تحذيرات سلامة تعقّد إعادة تشغيل مفاعل نووي تدعمه إدارة ترمب | الشرق للأخبار

مخاوف بشأن السلامة تعرقل إعادة تشغيل مفاعل نووي تدعمه إدارة ترمب

مشهد لمنشآت محطة "باليساديس" النووية في بلدة كوفيرت بولاية ميشيجان، الولايات المتحدة. 14 أغسطس 2024 - Reuters
مشهد لمنشآت محطة "باليساديس" النووية في بلدة كوفيرت بولاية ميشيجان، الولايات المتحدة. 14 أغسطس 2024 - Reuters

يواجه مشروع لإعادة تشغيل مفاعل نووي في ولاية ميشيجان الأميركية، يحظى بدعم إدارة الرئيس دونالد ترمب، مخاوف متزايدة بشأن معايير السلامة، بعد سلسلة حوادث شملت سقوط عامل داخل تجويف المفاعل وميل حزمة من قضبان الوقود النووي، وسط تحذيرات رقابية من بيئة عمل قد تثني الموظفين عن الإبلاغ عن المخاطر.

وذكرت صحيفة "فاينانشال تايمز" أن لجنة الرقابة النووية الأميركية طلبت من شركة "هولتيك إنترناشونال"، التي تسعى إلى إعادة تشغيل مفاعل متوقف في محطة "باليساديس"، معالجة ما وصفته بـ"بيئة عمل مثبطة"، تجعل الموظفين مترددين في إثارة المخاوف المتعلقة بالسلامة، خشية تعرضهم لإجراءات انتقامية.

وأثارت تحذيرات اللجنة قلق منتقدين من أن الضغوط المالية والسياسية لتسريع إحياء قطاع الطاقة النووية في الولايات المتحدة، باعتباره أحد الحلول لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء بفعل طفرة الذكاء الاصطناعي، قد تزيد مخاطر وقوع حوادث في المنشآت النووية.

ويُعد مشروع "باليساديس" من أبرز مشروعات إعادة تشغيل المفاعلات النووية المتوقفة بالولايات المتحدة، في وقت تراهن فيه إدارة ترمب على توسيع إنتاج الطاقة النووية لتعزيز القدرة التنافسية الأميركية في سباق الذكاء الاصطناعي مع الصين.

مخاوف بشأن السلامة

وأجرت لجنة الرقابة النووية تفتيشاً في محطة "باليساديس" خلال يوليو الماضي، بعد إثارة مخاوف تتعلق بثقافة السلامة والوعي بالمخاطر داخل المنشأة.

وجاء التفتيش عقب حادث وقع العام الماضي، سقط خلاله عامل متعاقد داخل تجويف المفاعل وابتلع بعض المياه، قبل نقله إلى منشأة طبية خارج الموقع لتلقي العلاج.

وخضع العامل لإجراءات إزالة التلوث على أيدي موظفي الحماية من الإشعاع، فيما أظهر تقرير الحادث تسجيل 300 عدّ إشعاعي في الدقيقة (عدد التفككات أو الجسيمات المشعة التي رصدها العداد في الدقيقة الواحدة) في شعره.

وفي أغسطس الماضي، شهدت المحطة حادثاً آخر، عندما مالت حزمة من قضبان الوقود النووي خلال عملية إعادة التزويد بالوقود، ما تسبب في تأخير موعد إعادة تشغيل المفاعل، الذي كان يُتوقع أن يصبح أول مفاعل نووي متوقف يُعاد تشغيله في الولايات المتحدة.

وكشفت اللجنة أيضاً أن 9 من أصل 15 مشغلاً للمفاعل أخفقوا في الاختبارات الأولية للحصول على تراخيص التشغيل، التي أُجريت خلال يوليو وأغسطس، فيما حصل المشغلون الـ6 الآخرون على تراخيصهم.

وفي تحذير وجهته إلى "هولتيك" الأسبوع الماضي، دعت اللجنة الشركة إلى معالجة المخاوف المتعلقة بثقافة العمل سريعاً، لتجنب مزيد من التدهور في بيئة السلامة داخل الإدارات المعنية.

وطلبت الجهة الرقابية من الشركة اتخاذ إجراءات تصحيحية، مشيرة إلى أنها ستراجع خطتها لمعالجة المشكلات خلال 30 يوماً.

لكن اللجنة قللت في الوقت نفسه من احتمال وجود خطر فوري على الجمهور، مؤكدة أن إجراءات الحد من المخاطر حالت دون المساس بسلامة المحطة.

ضغوط مالية وسياسية

وتحاول "هولتيك"، التي لم يسبق لها تشغيل محطة للطاقة النووية، إعادة مفاعل "باليساديس" إلى الخدمة بعد توقفه عام 2022، مستفيدة من دعم حكومي بنحو 2.2 مليار دولار.

وبدأت المحطة إنتاج الكهرباء للمرة الأولى عام 1971، قبل إخراجها من الخدمة بعد أكثر من نصف قرن، ثم حصل مشروع إعادة تشغيلها في 2024 على قرض بقيمة 1.5 مليار دولار من وزارة الطاقة الأميركية لتمويل أعمال إعادة التأهيل.

وتواجه الشركة موعداً نهائياً بموجب تعاقداتها لبدء تزويد العملاء بالكهرباء بحلول مارس 2027.

وكان العملاء المتعاقدون على شراء الكهرباء من المحطة قد حصلوا على تمويل حكومي إضافي بقيمة 1.3 مليار دولار.

ويأتي المشروع في إطار موجة أوسع لإحياء الطاقة النووية الأميركية، إذ أعلنت الشركات المالكة لمحطتين أخريين، هما "ثري مايل آيلاند" في بنسلفانيا و"دوان أرنولد" في آيوا، خططاً لإعادة تشغيل مفاعلات متوقفة، بعد بدء العمل على إعادة تأهيل "باليساديس".

وتروج إدارة ترمب للطاقة النووية باعتبارها عنصراً رئيسياً في تعزيز قدرات الولايات المتحدة على تلبية احتياجات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

وفي يوليو الماضي، أعلن ترمب إجراءات لتخفيف القواعد التنظيمية المرتبطة بالمفاعلات النووية وسلاسل إمداد الوقود، ضمن توجه حكومي لتسريع تنفيذ مشروعات القطاع.

كما وفرت الإدارة تمويلاً بعشرات المليارات من الدولارات، وتعهدت بتغيير ما وصفته بثقافة "تجنب المخاطر" داخل لجنة الرقابة النووية، بهدف تسريع الموافقات وتنفيذ المشروعات.

غير أن التحذيرات المتعلقة بمحطة "باليساديس" جاءت في وقت بدأ فيه اهتمام المستثمرين بشركات الطاقة النووية يتراجع، وسط مخاوف من تباطؤ طفرة الذكاء الاصطناعي.

وبحسب "فاينانشال تايمز"، انخفضت القيمة السوقية لـ5 من أكبر شركات الطاقة النووية المدرجة في الولايات المتحدة بأكثر من 30 مليار دولار خلال العام الماضي، وهي "أوكلو" و"سينتروس إنرجي" و"بي دبليو إكس تكنولوجيز" و"نيوسكيل" و"نانو نيوكلير".

والشهر الماضي، اضطرت "هولتيك" إلى تأجيل طرح عام أولي كان من المتوقع أن يجمع نحو 900 مليون دولار، ويمنح الشركة، التي تتخذ من ولاية نيوجيرسي مقراً لها، تقييماً يصل إلى 10 مليارات دولار.

تحذيرات من تراجع ثقافة السلامة

وقالت أليسون ماكفارلين، التي ترأست لجنة الرقابة النووية بين عامي 2012 و2014، إن التحدي الذي تواجهه "هولتيك" يتمثل في كونها شركة حديثة العهد بتشغيل المحطات، وتسعى إلى إعادة تشغيل مفاعل قديم، وسط ضغوط مالية وسياسية لإنجاز المشروع بسرعة.

وأضافت أن تحذير الجهة الرقابية بشأن بيئة العمل يثير مخاوف من أن الموظفين قد لا يشعرون بالأمان الكافي للتحدث عن المشكلات المتعلقة بالسلامة، أو الإبلاغ عن المخاطر قبل تحولها إلى حوادث.

واعتبرت أن الوضع ربما يعكس ثقافة جديدة بدأت تنتشر في بعض أجزاء القطاع النووي، تقوم على مبدأ "التحرك بسرعة وكسر الأشياء"، في إشارة إلى النهج الشائع في بعض قطاعات التكنولوجيا.

لكنها شددت على أن ضمان السلامة في المنشآت النووية يتطلب نهجاً مختلفاً، يقوم على العمل ببطء وحذر، وإعطاء الأولوية للتدقيق والوقاية من المخاطر.

وتثير هذه المخاوف تساؤلات بشأن قدرة شركات حديثة العهد بتشغيل المفاعلات على التوفيق بين متطلبات السلامة النووية والجداول الزمنية والضغوط الاستثمارية المصاحبة لمشروعات إعادة التشغيل.

"هولتيك" تنفي التسرع

في المقابل، أكدت "هولتيك"، في بيان لصحيفة "فاينانشال تايمز"، أنها تتعامل بجدية مع المشكلات التي حددتها لجنة الرقابة النووية، وتعمل على معالجتها لضمان التشغيل الآمن للمحطة.

وقالت الشركة إن حزمة الوقود التي مالت خلال عملية إعادة التزويد جرت استعادتها بنجاح، من دون حدوث أي تسرب، معتبرة أن العملية أظهرت مستوى مرتفعاً من الكفاءة التقنية.

وأضافت أن وجود بيئة عمل تتمتع بوعي قوي بالسلامة يمثل عنصراً أساسياً في ثقافتها المؤسسية.

ورفضت الشركة الاتهامات بأنها استعجلت تنفيذ المشروع، قائلة إن الأعمال التي أُنجزت تدحض بصورة مباشرة تلك المزاعم.

كما أوضحت أن العامل الذي سقط داخل تجويف المفاعل العام الماضي تعرض لإصابات طفيفة نتيجة السقوط، وعاد إلى عمله بعد فترة قصيرة.

من جانبها، أكدت لجنة الرقابة النووية أن السلامة تظل على رأس أولوياتها، مشيرة إلى أن مفتشيها راقبوا باستمرار إجراءات الشركة للتعامل مع حزمة الوقود التي مالت داخل المفاعل.

وشددت اللجنة على أن الحزمة لم تسقط، وأن موظفي الشركة تمكنوا من إزالتها بأمان من قلب المفاعل ونقلها إلى حوض الوقود المستهلك.

وأضافت أنها تجري تقييماً مستقلاً للأنشطة في "باليساديس"، وستواصل مراقبة أعمال إعادة التشغيل عن كثب.

بدورها، أوضحت وزارة الطاقة الأميركية أن عودة المحطة إلى الخدمة لا تزال مشروطة بالحصول على الموافقات اللازمة من لجنة الرقابة النووية.

وقالت الوزارة إنها تعمل بالتنسيق مع الجهة التنظيمية وشركة "هولتيك" للمضي قدماً في ما وصفته بـ"النهضة النووية الأميركية".

اتهامات سابقة بشأن الحوكمة

وتسعى "هولتيك" إلى توسيع أنشطتها من توريد المكونات والخدمات النووية إلى تصميم المفاعلات وتشغيل محطات الطاقة، لكنها واجهت في السابق تساؤلات بشأن ممارسات الحوكمة والإدارة.

وكانت الشركة طرفاً في دعوى قضائية رفعها مُبلّغ عن مخالفات، إلى جانب نزاعات قانونية مع مسؤولين تنفيذيين سابقين، تضمنت ادعاءات بتقديم بيانات مالية مضللة، واتخاذ إجراءات انتقامية ضد مسؤولين، وممارسة الاحتيال.

ورفض مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي، كريس سينج، هذه الاتهامات في مقابلة سابقة مع "فاينانشال تايمز".

وتأتي هذه الخلافات في وقت تحاول فيه الشركة إثبات قدرتها على الانتقال إلى تشغيل المحطات النووية، وهي مهمة تختلف في متطلباتها الفنية والرقابية عن أعمال توريد المعدات والخدمات.

رقابة ضرورية لإنجاح المشروع

ورغم المخاوف المتعلقة بالسلامة، يرى بعض خبراء الطاقة أن التدخل الرقابي في "باليساديس" يؤكد أهمية الإشراف المستقل على مشروعات إعادة تشغيل المفاعلات.

وقال آدم شتاين، مدير ابتكار الطاقة النووية في معهد "بريكثرو"، وهو مركز أبحاث متخصص في قضايا المناخ والطاقة، إن هذه الحالة توضح أهمية وجود رقابة تنظيمية ملائمة للقطاع النووي، مضيفاً أن الجهة الرقابية تبدو وكأنها تؤدي دورها.

واعتبر أن نجاح مشروع "باليساديس" سيحمل دلالة رمزية مهمة لنمو الطاقة النووية في الولايات المتحدة، خصوصاً بالنظر إلى صعوبة إعادة تشغيل محطة يتجاوز عمرها نصف قرن.

وأوضح أن التحديات تشمل عدم امتلاك "هولتيك" خبرة سابقة في تشغيل المحطة، وتقادم كثير من مكوناتها، إلى جانب الأخطاء الموثقة التي وقعت خلال أعمال إعادة التأهيل.

لكنه رجح استمرار المشروع، بالنظر إلى حجم الاستثمارات التي ضُخت فيه.

مخاوف محلية من حادث نووي

في المقابل، يخشى نشطاء محليون يعارضون إعادة تشغيل محطة "باليساديس" احتمال وقوع حادث نووي خطير إذا استؤنف تشغيلها قبل معالجة المخاوف المتعلقة بالسلامة.

ويشكك بعض هؤلاء النشطاء في استقلالية لجنة الرقابة النووية، وقدرة "هولتيك" على إدارة المنشأة بأمان، معتبرين أن الضغوط المالية والسياسية قد تؤثر في القرارات المتعلقة بإعادة التشغيل.

وقال مايكل جيه. كيجان، من جماعة "دونت ويست ميشيجان" البيئية، إن الشركة تواجه ضغوطاً مالية وسياسية هائلة للإسراع في إنجاز المشروع.

وأضاف أن القائمين عليه "يشقون طريقهم بصعوبة، لكنهم لا يعرفون ما يفعلونه"، في تعبير عن تشكيكه في قدرة الشركة على إدارة التعقيدات الفنية للمحطة.

واتهم كيجان لجنة الرقابة النووية بتسهيل إعادة التشغيل والتواطؤ مع صناعة الطاقة النووية.

وتتناقض هذه الاتهامات مع تأكيدات اللجنة أنها تمارس رقابة مستقلة ومستمرة على أعمال "هولتيك"، وأن إجراءات السلامة المتخذة حتى الآن حالت دون تعرض الجمهور لخطر فوري.

ومع اقتراب الموعد التعاقدي لإعادة تشغيل المحطة في مارس 2027، يواجه مشروع "باليساديس" اختباراً يجمع بين القدرة على استيفاء متطلبات السلامة، ومعالجة المشكلات الفنية والرقابية، والوفاء بالالتزامات المالية والتجارية.

وفي الوقت الذي تراهن فيه إدارة ترمب على تسريع التوسع النووي لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، تبرز تجربة "باليساديس" بوصفها اختباراً لقدرة القطاع على إحياء المفاعلات القديمة من دون الإخلال بمعايير السلامة التي تحكم تشغيل المنشآت النووية.

تصنيفات

قصص قد تهمك