
مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في 31 ديسمبر 2026، تتجاوز التساؤلات في جنوب لبنان مستقبل الدور الأمني للقوة، لتشمل مصير المشاريع الإنسانية والإنمائية التي أسهمت في دعم البلديات والسكان على مدى عقود.
وأوضحت المتحدثة باسم القوة الأممية، كانديس أرديل، في حديث لـ"الشرق"، أن "اليونيفيل" نفذت 110 مشاريع سريعة الأثر في 115 بلدة، خلال الفترة الممتدة من السنة المالية 2023-2024 إلى السنة المالية 2026-2027، مشيرة إلى أن نحو 1.5 مليون شخص استفادوا بتمويل إجمالي تجاوز مليوني دولار.
وأضافت أن نحو نصف هذه المشاريع ركّز على دعم بسط سلطة الدولة، تلتها مبادرات لتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية، ثم مشاريع تهدف إلى إدارة النزاعات وبناء الثقة.
وأشارت إلى أن هذه الأرقام لا تشمل أنشطة الدعم التي نفذتها الوحدات العسكرية التابعة للدول المشاركة في القوة، وشملت قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والزراعة والطاقة والمياه والبيئة، إلى جانب المساعدة في استعادة الخدمات الأساسية في المجتمعات المتضررة التي عاد سكانها إليها.
مصير المشاريع بعد انتهاء الولاية
وأكدت أرديل أن مشاريع الدعم، شأنها شأن سائر عمليات "اليونيفيل"، ستستمر حتى انتهاء ولاية البعثة في اليوم الأخير من العام الحالي.
وأوضحت أن المشاريع سريعة الأثر تُصمّم منذ البداية وفق مبدأي الملكية المحلية والاستدامة، بالتعاون مع السلطات المحلية، ولاسيما البلديات واتحادات البلديات، التي توافق مسبقاً على تولّي مسؤولية تشغيل الأصول والخدمات الناتجة عن هذه المشاريع وصيانتها بعد تسلّمها.
وأضافت أن هذه المبادرات تُنفذ بوصفها تدخلات قصيرة الأجل ولمرة واحدة، وليست خدمات مستمرة تديرها "اليونيفيل" على المدى الطويل. وبناءً على ذلك، تُحدّد مسؤولية الجهات اللبنانية عنها منذ البداية، ولا تستدعي نقلها عند انتهاء عمل البعثة.
ولفتت إلى أن بعض المشاريع يقتصر على بناء القدرات والتدريب، من دون الحاجة إلى تسليم أصول أو خدمات إلى جهة أخرى.
الاحتياجات الإنسانية بعد الانسحاب
شددت أرديل على أن الحكومة اللبنانية تتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية المدنيين وتوفير الخدمات الأساسية للسكان، فيما يقتصر دور كيانات الأمم المتحدة في لبنان على دعم الحكومة في الاضطلاع بهذه المسؤوليات.
وأشارت إلى أن "اليونيفيل" ووكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها تعمل على تحديد الثغرات المحتملة التي قد تنشأ عن مغادرة القوة والحد منها، بما يشمل الوصول الإنساني، وصيانة شبكات المياه والآبار وإصلاحها، وتوفير الرعاية الصحية، موضحة أن المناقشات في هذا الشأن لا تزال مستمرة.
وأضافت أن استثمارات "اليونيفيل" خلال السنوات الأخيرة ركزت على تعزيز قدرات المستجيبين الأوائل ومقدمي الخدمات على المستويين الوطني والمحلي.
وشملت هذه الاستثمارات دعم المستشفيات الحكومية في تبنين ومرجعيون، والصليب الأحمر اللبناني، والدفاع المدني اللبناني، والبنية التحتية للمياه التابعة للدولة والبلديات، مؤكدة أن هذه الاستثمارات ستظل قائمة بعد مغادرة البعثة.
وفي المقابل، لفتت أرديل إلى أن وجود "اليونيفيل" وبعض المهام التي تضطلع بها القوة يرتبطان مباشرة بالولاية الممنوحة لها من مجلس الأمن الدولي، مشددة على أن أي كيان آخر تابع للأمم المتحدة في لبنان لا يستطيع أن يحل محل البعثة في هذه المهام أو أن يتولاها نيابة عنها.
غياب الشاهد الدولي
واعتبر رئيس بلدية معركة ونائب رئيس اتحاد بلديات قضاء صور، عادل سعد، أن وجود "اليونيفيل" منذ عام 1978 أسهم في تعزيز العلاقات الاجتماعية بين القوات الدولية والأهالي، مشيراً إلى أن العلاقة مع الكتائب المتعاقبة، ومنها السنغالية والفرنسية والإيطالية والماليزية، كانت "جيدة جداً"، وشهدت في بعض المراحل "تفاعلاً اجتماعياً واسعاً".
وأضاف سعد في حديث لـ"الشرق"، أن القرى الجنوبية بدأت تشعر بفراغ محتمل حتى قبل مغادرة القوات الدولية، معتبراً أن المخاوف لا تقتصر على تراجع المساعدات والمشاريع، بل تشمل أيضاً غياب الجهة الدولية التي تراقب التطورات وتنقل معاناة السكان إلى الأمم المتحدة والدول الأوروبية والمجتمع الدولي.
وأوضح أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يجعل وجود جهة دولية شاهدة على ما يجري في الجنوب أمراً بالغ الأهمية، معرباً عن أمله في تشكيل قوة دولية بديلة تواصل مراقبة الخروقات ونقلها إلى الأمم المتحدة، بما يشكل عامل ضغط على إسرائيل.
وفيما يتعلق بالتداعيات الاجتماعية والاقتصادية المحتملة، أشار سعد إلى أن انتهاء المهمة قد ينعكس على العاملين اللبنانيين الذين أمضوا سنوات طويلة في خدمة "اليونيفيل"، محذراً من ارتفاع البطالة وفقدان مصادر الدخل، خصوصاً لدى من تجاوزوا 50 عاماً ويواجهون صعوبة في الانتقال إلى وظائف جديدة أو إعادة بناء مساراتهم المهنية.
وأكد أن الكتائب الدولية تواصل تنفيذ المبادرات والمشاريع في القرى الجنوبية حتى المراحل الأخيرة من وجودها.
العلاقة بين اليونيفيل والسكان
من جهته، أكد رئيس بلدية فرون، حسن بزي، أن العلاقة بين البلدة وقوات "اليونيفيل" تطورت على مدى السنوات، وشهدت زيارات متبادلة بين عناصر القوات الدولية والأهالي، سواء في المنازل أو في مراكز الكتائب.
وأوضح، في حديث لـ"الشرق"، أن وجود "اليونيفيل" كان له أثر إيجابي على السكان، ولا سيما على المستوى الأمني، في ظل وجود مواقع إسرائيلية في الجهة الشرقية من البلدة، إذ أسهم حضور القوات الدولية في تعزيز شعور الأهالي بالأمان.
وعلى الصعيد الإنمائي، أشار رئيس بلدية فرون إلى أن المشاريع التي نفذتها "اليونيفيل" تركت "أثراً ملموساً" في البلدة، مستذكراً تجربته رئيساً للبلدية منذ عام 2010، حين كانت فرون تستفيد سنوياً من مشروع أو مشروعين تنفذهما الكتائب الدولية، ومنها الإسبانية والفنلندية والفرنسية.
وأوضح أن هذه المشاريع شملت توفير مولدات كهربائية للبلدية خلال فترات انقطاع الكهرباء، والمساهمة في إنشاء ملعب لكرة القدم المصغرة، وإنجاز بركة زراعية، إلى جانب مبادرات أخرى ذات طابع خدمي وتنموي.
وحذر من أن انتهاء مهمة "اليونيفيل" قد يترك "فراغاً" على المستويين الإنساني والإنمائي، خصوصاً أن المنظمات الدولية والقوات الأممية أسهمت في سد الفجوات التي برزت خلال الأزمات والحروب التي شهدها لبنان، ولا سيما في أعوام 2006 و2024 و2026.
ولفت إلى أن بلدة فرون لا تزال تستفيد من أنشطة منظمات دولية أخرى، بينها المجلس النرويجي للاجئين، الذي يعمل على صيانة المدرسة الرسمية وترميمها وتنفيذ بعض المشاريع الصغيرة، إضافة إلى منظمة "أطباء بلا حدود"، فضلاً عن منظمات وجمعيات تقدم مساعدات عينية وتنفذ مبادرات مرتبطة بالنظافة واحتياجات السكان.
التداعيات الاقتصادية وفجوة التمويل
وحذر الخبير الاقتصادي شريف يونس، في حديث لـ"الشرق"، من محدودية قدرة البلديات اللبنانية على تحمّل الأعباء الخدمية والتنموية بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، في ظل احتياجات التعافي وإعادة الإعمار التي قدّرها البنك الدولي بنحو 11 مليار دولار.
وأشار يونس إلى أن مشروع المساعدة الطارئة للبنان (LEAP)، الذي يموله البنك الدولي، يتضمن تمويلاً أولياً بقيمة 250 مليون دولار، ضمن إطار مستهدف يبلغ مليار دولار، ما يترك فجوة تمويلية قدرها 750 مليون دولار.
وشدد على أن البلديات لا تستطيع بمفردها تأمين صيانة البنية التحتية وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، داعياً إلى وضع خطة تمويل مستدامة وتوزيع واضح للمسؤوليات بين الدولة والسلطات المحلية والجهات المانحة، تفادياً لحدوث فجوة خدمية وتنموية في القرى الجنوبية بعد انسحاب القوة الدولية.










