
أتاح تعديل أميركي، دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر الجاري، مراجعة طلبات تصدير الأسلحة والمعدات والخدمات الدفاعية إلى سوريا على أساس كل حالة على حدة، بعدما أزالت وزارة الخارجية الأميركية سوريا من قائمة الدول التي تخضع طلبات التصدير إليها لسياسة الرفض الشامل.
وقالت واشنطن إنها عدّلت لوائح التجارة الدولية في الأسلحة، بحيث لم تعد سوريا مدرجة ضمن الدول الخاضعة لسياسة رفض منح التراخيص والموافقات الأخرى اللازمة لبيع الأسلحة والذخائر الأميركية.
ويمثل التعديل تحولاً في الإطار القانوني المنظم للصادرات الدفاعية إلى دمشق، لكنه لا يعني الموافقة التلقائية على صفقات تسليح أو إطلاق برنامج أميركي لإعادة بناء الجيش السوري.
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع مساعي دمشق لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتطوير قدراتها، وسط تعاون دفاعي مع تركيا يشمل تدريب عسكريين سوريين وتقديم المشورة العسكرية. غير أن هذا التعاون يثير اعتراضات إسرائيلية، في ظل مخاوف من اتساع الوجود العسكري التركي داخل سوريا أو مساهمته في تطوير قدرات دفاعية سورية قد تحد من حرية التحرك العسكري الإسرائيلي.
وبرز هذا التوتر في أغسطس الماضي، عندما استهدفت ضربات إسرائيلية قاعدة أبو الظهور العسكرية في إدلب، وسط مزاعم إسرائيلية بأن دمشق كانت تسمح بانتشار قوات تركية في الموقع، وهو ما نفته دمشق وأنقرة.
وفي ظل هذه التطورات، تواجه جهود إعادة بناء الجيش السوري تحديات تتجاوز توفير الأسلحة، لتشمل توحيد القيادة وتحديد العقيدة العسكرية وتأمين التمويل، فضلاً عن التعامل مع القيود السياسية والأمنية المرتبطة بمصادر التسليح والتعاون العسكري.
خطوات أميركية
وكان ترمب قد اتخذ العام الماضي خطوات لتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، والتي استمرت لعقود خلال حكم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.
وفي أغسطس الماضي، ألغى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، ما ساعد على تمهيد الطريق أمام خطوة الأحدث في تعزيز التقارب مع الحكومة الحالية.
كما أعلنت وزارة الخارجية خططاً لإعادة فتح السفارة الأميركية في دمشق، التي ظلت مغلقة لمدة 14 عاماً.
وسبق قرارَ مراجعة طلبات تصدير الأسلحة قرارٌ آخر نُشر في 16 سبتمبر الماضي، رُفعت بموجبه قيود متبقية على مبيعات المواد والخدمات الدفاعية والتمويل العسكري الخارجي لسوريا، ضمن العقوبات المرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية.
ويختلف الإجراءان من الناحية القانونية، ولا يثبت أي منهما بمفرده إبرام صفقات تسليح أو تخصيص تمويل فعلي لإعادة بناء الجيش السوري.
ويرى محسن المصطفى، الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية في حديثه لـ"الشرق"، أن تعديل التراخيص يمثل "إجراءً إدارياً لتخفيف القيود، يتيح مراجعة الطلبات قانونياً مع بقاء قرار الموافقة أو الرفض بيد الإدارة الأميركية"، موضحاً أن التغيير قد يفتح فرصاً جديدة مستقبلاً، تبعاً لطبيعة العلاقة بين دمشق وواشنطن والترتيبات التي قد تحكم التعاون مع التحالف الدولي.
"توحيد المؤسسة" قبل التسليح
ويشير المصطفى إلى أن التحدي الأساسي أمام وزارة الدفاع السورية يتمثل في تحويل وحدة القيادة المعلنة إلى وحدة مؤسسية فعلية، بحيث يكون ولاء العسكريين للجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة، وليس لقادة التشكيلات التي انضموا منها، لافتاً إلى أن ذلك يتطلب ترسيخ التسلسل القيادي والانضباط والمساءلة في التعيينات والترقيات والالتزام بالأوامر العسكرية، بدلاً من الاكتفاء بجمع التشكيلات تحت مظلة وزارة واحدة.
ويقول إن وزارة الدفاع "أنجزت عملاً جيداً" في هذا المسار، وإن بنية الجيش السوري تتحسن باستمرار، مقتربة من "نموذج المؤسسة العسكرية" و"مبتعدة عن الفصائلية".
ولا ينفصل بناء المؤسسة العسكرية، بحسب المصطفى، عن تحديد العقيدة العسكرية التي تحكم عملها، بما يشمل مهام الجيش ومصادر التهديد التي يستعد لمواجهتها، والجهة المخولة باتخاذ قرار استخدام القوة، والحدود الفاصلة بين الدفاع الخارجي والأمن الداخلي. ويرى أن بنية الجيش السوري وتدريبه وتسليحه ينبغي أن تُحدد وفقاً للمهام الموكلة إليه، وليس العكس.
ويضيف أن إعادة بناء الجيش تتطلب أيضاً موارد مالية مستدامة، لا مجرد شراء معدات جديدة. ويرى أن المسار الأكثر واقعية هو بناء تدريجي تستطيع الدولة تمويله، بما يشمل الرواتب والتدريب والصيانة والوظائف الأساسية، بدلاً من الالتزام ببرنامج مشتريات يتجاوز قدرتها على الإنفاق في ظل احتياجات إعادة الإعمار.
ويمكن للدعم الخارجي في التدريب والمساعدة التقنية والتجهيزات أن يسهم في هذه العملية، لكن المصطفى يحذر من أن ربط رواتب الجيش وتشغيله وإمداده بجهة واحدة قد يمنحها "نفوذاً عملياً" على المؤسسة، حتى من دون تدخل مباشر في سلسلة القيادة.
ومع ذلك، قال إنه لا يعتقد أن هذا السيناريو سيحدث، معتبراً أن القيادة السورية حريصة على السيادة واستقلال القرار، ولا سيما في المؤسسة العسكرية.
ولم تقدم وزارة الدفاع السورية تفاصيل بشأن أولويات إعادة بناء الجيش أو احتياجاته من المعدات والتدريب في ضوء التعديل الأميركي الأخير، وقالت رداً على استفسار لـ"الشرق": "لا يتوفر شيء تجاه الموضوع المذكور حالياً".
أولوية "القيادة والسيطرة" والتعاون مع أنقرة
من جانبه، قال رشيد حوراني، الباحث المختص بالشؤون العسكرية في مركز جسور للدراسات، لـ"الشرق"، إن تأهيل الموارد البشرية يمثل أحد المسارات التي تعمل عليها وزارة الدفاع السورية، من خلال تدريب الكوادر العسكرية وتطوير قدراتها، بالتوازي مع التدريب في المؤسسات التعليمية العسكرية السورية.
وشاركت وحدات من الجيش السوري في مناورات "إفس 2026" في تركيا خلال مايو الماضي، وفق ما أعلنته وكالة الأنباء السورية "سانا". وقال حوراني إن المشاركة أتاحت اختبار المستوى الميداني للقوات والتعرف إلى أساليب التدريب والتنسيق العسكري.
ويرى حوراني أن تحديد احتياجات الجيش ينبغي أن ينطلق من المهام المطلوب منه تنفيذها، مشيراً إلى أن أنظمة القيادة والسيطرة تمثل أولوية في المرحلة الحالية، لما تؤديه من دور في التواصل بين الوحدات وتنسيق العمليات وإدارة القوات. وتكتسب هذه القدرات أهمية إضافية في ظل تعرض منشآت عسكرية سورية لضربات إسرائيلية متكررة.
وأضاف أن سوريا تعمل على صيانة العتاد المرتبط بمنظومات الدفاع الجوي الروسية التي تركتها القوات السابقة في الجيش السوري، بهدف الاستفادة منه في توفير حماية جوية، ولو بصورة مرحلية.
وفي ما يتعلق بالتعاون مع أنقرة، يقول حوراني إن تركيا تنتج محلياً ما نسبته 80% من احتياجاتها الدفاعية، بحسب رئاسة الصناعات الدفاعية التركية.
وأضاف حوراني أن تركيا أسهمت في جهود إعادة بناء الجيش السوري، وقد تؤدي دوراً في توفير بعض المعدات وتلبية احتياجاته الدفاعية، مشيراً إلى أن أي صفقات محتملة ستعتمد على طبيعة العروض المقدمة إلى دمشق، وشروط الاستخدام النهائي، ومستوى الثقة بين الأطراف.
ولم يستبعد حوراني إمكانية تقديم الولايات المتحدة أسلحة إلى سوريا لدعم جهود مكافحة تنظيم "داعش" وحماية الحدود، موضحاً أن هذا الاحتمال يستند إلى تقديره لمسار العلاقات بين البلدين، وليس إلى إعلان أميركي عن صفقة أو برنامج تسليح محدد.
أبو الظهور.. خلاف على الدور العسكري التركي
ويرتبط التوتر بشأن الدور التركي في سوريا بالتعاون الدفاعي بين دمشق وأنقرة، إذ وقّع وزير الدفاع التركي يشار جولر ونظيره السوري مرهف أبو قصرة، في 13 أغسطس 2025، مذكرة تفاهم بشأن التدريب وتقديم الاستشارات العسكرية، خلال لقاء في أنقرة، وفق ما أوردته وكالة الأناضول.
وفي 18 أغسطس الماضي، أفادت وسائل إعلام سورية بأن إسرائيل شنّت 8 غارات استهدفت مدرج قاعدة أبو الظهور العسكرية ومنشآت تخزين داخلها.
وزعم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن دمشق كانت على وشك الإخلال بالترتيبات الأمنية القائمة، من خلال السماح بنشر قوات تركية في القاعدة، مشيراً إلى أن إسرائيل سبق أن حذّرت سوريا من أن مثل هذا الانتشار سيشكّل تهديداً لأمنها.
في المقابل، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إنه لا توجد نية لإنشاء قاعدة تركية أو نشر قوات تركية بصورة دائمة في أبو الظهور، موضحاً أن أعمال تأهيل الموقع مخصصة لسلاح الجو السوري. كما نفت تركيا وجود خطط لإنشاء قاعدة عسكرية فيه، وقالت إن الزيارات العسكرية تأتي في إطار التدريب وتبادل الخبرات.
ووصف المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك الضربات بأنها "تصعيد غير ضروري لا يعزز الاستقرار الإقليمي"، وقال إن واشنطن تعمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين سوريا وتركيا وإسرائيل.
ويعكس الموقف الأميركي محاولة احتواء التوتر بين الأطراف، بالتزامن مع تخفيف بعض القيود القانونية التي كانت تحد من إمكانات التعاون الدفاعي مع دمشق.
وبعد 5 أيام من الضربات، استضاف الأردن في 23 أغسطس محادثات سورية إسرائيلية بوساطة أميركية لخفض التصعيد.
وذكرت "سانا" أن المحادثات تناولت آليات لوقف الضربات الإسرائيلية والاعتقالات والعمليات المستهدفة، وإحياء المفاوضات بشأن اتفاق أمني، إلى جانب بحث سبل احتواء التوتر بين إسرائيل وتركيا ومنع امتداده إلى الأراضي السورية.
وأضافت الوكالة الرسمية، نقلاً عن مصدر دبلوماسي في وزارة الخارجية السورية، أن دمشق رفضت أي ترتيبات تقيد حقها في إعادة بناء قواتها المسلحة وتطويرها أو تحدد تحالفاتها وشراكاتها.
مخاوف إسرائيلية
قال أنطوان شلحت، الباحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، لـ"الشرق"، إن المؤسسات الأمنية والسياسية الإسرائيلية تتابع عن كثب جهود إعادة بناء الجيش السوري والتطورات الإقليمية المرتبطة بها.
وأوضح أن من أبرز مصادر القلق الإسرائيلي احتمال إعادة تأهيل سلاح الجو السوري ومنظومات الدفاع الجوي، بما قد يقيّد قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية.
وأضاف شلحت أن إسرائيل تسعى، وفق تقديره، إلى منع سوريا من امتلاك قدرات عسكرية متقدمة، مثل الصواريخ الدقيقة ومنظومات التسليح التي قد تغيّر ميزان القوى أو تعزز قدرة دمشق على الردع. ويأتي التعاون العسكري بين سوريا وتركيا ضمن هذه الحسابات، خصوصاً إذا توسع ليشمل منظومات الدفاع الجوي أو أشكالاً أعمق من التعاون العسكري.
وأشار إلى أن إسرائيل لا تعتبر بالضرورة إعادة بناء جيش سوري نظامي تهديداً فورياً قد يؤدي إلى حرب شاملة، لكنها تنظر إليها باعتبارها عملية طويلة الأمد قد تغيّر التوازنات الأمنية في المنطقة. ويرى أنها تسعى إلى الحفاظ على قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية ومنع تطوير قدرات سورية تعتبرها تهديداً استراتيجياً، من خلال التحركات العسكرية والجهود السياسية والاستخباراتية، بما فيها الاتصالات مع واشنطن.
ولفت شلحت إلى أن إسرائيل اتخذت إجراءات لتعزيز الحدود عند هضبة الجولان، شملت إقامة حواجز مادية واستخدام وسائل تقنية لمنع التسلل والهجمات. ويرى أن إسرائيل تسعى إلى الحد من تطوير القدرات العسكرية السورية، خصوصاً الأسلحة الهجومية المتقدمة ومنظومات الدفاع التي قد تقلّص تفوقها العسكري.










