"نفرغ البحر بملعقة".. غزة تكافح لإزالة 61 مليون طن من الركام | الشرق للأخبار

"نفرغ البحر بملعقة".. غزة تكافح لإزالة 61 مليون طن من الركام

"الجارديان": آلاف الجثث والقنابل غير المنفجرة تعرقل إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار

صبي فلسطيني يتفقد موقع غارة إسرائيلية في مدينة غزة. 30 يوليو 2026 - Reuters
صبي فلسطيني يتفقد موقع غارة إسرائيلية في مدينة غزة. 30 يوليو 2026 - Reuters

"أشعر وكأننا نمسك بملعقة ونحاول إفراغ البحر"، هكذا وصف أحمد عليان، أحد مهندسي الأمم المتحدة، جهود إزالة الركام من أحد طرق حي "تل الهوى" في قطاع غزة، الذي يواجه واحدة من أكبر عمليات إزالة الأنقاض في التاريخ الحديث، مع تقديرات بوصول كمية الركام إلى نحو 61 مليون طن، وفق صحيفة "الجارديان" البريطانية.

وتواجه فرق الإغاثة في قطاع غزة مهمة شاقة وحساسة لإزالة الركام الذي يخفي تحته آلاف الجثث والقنابل الإسرائيلية غير المنفجرة، فيما تقدر الأمم المتحدة أن إزالة الجزء الأكبر من الركام في غزة قد تستغرق ما لا يقل عن 7 إلى 10 سنوات، بتكلفة تبلغ مليارات الدولارات.

ونقلت الصحيفة عن الممثل الخاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في فلسطين، جاكو سيلييرز، قوله إن "التقدير الإجمالي لكمية الركام في غزة يبلغ 61 مليون طن. وهذا يعادل نحو 20 ضعف كمية الركام الناتجة عن جميع الحروب في أنحاء العالم خلال السنوات الـ18 الماضية".

وأشارت إلى أن هذه المهمة تجري في ظروف شديدة الصعوبة والخطورة، إذ تعمل فرق الإزالة وسط أنقاض تضم أعداداً لا تحصى من جثث الضحايا والقنابل غير المنفجرة.

تحدي هائل

وبينما لفتت الصحيفة إلى "إزالة الركام من 580 كيلومتراً من الطرق حتى الآن، لإتاحة مرور شاحنات المساعدات وفرق الإغاثة والسكان"، نبهت إلى أن "إعادة إعمار القطاع تمثل تحدياً هائلاً أمام المنظمات الدولية والمحلية".

وتابعت: "بعد أكثر من عامين من العمل، أزيل نحو 907 آلاف طن من الركام، فيما جرى إعادة تدوير واستخدام أكثر من 300 ألف طن منها، غير أن هذه الكمية كلها لا تمثل سوى نحو 1.5% من إجمالي الركام".

وأفادت "الجارديان" بأن السلطات الإسرائيلية منعت دخول المعدات اللازمة إلى غزة، بزعم أن أي مساعدات بخلاف الغذاء والدواء قد تكون "ذات استخدام مزدوج"، وقد تفيد حركة "حماس" بطريقة ما.

وأشارت الصحيفة إلى أن أعمال برنامج الأغذية العالمي (WFP) اقتصرت في البداية على إزالة الحطام من الطرق ودفعه إلى جانبيها لإفساح ممر أمام الشاحنات. لكن الكمية الهائلة من الركام كانت تفوق القدرة على التعامل معها، كما أن استمرار القصف الإسرائيلي خلال وقف إطلاق النار الذي يقارب عاماً كان يزيد من أعباء هذه المهمة الضخمة، إذ تطلب الأمر إعادة فتح بعض الطرق عدة مرات.

وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل تمديد "الخط الأصفر"، وهو خط ترسيم وُضع في بداية وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، عبر الاستيلاء على مزيد من الأراضي، إذ أصبحت المنطقة التي لا يزال بإمكان السكان وعمال الإغاثة الوصول إليها لا تتجاوز 30% من مساحة قطاع غزة، ما يزيد من صعوبة التعامل مع الركام، بحسب الصحيفة.

وقال سيلييرز، وفق ما نقلته الصحيفة: "إحدى الطرق التي حاولنا من خلالها معالجة هذه المشكلة هي إعادة تدوير الركام واستخدامه مجدداً بطرق مختلفة".

وبدأ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إدارة 5 مواقع لتكسير الركام في أنحاء غزة، حيث تتم معالجة الأنقاض التي يتم جمعها من الطرق والبنية التحتية الحيوية المتضررة، تمهيداً لإعادة استخدامها.

وتبدأ العملية بفرز الركام لإزالة المواد غير الخرسانية، بما في ذلك المعادن وقضبان الحديد، ثم تُكسّر الخرسانة إلى قطع أصغر حجماً، وصولاً في نهاية المطاف إلى حجم يقارب حجم الحصاة الصغيرة جداً.

معدات متهالكة

ويعتمد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على 7 آلات تكسير في أنحاء غزة، كانت جميعها موجودة في القطاع قبل الحرب. وأعاد مهندسون محليون في القطاع إصلاح وتأهيل اثنتين منها خلال العام الماضي، بعدما تعذر إدخال آلات جديدة إلى القطاع.

وتشكل حالة المعدات تحدياً كبيراً أيضاً للفرق التي تنفذ هذه الأعمال، إذ أصبحت معظم المعدات المتاحة في غزة متهالكة بشدة، كما تتعطل الآلات بشكل متكرر أثناء العمل، ويرجع ذلك جزئياً إلى النقص الحاد في قطع الغيار وزيوت المحركات والموارد الأخرى اللازمة لصيانتها وتشغيلها.

ومع استمرار القيود المشددة على دخول مواد البناء، يعيد المهندسون استخدام الركام المسحوق لأغراض حيوية متعددة، إذ يُستخدم جزء كبير منه لإصلاح الطرق وردم الحفر، فيما يوضع بعضه أسفل الخيام والملاجئ لرفعها فوق مستويات مياه الأمطار والصرف الصحي.

وقالت نهال أبو حسن، وهي عضوة في فريق برنامج الأغذية العالمي، للصحيفة: "لا يمكن مقارنة هذه المواد بالمواد الطبيعية التي عادةً ما تُستخدم في بناء الطرق، وذلك لأن جودتها أقل، كما أن التعامل معها صعب. لكن لا يوجد بديل آخر، فقد فُرضت علينا هذه الحلول بفعل الواقع الذي نعيشه".

وبحسب الصحيفة، يعيش أكثر من 2.1 مليون نازح في خيام وملاجئ مؤقتة، في ظل استمرار الظروف الإنسانية القاسية بعد نحو 3 سنوات، إذ أصبح الركام جزءاً من البيئة التي يعيشون فيها يومياً.

وساعدت إزالة الركام في إنعاش الاقتصاد المحلي في غزة، من خلال توفير مساحات تتيح للناس بدء أنشطة جديدة وإعادة فتح المتاجر والمشروعات الصغيرة.

وقال سيلييرز: "من الأمور التي لاحظناها أنه عندما نزيل الركام أمام المتاجر والمنشآت التجارية المتضررة، يعاود الكثير منها فتح أبوابه خلال نحو 20 يوماً".

آلاف الجثث تحت الأنقاض

ورغم كل الجهود المبذولة لإزالة الركام وإتاحة الوصول مجدداً إلى المناطق السكنية، فإن بقايا المنازل تنطوي على حساسية خاصة، إذ قد يخفي كل متر من الركام أشياء لا يمكن رؤيتها من الخارج.

ولا تزال مسألة وجود رفات بشرية مدفونة تحت الركام تمثل إحدى أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً في غزة، فوفقاً لتقديرات أوردها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد تكون هناك ما بين 8 آلاف و10 آلاف جثة لا تزال مدفونة، بحسب "الجارديان".

وقال مسؤولو البرنامج إنهم يعملون مع منظمات، من بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لتحديد المواقع التي قد تكون فيها رفات بشرية مدفونة، وإعطائها الأولوية خلال عمليات إزالة الركام.

وأضاف سيلييرز: "نعمل أيضاً على إجراءات الطب الشرعي للتعرف على هوية الرفات، وضمان التعامل معها بالشكل الصحيح واحترام طقوس الدفن الدينية، وتوفير الوثائق والشهادات اللازمة للعائلات. وهذا أمر بالغ الأهمية للعائلات في غزة".

قنابل غير منفجرة

وتشكّل القنابل غير المنفجرة الموجودة بين الركام وعلى الطرق تحدياً خطيراً أمام فرق إزالة الأنقاض. وتنسّق فرق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبرنامج الأغذية العالمي مع دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (Unmas)، وجمعية "هالو ترست" (Halo Trust) البريطانية الخيرية، ومنظمات أخرى، قبل بدء أعمال الإزالة، لتحديد مواقع القنابل غير المنفجرة وحماية العمال والعائلات العائدة.

ونظراً إلى محدودية القدرات المتاحة للتعامل مع القنابل غير المنفجرة في غزة، لا تستطيع هذه المنظمات إبطال مفعول جميع هذه القنابل أو إزالتها، لكنها تستطيع تحديد المناطق الخطرة ووضع علامات تحذيرية عليها.

اقرأ أيضاً

غزة.. كارثة صحية "صامتة" وسط أنقاض الحرب

تتصاعد معاناة المرضى في غزة رغم الصمود "الهش" لاتفاق وقف إطلاق النار، بينما تحذر المنظمات الدولية من كارثة إنسانية غير مسبوقة في القطاع.

وإلى جانب خطر المتفجرات، قد يحتوي الركام على مواد خطرة أخرى، من بينها الأسبستوس، الذي يمكن أن يشكّل تهديداً صحياً خطيراً عند استنشاق أليافه.

كما تمثل المباني المتضررة التي لا تزال قائمة جزئياً خطراً آخر، إذ تعود بعض العائلات إلى منازلها معتقدة أنها آمنة، قبل أن تنهار المنشآت فجأة. ولذلك، يمثل تقييم سلامة المباني المتضررة قبل عودة السكان إليها جزءاً مهماً من جهود إعادة الإعمار.

وقال سيلييرز: "التقدم في جهود إعادة الإعمار يسير ببطء، ونحاول بذل قصارى جهدنا رغم القيود المفروضة على إدخال المعدات والخدمات التي نحتاج إليها".

تصنيفات

قصص قد تهمك