
حقق الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا عودة انتخابية مفاجئة، بفوزه في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية، الأحد، على منافسه فلافيو بولسونارو، ليضمن ولاية رابعة غير مسبوقة، ويوقف موجة صعود اليمين في أميركا اللاتينية، متحدياً التوقعات بأن مسيرته السياسية الطويلة اقتربت من نهايتها.
وحصل لولا على 51% من الأصوات، مقابل 49% لبولسونارو، وفق بيانات المحكمة الانتخابية البرازيلية، بعد فرز 73% من الأصوات حتى الساعة 8:48 مساء الأحد بالتوقيت المحلي، فيما رجحت مؤسسة "داتافولها" فوزه في الانتخابات، وفقاً لما أوردته "بلومبرغ".
وجاءت النتيجة عقب يوم انتخابي مضطرب، شهد اتهامات بعرقلة التصويت وتمديد ساعات الاقتراع في اللحظات الأخيرة، قبل أن تمنح أصوات الناخبين في شمال شرقي البرازيل، المعقل التقليدي للولا، دفعة حاسمة للرئيس البالغ من العمر 80 عاماً.
ويمثل الفوز امتداداً لمسيرة سياسية تتجاوز 4 عقود، وضربة للحركة اليمينية التي أسسها الرئيس السابق جايير بولسونارو، بعدما حاول نجله الأكبر فلافيو إعادة العائلة إلى السلطة، مستلهماً خطاباً شعبوياً متأثراً بحركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وشعارها "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً".
لكن الفوز بفترة رئاسية جديدة لا يعني انتهاء التحديات أمام لولا، الذي سيواجه خلال السنوات الـ4 المقبلة مهمة إدارة أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية، في ظل انقسامات سياسية عميقة، وضغوط مالية متزايدة، وارتفاع مديونية الأسر.
انقسامات سياسية وتحديات اقتصادية
تكشف نتيجة الانتخابات حجم الاستقطاب في المجتمع البرازيلي، بين معسكر لولا الذي تشكلت توجهاته السياسية خلال صعوده زعيماً نقابياً ومعارضته للديكتاتورية العسكرية، ومعسكر بولسونارو الذي يستند إلى المحافظة الاجتماعية والتيارات الإنجيلية والدفاع عن سياسات اقتصادية أكثر تحرراً.
وتضع هذه الانقسامات أمام الرئيس تحدياً يتمثل في بناء تفاهمات سياسية تتيح له تنفيذ برنامجه، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى معالجة ارتفاع العجز المالي والدين العام، اللذين أسهما في إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، بحسب "بلومبرغ".
وتثير هذه الأوضاع قلق المستثمرين، لكن التحدي الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى لولا يتمثل في ارتفاع مديونية الأسر البرازيلية، بعدما بلغت حالات التعثر في سداد القروض الشخصية أعلى مستوياتها منذ نحو 20 عاماً.
وقال كريومار دي سوزا، مؤسس شركة "دارما بوليتيكال ريسك آند ستراتيجي" ورئيسها التنفيذي، ومقرها برازيليا، إن لولا قد يعتقد أنه حصل على تفويض واسع، لكنه أُعيد انتخابه "في بيئة من الهشاشة المؤسسية".
وأضاف أن الرئيس سيحتاج إلى بناء ائتلاف سياسي، حتى وإن حمل فوزه رسالة قوية إلى اليمين الراديكالي الذي سيكون مضطراً إلى إعادة النظر في أساليب عمله.
من الشعبية القياسية إلى العودة الصعبة
أنهى لولا ولايته الرئاسية الثانية عام 2010 بمعدل تأييد بلغ 83%، وهي شعبية دفعت الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إلى وصفه آنذاك بأنه "السياسي الأكثر شعبية على وجه الأرض".
لكن صورة لولا تغيرت خلال السنوات التالية، بعدما طالت مسيرته فضائح فساد، وأمضى فترة في السجن على خلفية إدانات قضائية أُلغيت لاحقاً.
وعندما عاد إلى السلطة عام 2023، بعد فوزه على جايير بولسونارو في انتخابات 2022، واجه انتقادات مفادها أنه يحاول معالجة مشكلات البرازيل القديمة والجديدة بأدوات سياسية واقتصادية تنتمي إلى مرحلة سابقة.
ولم تعد برامج الدعم الاجتماعي التقليدية وحدها كافية لتلبية تطلعات جيل جديد نشأ في ظل توسع اقتصاد العمل الحر والتحولات التي شهدها سوق العمل، بما فيها انتشار أنماط العمل المرتبطة بالمنصات الرقمية.
وبدا ابتعاد لولا عن هذه التحولات واضحاً في رفضه امتلاك هاتف محمول حتى الأسبوع الأخير من الحملة الانتخابية، في مفارقة مع صورته السابقة بوصفه سياسياً يتمتع باتصال مباشر بالمجتمع البرازيلي.
وكان الرئيس قريباً من مواجهة نهاية مسيرته السياسية، بعدما تصدر فلافيو بولسونارو الجولة الأولى من الانتخابات في 4 أكتوبر، في نتيجة شكلت انتكاسة غير متوقعة للولا.
ودخل بولسونارو جولة الإعادة بثقة كبيرة، مستنداً إلى سابقة انتخابية مفادها أن أياً من المرشحين الذين حلوا في المركز الثاني بالجولة الأولى لم ينجح في قلب النتيجة خلال جولة الإعادة منذ عودة البرازيل إلى الديمقراطية عام 1989.
لكن لولا، الذي اشتهر بقدرته على تجاوز الأزمات السياسية والانتخابية، نجح مرة أخرى في العودة إلى المنافسة وتغيير مسارها.
إجراءات اقتصادية لحشد الناخبين
انتقل لولا إلى الهجوم خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية، معلناً سلسلة إجراءات تستهدف تخفيف الضغوط المالية عن الأسر.
وشملت الإجراءات زيادة المساعدات المقدمة ضمن برنامج "بولسا فاميليا" للدعم الاجتماعي، وحظر المقامرة عبر الإنترنت، وطرح خطة واسعة لإعادة تمويل ديون المستهلكين بالتعاون مع المصارف الخاصة.
كما تضمنت توفير حقن لإنقاص الوزن عبر نظام الصحة العامة البرازيلي.
وفي الأيام الـ15 الأخيرة قبل جولة الإعادة، ركز الرئيس جهوده على الناخبين الذين امتنعوا عن التصويت في الجولة الأولى، إلى جانب محاولة استمالة المترددين.
وكانت منطقة الشمال الشرقي، ذات الكثافة السكانية العالية والتي انطلقت منها مسيرته الشخصية والسياسية، حاسمة في تعزيز فرصه الانتخابية، فقد احتفظ لولا بارتباط قوي مع الناخبين الأفقر في المنطقة، الذين منحوه دعماً واسعاً ساعده على تعويض تقدم منافسه في مناطق أخرى من البلاد.
وقال أنطونيو أفيلينو، البالغ 73 عاماً، خلال عمله سائق سيارة أجرة في ساو باولو قبل أسبوع من الانتخابات: "الشمال الشرقي سينقذ هذا البلد مرة أخرى".
ضغوط المستثمرين ومخاوف الأسر
على الرغم من عودته إلى الرئاسة، يواجه لولا تحديات اقتصادية قد تكون أشد تعقيداً من تلك التي واجهها خلال فتراته السابقة في الحكم، فالرئيس، الذي كان قد أعلن سابقاً أنه لن يخوض انتخابات 2026 قبل أن يتراجع عن قراره، لا يمتلك وريثاً سياسياً واضحاً، فيما أصبحت مسألة تقدمه في السن أحد العوامل الحاضرة في النقاش بشأن مستقبل معسكره السياسي.
وسيكون لولا مطالباً بطمأنة المستثمرين إلى قدرة حكومته على ضبط المالية العامة والحد من تراكم الديون، في ظل مخاوف من استمرار الإنفاق الحكومي عند مستويات مرتفعة.
وخلال ولايته الثالثة، تراجع معدل البطالة في البرازيل إلى مستويات قريبة من أدنى مستوياته التاريخية، مسجلاً 5.4% في يوليو الماضي، فيما حقق الاقتصاد نمواً تجاوز وتيرة نمو الاقتصاد الأميركي، وفاق توقعات خبراء الاقتصاد في مناسبات عدة.
كما رفع لولا الحد الأدنى للأجور بنسب تجاوزت التضخم، وأدخل تعديلات على النظام الضريبي خففت الأعباء عن أصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة نسبياً، مقابل زيادتها على الفئات الأكثر ثراءً.
ورغم هذه المؤشرات، انخفضت معدلات تأييده خلال ولايته الثالثة إلى مستويات متدنية، في انعكاس لعدم شعور قطاعات واسعة من البرازيليين بتحسن ملموس في قدرتها الشرائية، وسط التضخم وأزمة تكاليف المعيشة.
وتعهد لولا بإجراء تصحيح مالي، من دون تقديم تفاصيل واضحة بشأن كيفية تنفيذه، مؤكداً في الوقت نفسه أنه لن يتخلى عن برنامجه الاجتماعي استجابة لضغوط الأسواق المالية.
علاقة معقدة مع ترمب
عندما عاد لولا إلى السلطة عام 2023، قال إنه ورث بلداً "مدمراً" من سلفه جايير بولسونارو. لكنه وجد نفسه أيضاً أمام بيئة دولية أكثر تعقيداً، مع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وتزايد اهتمام واشنطن بالحد من توسع النفوذ الصيني في أميركا اللاتينية.
وعلى الرغم من الخلافات السياسية والأيديولوجية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، نجح لولا في إيجاد صيغة للتعامل معه، فمع تصعيد واشنطن ضغوطها التجارية على البرازيل، وزيادة التهديدات بفرض الرسوم الجمركية، تمسك الرئيس البرازيلي بمواقفه.
لكن العلاقة شهدت تحولاً غير متوقع عندما التقى الرئيسان بصورة ودية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2025.
وبعد أشهر، دعا ترمب نظيره البرازيلي إلى البيت الأبيض، وأشاد بذكائه، واصفاً إياه بأنه "رجل طيب".
البرازيل في مواجهة التحول اليميني
كان صعود لولا إلى السلطة للمرة الأولى جزءاً من موجة التحولات السياسية التي عُرفت باسم "الموجة الوردية"، وشهدت وصول عدد من القادة اليساريين والتقدميين إلى الحكم في أميركا اللاتينية أواخر تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الجديدة.
لكن المشهد الإقليمي تغير لاحقاً، مع اتساع حضور التيارات اليمينية، لتصبح البرازيل والمكسيك من أبرز المعاقل السياسية المتبقية لليسار في المنطقة.
وخلال حملته الانتخابية، جعل لولا الدفاع عن السيادة الوطنية أحد محاور خطابه الرئيسية، مؤكداً أن البرازيل أكبر من أن تتحول إلى جزء من المجال الخاضع للنفوذ الأميركي.
وجاء هذا الموقف رداً على توجهات ترمب الرامية إلى توسيع النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية.
المعادن الحيوية والإصلاحات الداخلية
داخلياً، تشمل أولويات لولا وضع قواعد لتنمية قطاع المعادن الحيوية، الذي يحظى باهتمام متزايد من الحكومات والشركات الأجنبية.
وتمتلك البرازيل ثاني أكبر احتياطيات من المعادن الأرضية النادرة في العالم بعد الصين، ما جعل القطاع محوراً متزايد الأهمية في العلاقات الاقتصادية الدولية خلال الأشهر الأخيرة.
لكن تنفيذ هذه الخطط سيتطلب التعامل مع مراكز نفوذ قوية داخل البرازيل، تشمل الكونجرس، الذي يتمتع فيه مشرعون بنفوذ سياسي كبير، وقطاع الأعمال الزراعية، والمحكمة العليا التي تؤدي دوراً واسعاً في الحياة السياسية.
ورغم احتدام الحملة الانتخابية، تمكن لولا من الحصول على موافقة الكونجرس على تقصير أسبوع العمل القياسي.
كما تعهد بإجراء تغييرات في النظام القضائي، في أعقاب انهيار "بانكو ماستر"، الذي كشف عن شبكة من مزاعم الاحتيال والرشاوى وعلاقات مؤسسية مع شخصيات بارزة في المحكمة العليا.
وتضع هذه الملفات الرئيس أمام اختبار يتجاوز قدرته على تحقيق الانتصارات الانتخابية، إلى مدى استطاعته تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومؤسسية مستدامة.
وبعد عودتين سياسيتين لافتتين، ستكون السنوات الـ4 المقبلة فرصته لترسيخ إرث يتجاوز قدرته على النجاة من الأزمات والعودة إلى السلطة، ومحاولة معالجة المشكلات الهيكلية التي أعاقت البرازيل لعقود عن تحقيق كامل إمكاناتها، وفقاً لـ"بلومبرغ".








