويوضح مسؤول رفيع في المؤسسة الأمنية: "لم يكن يقول (لا) قط. كانت هذه دائماً طريقته في تأجيل التعامل مع المشكلة". ويتذكر مسؤول رفيع آخر حضر المناقشة أن رئيس الوزراء قال، في خلاصة الاجتماع: "واصلوا العمل على تطوير القدرة، لكن هدّئوا الوضع في الوقت الراهن".
وطوال الاجتماع، لم يذكر رئيس الوزراء اتصالات التحذير التي تلقاها.
ويقول مسؤول رفيع في الشاباك: "لو كنّا على علم بالتحذيرات، لربما منح ذلك وزناً أكبر للرسالة الأولى التي تلقيناها من السنوار. وربما أوضح أيضاً ما الذي كان وراء انسحابه المفاجئ من المحادثات في مطلع سبتمبر. من الممكن أن نكون قد ربطنا بين المعطيات، وتوصلنا إلى استنتاج مختلف تماماً عما خلصنا إليه، استنتاج كان سيغيّر مجمل تقديرنا للموقف".
يمكن تتبع جذور العلاقة المعقدة بين نتنياهو والسنوار إلى سنوات طويلة مضت، وتحديداً إلى إطلاق سراح السنوار من السجن الإسرائيلي في صفقة شاليط عام 2011. وبعدما استولى بلا رحمة على جميع مراكز القوة في القطاع، بدأ صياغة استراتيجية جديدة ذات مسارين، تهدف إلى إخراج غزة من مأزقها.
ويقول مسؤول استخباراتي رفيع كان يعرف السنوار عن قرب آنذاك: "منذ مرحلة مبكرة، وربما حتى وهو في السجن، كان السنوار يضع بديلين نصب عينيه. فمن ناحية، سرع تطوير قدرات حماس العسكرية، وحولها إلى جيش إرهابي قوي خاض مواجهات متكرّرة مع إسرائيل. ومن ناحية أخرى، استقر لديه إدراك بأن غزة مُنيت بهزيمة حاسمة في جميع جولات القتال. ولذلك، ورغم كل كراهيته لإسرائيل، ينبغي إعطاء فرصة لمحاولة التوصل إلى تفاهمات تتيح حياة طبيعية في غزة، قبل الزجّ بجيش حماس في القتال إذا لم تتحقّق تلك التفاهمات".
وفي عام 2017، قرر السنوار اتخاذ خطوة مفاجئة. تواصل مع خصمه اللدود، المسؤول السابق في حركة "فتح" ورجل الأعمال حالياً، محمد دحلان. وكان الرجلان، وهما من أبناء خان يونس ومتقاربان في العمر، يعرف أحدهما الآخر منذ أيام الدراسة الجامعية في غزة، وكانت بينهما عداوة شديدة حتى في ذلك الوقت. وتصاعد التوتر عندما شن دحلان، الذي ترأّس جهاز الأمن الوقائي في السلطة الفلسطينية خلال حكمها لقطاع غزة، حرباً شاملة على قادة حماس. وعندما استولت حماس بالقوة على السلطة في غزة، وُضع دحلان في صدارة قائمة الاغتيالات.
لكن السنوار بات يعتقد أنه يستطيع الاستفادة من دحلان، ومن العلاقات التي بناها مع كلّ من الحكومة المصرية والأجهزة الأمنية الإسرائيلية. وفي صيف 2017، وبعد نحو 40 عاماً من القطيعة والعداء، التقى السنوار دحلان في منزله بالقاهرة، برفقة عدد من كبار مسؤولي حماس، بينهم محمد الضيف، قائد الجناح العسكري، وموسى أبو مرزوق، عضو المكتب السياسي للحركة.
وصف السنوار لدحلان المعاناة الشديدة في غزة، وطلب منه نقل رسائل إلى نتنياهو بشأن رغبته في التوصل إلى تفاهمات مُرضية. وكان جوهرها تخفيف الحصار وإنعاش اقتصاد غزة، ولا سيما من خلال توفير فرص العمل.
أدخل دحلان المصريين على الخط للمساعدة في الوساطة بين السنوار ونتنياهو. وأفضت المبادرة إلى شبكة من علاقات العمل غير المباشرة بين إسرائيل وحماس. وستنكشف لاحقاً لمحة عن هذه الاتصالات، في عام 2022، عندما كشف مئير بن شبات، رئيس مجلس الأمن القومي آنذاك، في مقابلة مع "يديعوت أحرونوت"، عن المفاوضات التي أُجريت مع السنوار. وعرض بن شبات قصاصة كتبها السنوار بالعبرية وأرسلها إلى نتنياهو عام 2018، جاء فيها: "مخاطرة محسوبة".
وقال بن شبات: "كانت تلك إحدى اللحظات الجميلة في هذا المسار. أفهم من ذلك أن السنوار يتابع باهتمام بالغ ما يحدث على الجانب الإسرائيلي، ويحلّل كل عبارة تصدر عن السياسيين، ويفهم المعضلات، ويُضيف رأيه الخاص بشأنها".
وفي أغسطس 2018، نضجت الاتصالات وصولاً إلى عقد اجتماع لكبار المسؤولين الإسرائيليين بشأن الملف، بحضور رئيس الوزراء. وخلاله، عُرضت خطة منظمة لصياغة صفقة يُعاد بموجبها الأسرى الأربعة، مقابل وقف متبادل لإطلاق النار وموافقة إسرائيلية على تفاهمات وتخفيف ملموس للحصار عن غزة.
وتعلقت المرحلة التالية بصفقة التبادل نفسها. ففي مقابل إطلاق حماس سراح الإسرائيليين الأربعة، وافقت إسرائيل على إطلاق سراح أسرى من الحركة، بمن فيهم الذين اعتُقلوا خلال حرب غزة عام 2014، المعروفة باسم عملية "الجرف الصامد"، باستثناء المتورطين في نشاط إرهابي كبير. ونصّت وثيقة خلاصة الاجتماع على أن "تأجيل صفقة تبادل الأسرى والمفقودين، وفصلها عن مسار التفاهمات، قد يؤدي إلى تأخير التوصل إلى حل لإعادة الأسرى والمفقودين لسنوات مقبلة".
وخلص كبار مسؤولي المؤسسة الأمنية إلى أن الظروف كانت في أفضل حالاتها لتمكين إسرائيل من التوصل إلى صفقة تبادل أسرى بكلفة معقولة. ولخص نتنياهو المناقشة والتزم باتخاذ قرار. لكن الوقت مضى، وبدأ نتنياهو يتردد، وأرجأ الموافقة على مسار التفاهمات.
وفي المقابل، عندما رصدت الأجهزة الأمنية نشاطاً عملياتياً مفرطاً لحماس، رفض نتنياهو مراراً الإذن بالمبادرة إلى عملية قوية ضدها. ويروي ضابط رفيع: "كان الأمر قد أصبح روتيناً: يطلقون الصواريخ، فنرد، وتندلع جولة قتال، ويُنهك سكان غلاف غزة [في إسرائيل]، وتكون الكلفة المالية كبيرة. أراد الجيش، في مناسبات عدة، شن عملية عسكرية واسعة وشاملة في غزة، لكن حكومة الشخص نفسه الذي وعد قبل انتخابه بأن (يكون قوياً في مواجهة حماس)، أصرّت على عدم التصعيد، وحرصت على الحفاظ على (الذُّخر) المسمّى حماس. كانوا يقولون لنا: (اهدؤوا، دعونا نركّز على الشمال وإيران)”.
ويشهد لواء سابق في الجيش الإسرائيلي بأنه سمع "رئيس الأركان هرتسي هاليفي ينتقد، أكثر من مرة، سياسة الاحتواء التي ينتهجها نتنياهو". وكان يصفها في الاجتماعات بتشبيه حيّ: "الأمر أشبه بمسمار ناتئ من جدار في البيت، وبدلاً من اقتلاعه، تجمع جميع أفراد الأسرة، بمن فيهم الأطفال، وتقول لهم: "كلما مررتم من هنا، احذروا المسمار". عندما قبلنا التعايش مع المسمار، لم نفهم أن ما سيحدث في النهاية هو أنه، بدلاً من أن نقتلعه من الجدار، سيخترق أجسادنا".
ثم اندلعت جائحة كوفيد-19، وانقطعت الاتصالات بين حماس وإسرائيل. وانصب اهتمام إسرائيل على معالجة المشكلات الجديدة التي أفرزتها الجائحة، فيما انجرفت، في الوقت نفسه، إلى 5 جولات انتخابية متتالية. وداخل محور المقاومة، بدأت تترسخ فكرة استراتيجية جديدة: أن اليوم الذي يمكن فيه توجيه ضربة حاسمة إلى إسرائيل في حال ضعفها بات قريباً. أما السنوار، فواصل استثمار جهد ومال كثيرين في تطوير مشروع الأنفاق في غزة، وفي تدريب جيش حماس وتسليحه استعداداً ليوم الحسم.
وستمضي قرابة 3 سنوات أخرى قبل حلول يوم الحسم. وجاء في رسالة أرسلها السنوار ورفيقاه محمد الضيف ومروان عيسى إلى حزب الله صباح 7 أكتوبر، في محاولة لإقناع زعيم الحزب آنذاك، حسن نصر الله، بالانضمام إلى العملية: "عندما تقرأون كلماتنا هذه، سينطلق آلاف المجاهدين من كتائب عز الدين القسام لمهاجمة أهداف الاحتلال الصهيوني المجرم، وسيقصفون مواقع العدو وتجمّعاته [بلداته] ومفترقاته في المنطقة الجنوبية من فلسطين المحتلة. وسيخترقون السياج الفاصل لمواجهة قوات الاحتلال وقتالها، والسيطرة على مواقع عسكرية ومدنية في المنطقة، وأسر كثير من جنود الاحتلال".
وفي الساعة 6:29 صباح 7 أكتوبر، وقع "الزلزال". وبحلول الظهر، كانت وسائل التواصل الاجتماعي في إسرائيل والعالم قد امتلأت بمشاهد مروّعة للمجزرة: عمليات قتل تُبثّ مباشرة، وحرائق ودمار. وأظهرت عشرات المقاطع المصورة مدنيين يُختطفون إلى قطاع غزة. وعندما انعقد المجلس الوزاري الأمني المصغّر، بعد بعض التأخير، في الساعة 2:45 بعد الظهر، لم تكن هناك بعد صورة واضحة عن عدد المختطفين. وقال رئيس الشاباك: "هناك حالياً 14 جندياً و28 مدنياً محتجزين رهائن، وعشرات آخرون انقطع الاتصال بهم". وطالب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بتجاهل الأسرى، قائلاً إنه "يستحيل العمل بهذه العقلية".
وأعلن وزير الدفاع يوآف جالانت: "أصدرت تعليماتي إلى الجيش: لا مفاوضات على الإطلاق. لن يتحدّثوا إلينا إلا حين يكونون مطروحين أرضاً، ورؤوسهم تحت الماء".
وبحلول المساء، كانت المعلومات المروّعة عن اختطاف مئات الرجال والنساء والأطفال والمسنين قد اجتاحت العالم. وفي الساعة السابعة مساء، اتصل رئيس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، برئيس الموساد ديفيد برنياع، الذي تربطه به علاقة ودية. "ديدي بوي"، هكذا اعتاد رئيس الوزراء القطري أن ينادي مسؤول الاستخبارات الإسرائيلي على سبيل التحبّب. وكان الرجلان قد التقيا قبل أسبوع فقط، عقب انتهاء يوم الغفران. وقد سافر برنياع إلى الدوحة آنذاك موفداً من نتنياهو ليطلب من القطريين زيادة المساعدات المالية للقطاع.
كان الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مضطرباً. وأبلغ برنياع: "انتهيت للتو من محادثة مع رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية ونائبه خليل الحية، الذي وصل إلى الدوحة مؤخراً. هددتهما صراحة بأنني سأصدر بنفسي أمراً بطردهما من قطر إذا لم يُطلَق سراح جميع الرهائن المدنيين فوراً. أود إبلاغك بأن حماس مستعدة لإطلاق سراح جميع المدنيين الآن، ونحن جاهزون للوساطة".
ترك رد رئيس الموساد الإسرائيلي آل ثاني في حيرة. فقد أجاب برنياع: "إذا كانوا يريدون إطلاق سراح المدنيين، فليطلقوا سراحهم. نحن لسنا مستعدين للتحدث مع حماس".
وقال المسؤول القطري لمقرّبيه: "هؤلاء ليسوا الإسرائيليين الذين أعرفهم. هذا ليس ديدي برنياع الذي أعرفه".
ويقر مقربو برنياع بأنه سمع بالفعل من رئيس الوزراء القطري، في محادثتهما الأولى، أن حماس مستعدة لإطلاق سراح المدنيين، لكن التنظيم الإرهابي وضع شروطاً غير مقبولة، مثل وقف توغل الجيش الإسرائيلي في غزة، ومنح المصلين حقوقاً جديدة في جبل الهيكل. وينفي رئيس الوزراء القطري هذا الادعاء. ويقول مستشاره: "في اليوم الأول، لم يضع قادة حماس أيّ شروط تعجيزية، لأن تهديدنا لهم كان حقيقياً، ولم يكونوا في وضع يسمح لهم بفرض شروط أصلاً".
لم يستسلم آل ثاني. اتصل بوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، وقال له: "اسمع، هناك مئات الرهائن في غزة، وبينهم، بحسب تقديري، عشرات المدنيين. يجب إطلاق سراحهم الآن. عرضت على الإسرائيليين التوسّط في صفقة سريعة لإطلاق سراحهم، لكنهم غير مهتمين".
أبلغ بلينكن آل ثاني بأنه يعتزم السفر إلى إسرائيل خلال 3 أيام. وطمأنه قائلاً: "لننتظر. سأتحدث مع نتنياهو شخصياً". لكن آل ثاني واصل الضغط: "أنت تعلم أن الوقت عامل مهم. يجب أن نتحرك الآن". فقاطعه بلينكن: "الوضع معقد الآن. إسرائيل لا تزال تتعرض للهجوم، ولا يوجد من يمكن التحدّث إليه. سننتظر 3 أيام".
في صباح اليوم التالي، وبعيداً عن المحادثات الدبلوماسية بين إسرائيل والدوحة، اتصل روحي مشتهى، الذراع اليمنى للسنوار، بسمير المشهراوي، المقرب من دحلان. وفي اتصال هاتفي من غزة، طلب مشتهى، نيابة عن السنوار، مساعدة دحلان في العثور سريعاً على وسيط للدفع نحو اتفاق لوقف إطلاق النار. ولإضفاء مزيد من الثقل على طلبه، أضاف مشتهى: "صديقنا يستمع"، في إشارة إلى السنوار، الذي كان يتابع المحادثة.
أبلغ المشهراوي دحلان بالاتصال. وبحسب روايته، قال له دحلان: "أولاً وقبل كل شيء، عليهم إطلاق سراح جميع المدنيين، والأطفال، والمسنين، والرضع. من دون ذلك، لا شيء يمكن التحدث عنه. ما فعلوه جنون. لم يتجاوزوا خطاً أحمر، بل تجاوزوا خطاً أسود. إذا أُطلق سراح المدنيين، فسيتولد لدى الجمهور الإسرائيلي شعور بأن هناك ما يمكن التحدث عنه. وإن لم يفعلوا، فليتحمّلوا عواقب ما فعلوه".
نقل المشهراوي رسالة دحلان إلى حماس. فأجاب مشتهى: "أمهلني 24 ساعة وسأعود إليك". لكنه عاد، على نحو مفاجئ، بعد ساعة واحدة فقط. وكانت لديه رسالة: السنوار مستعد لإطلاق سراح جميع المدنيين. وتجدر الإشارة إلى أن السنوار، حين يتحدث عن المدنيين، يقصد فقط من لا تتجاوز أعمارهم 18 عاماً، ومن تزيد أعمارهم على 50 عاماً.
ويروي المشهراوي: "قال لي إنه ليست لديهم مشكلة في إطلاق سراح جميع المدنيين، في المرحلة الأولى، من دون أي مقابل. أقسم إن هذه كانت كلماته حرفياً: جميع المدنيين، من دون أي مقابل. كان لديهم شرط واحد فقط: أرادوا منا أن نستعين، في أسرع وقت ممكن، بوسيط متفق عليه، حتى تبدأ فوراً مفاوضات بشأن كل ما تبقى: إطلاق سراح الجنود والضباط مقابل أسرى فلسطينيين، ثم مسألة الحصار على غزة".
فعل دحلان اتصالاته بالشاباك ونقل المعلومات إليه. وبحسب المشهراوي: "كان الرد غير الرسمي الذي تلقاه دحلان منهم: (نتنياهو لا يريد التحدث عن أي شيء. إنه يريد الحرب والقضاء على حماس فقط). كان تصور الإسرائيليين: نقضي على حماس أولاً، ثم نستعيد الرهائن بالقوة".
ويقر مسؤول رفيع في المؤسسة الأمنية بأن بعض مقترحات إطلاق سراح الرهائن المدنيين، على الأقل، وصلت إلى الموساد والشاباك ورئيس الوزراء. لكنه يقول إنه حتى لو كانت مقترحات محددة، فإن المؤسسة العسكرية، التي احتاجت إلى 24 ساعة للسيطرة على الوضع، والقيادة السياسية المذهولة بدرجة أكبر، لم تكونا قادرتين على مناقشة الأمر في الأيام الأولى.
ويقول المسؤول الرفيع: "بصراحة، لم يكن ملف الرهائن مطروحاً بجدّية على جدول الأعمال في هذه المرحلة، ولم يكن أحد، على المستوى العسكري أو السياسي، مستعداً لمناقشة المقترح. بل إن إطلاق سراح الرهائن لم يُدرج حتى ضمن قائمة أهداف الحرب التي صاغتها الحكومة ليلة 7 أكتوبر. هل كان بالإمكان مناقشة المقترح كما ينبغي والتوصل إلى قرار؟ من الناحية الموضوعية، الإجابة نعم. لكن المزاج السائد كان أشبه بما أعقب بيرل هاربر: كنا قد تلقينا للتو ضربة وحشية، وكنا في خضم حرب، فمن كانت لديه القدرة الذهنية على مناقشة وقف القتال وبدء مفاوضات في تلك اللحظة، حتى لو كان ذلك لإنقاذ أرواح عشرات الأشخاص الذين لم يكن عددهم النهائي معروفاً بعد؟".
ويروي المشهراوي أن مشتهى اتصل به مجدداً في 10 أكتوبر، نيابة عن السنوار، ليستفسر عما إذا كان قد ورد رد إسرائيلي على مقترح حماس. ويقول: "قلت له: ما زلت أنتظر رداً من إسرائيل. انتظرت بضعة أيام أخرى، وتواصلت مع الإسرائيليين مجدداً، لكنهم لم يكونوا في حالة تسمح لهم بالتحدث أصلاً. وفي غضون أيام قليلة، اشتد قصف غزة، وأصبح الاتصال بمشتهى والسنوار مستحيلاً".
وصل بلينكن في نهاية المطاف إلى إسرائيل بعد 6 أيام. وفور وصوله يوم الخميس، 12 أكتوبر، التقى نتنياهو، ثم تابع في اليوم التالي إلى الدوحة للقاء رئيس الوزراء القطري. وقال وزير الخارجية الأميركي لآل ثاني: "أثرت مسألة إطلاق سراح الرهائن مع نتنياهو، لكنني لم أتلق منه إجابة واضحة. نتنياهو ليس مستعداً لذلك بعد!".
كرر آل ثاني تقديره بأن موافقة حماس على إطلاق سراح الرهائن قد تسقط مع مرور الأيام وتصاعد الهجمات الإسرائيلية في غزة، وما تحصده من أرواح كثيرة، خصوصاً بين المدنيين. ووعد بلينكن بمحاولة التحدث مع نتنياهو مجدداً. وفي 14 أكتوبر، وبعد وقت قصير من إقلاع طائرته من الدوحة متجهة إلى واشنطن، أرسل إلى آل ثاني رسالة نصية: "نتنياهو مستعد لأن تتولوا الوساطة. سيصل رئيس الموساد قريباً". وفي اليوم التالي، وبعد 8 أيام من عرض آل ثاني خدماته على رئيس الموساد الإسرائيلي، وصل برنياع إلى الدوحة.
وفي الأثناء، وكما كان متوقعاً، رفعت حماس الثمن الذي تطلبه. ويتذكر مسؤول رفيع في الشاباك، أدرك الاتجاه الذي كانت تسير إليه الأمور، أنه عبر منذ 18 أكتوبر، بعد القصف الفتاك الذي شنته إسرائيل على غزة في تلك الأيام الأولى، عن رأيه بضرورة التوقف. ويقول: "كان علينا أن نلتقط أنفاسنا، ونعض على شفاهنا، ونتجلد، ونتحمل وطأة إطلاق سراح جميع الأسرى الذين طالبت بهم حماس. ثم كان علينا أن نبحث عن أول فرصة للعودة إلى الحرب".
ويضيف: "الساعات والأيام الأولى بعد الاختطاف هي الأشد حسماً. ومع مرور الأيام وتصاعد الرد العسكري، يميل الطرفان إلى التمسك بمواقفهما، ويرتفع ثمن الرهائن. قلت: "علينا أيضاً أن نلجأ إلى الحيلة". لكن عندما وصلت الفكرة إلى رئيس الوزراء، قال: "بمجرد انكشاف الحيلة، لا تعود حيلة"، وانتهى الأمر عند هذا الحد".
ووصلت مؤشرات على استعداد حماس لخوض محادثات بمرونة أيضاً إلى العقيد الاحتياط دورون هدار، الذي قاد لسنوات طويلة وحدة التفاوض التابعة لهيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي. ويقول: "بدأت أتلقى رسائل، وأجمع معلومات استخباراتية ومعطيات أخرى، وبدأت الصورة تتضح: في ظل هذا الوضع، والطرف الآخر مصدوم هو أيضاً، وحماس مذعورة من الضرر الذي ألحقته بصورتها دولياً مشاهد مئات الرهائن، والمسنين، والنساء الخائفات، والأطفال الباكين، كان بمقدورنا صياغة إطار لاتفاق لن يكون من الصعب، إن أردنا، أن نقول لاحقاً إن حماس انتهكته، ثم نشن هجوماً.
"أدرك بالطبع أن جانبنا يعيش صدمة كاملة، ويستعر غضباً بالقدر نفسه. لكنك تتوقع في نهاية المطاف من القيادة أن تعرف كيف تفصل بين الانفعالات والتفكير العقلاني، وأن تتوقف لحظة للنظر في ما ينبغي فعله حقاً عند هذه النقطة. كأن تعقد صفقة مع هذا الشيطان، ثم تقتله".
وفي منتصف أكتوبر، حضر هدار اجتماعاً عُقد في مكتب أوفير فالك، مستشار نتنياهو للسياسة الخارجية، وتناول ترتيب أولويات أهداف الحرب الذي كان يتبلور. وطلب هدار عرض وجهة نظره على المجتمعين. ويتذكر: "سألت فالك: (قل لي، هل تفهم ما يجري هنا؟ نستطيع إعادة النساء والأطفال الآن. هذا تبادل على أساس واحد مقابل واحد. يمكننا المبادرة إلى خطوة)".
أوقف فالك المناقشة وطلب من بقية الحاضرين مغادرة الغرفة. ويتذكر هدار: "واصلت الحديث، وقلت له: (لندفع نحو صفقة. سنعرض عليهم ألف أسير، بل ألفين إن اضطررنا. العالم معنا الآن؛ فلنمارس ضغطاً دولياً ولندفع نحو صفقة)".
لكن فالك أوقف هدار. وقال له: "لن تكون هناك صفقة هنا. هؤلاء داعش. إنهم قتلة. لن يحصلوا على شيء. غيّر طريقة تفكيرك يا دورون".
ويختصر وليام جيه بيرنز، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، بأسلوبه المعهود المتزن، المتاهة التي سيتعقد فيها ملف الرهائن، قائلاً: "كانت المشكلة الأساسية أن حماس تبحث عن (إنهاء دائم للنزاع)، كما سمته. أما نتنياهو، فلم يكن مستعداً إلا للنظر في صفقة (مرحلة أولى)، لكنه كان يقول إن عليه الاحتفاظ دائماً بخيار مواصلة تدمير حماس لاحقاً، بحسب تعبيره. وكان هذا دائماً هو التحدي بالنسبة إلينا: كيف نوفق بين هذين المطلبين المتناقضين، وننجح في إعادة الجميع؟".
وكانت النتيجة أن دولة إسرائيل غيرت بالفعل طريقة تفكيرها عندما تعلق الأمر بالتعامل مع مواطنيها وجنودها الذين يحتجزهم العدو. وهكذا، ستمر سنتان أخريان من الحرب قبل توقيع اتفاق يعيد آخر الرهائن من غزة، أحياءً أو أمواتاً، فيما بقيت حماس قائمة.
ووصف مكتب رئيس الوزراء التحقيق بأنه "كذب محض".
وجاء في الردّ: "لم يتحدث رئيس الوزراء نتنياهو مع رئيس دولة الإمارات خلال الفترة المعنية، ولم يتلقَّ منه أيّ تحذير".
وقال رئيس الشاباك السابق رونين بار، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق هرتسي هاليفي، إنهما لم يُبلغا بالتحذير الذي نقله رئيس دولة الإمارات.
وتواصلت "هآرتس" مع الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد للحصول على تعليق، لكنها لم تتلق رداً.








