حملة تطهير تمهد لولاية شي جين بينج الجديدة في الصين | الشرق للأخبار

"اقتلاع الأشجار المريضة".. حملة تطهير تمهد لولاية شي جين بينج الجديدة في الصين

الرئيس الصيني شي جين بينج فعالية الذكرى السنوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني في قاعة الشعب الكبرى ببكين. 1 يوليو 2026 - Reuters
الرئيس الصيني شي جين بينج فعالية الذكرى السنوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني في قاعة الشعب الكبرى ببكين. 1 يوليو 2026 - Reuters

بينما يستعد الرئيس الصيني شي جين بينج لتولي خمس سنوات إضافية في السلطة، يشتكي من أن بعض المسؤولين لا يزالون "غير أوفياء وفاتري الهمة وفاسدين"، مؤكداً الحاجة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، وذلك بعدما استخدم موجة من تحقيقات الفساد وحملات الولاء لإخضاع المسؤولين في البلاد على مدى أكثر من عقد، وفق صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

وظهرت شراسة حملة شي المتواصلة لإحكام قبضته على السلطة هذا الشهر، عندما أعلن الحزب الشيوعي فتح تحقيق مع هوانج تشيفان، العمدة السابق لمدينة تشونجتشينج الواقعة جنوب غربي الصين.

وظل هوانج شخصية بارزة حتى بعد مغادرته منصبه، ونجا من تداعيات سقوط عدد من مسؤولي الحزب الذين عمل تحت إشرافهم. وتنتهي مثل هذه التحقيقات، في الغالب، بسجن المسؤول المستهدف، بحسب "نيويورك تايمز".

وجاء الإعلان عن التحقيق مع هوانج قبيل استعداد اللجنة المركزية النافذة للحزب للاجتماع هذا الأسبوع في بكين. ومن المتوقع أن تمهد هذه الهيئة، التي تضم مئات المسؤولين، خلال اجتماع يستمر أربعة أيام، الطريق أمام شي لضمان ولاية رابعة على رأس الحزب العام المقبل، إلى جانب إقرار قواعد صارمة لتدقيق أداء المسؤولين.

ويستعد الحزب لعقد مؤتمره المقبل، وهو اجتماع يُعقد مرة كل خمس سنوات للإعلان عن تغييرات واسعة في القيادة. وخلال المؤتمر المقرر في أواخر عام 2027، يتعين على شي تعيين دفعة جديدة من المسؤولين الأصغر سناً للعمل تحت قيادته. ويرى خبراء أن هذه الظروف قد تفسر تجدد تركيزه على فرض الطاعة.

وقال نيل توماس، الباحث الأول في شؤون السياسة الصينية لدى معهد سياسات المجتمع الآسيوي: "ما الإرث الذي يريد شي أن يتركه؟ أعتقد أن الأولوية الأولى، بل الأهم، تتمثل في بناء حزب شيوعي أقوى، وربما حتى قبل بناء صين أقوى. فمن وجهة نظره، يشكل الأول الشرط الأساسي لتحقيق الثاني".

وقالت الصحيفة إن تولي شي ولاية أخرى مدتها خمس سنوات من شأنه أن يرسخ مكانته بوصفه أقوى زعيم للصين منذ عقود، لا سيما في ظل غياب خليفة واضح له.

لكن توماس وزملاءه كتبوا في تقرير استباقي لاجتماع الحزب الشيوعي الصيني، أن شي "لا يزال يشعر بخيبة أمل مستمرة إزاء الأشخاص المتوقع منهم تنفيذ رغباته".

اقتلاع الأشجار المريضة

وكانت اللجنة المركزية الحالية تضم 376 عضواً عند تشكيلها خلال المؤتمر الحزبي الأخير في عام 2022. لكن حملات التطهير التي يشنها شي ألحقت بها خسائر كبيرة. ففي اجتماع اللجنة العام الماضي، انخفض عدد الحاضرين إلى 315 مسؤولاً، وقد يتراجع العدد هذا الأسبوع إلى نحو 300 أو أقل، في ظل إقصاء مسؤولين وإخضاع آخرين للتحقيق واختفاء بعضهم، وفق الصحيفة الأميركية.

وقال شي، في خطاب ألقاه مطلع العام الحالي ونُشر هذا الشهر، إن عدداً كبيراً من المسؤولين "لا ينفذون الأوامر بأمانة، بل يتظاهرون بالطاعة". وأضاف أن بعضهم "ذو وجهين"، إذ "يخفي ازدراءه لقواعد الحزب وقيمه خلف قناع من الولاء".

وشبّه شي المسؤولين الفاسدين بـ"الأشجار المريضة"، قائلاً إن على الحزب أن "يقتلع الأشجار المريضة التي ينبغي اقتلاعها، ويقطع الأشجار التي ينبغي قطعها".

ويتمثل جانب كبير من أجندة شي في المهمة الشاقة المتمثلة في إدارة الحزب الشيوعي، الذي يضم 101 مليون عضو، بينهم عدد كبير من المسؤولين. ويتيح هذا الجهاز الحزبي لشي الإشراف على ثاني أكبر اقتصاد في العالم والسيطرة على 1.4 مليار نسمة.

ومنذ توليه السلطة في عام 2012، أعاد شي إحياء نفوذ حزبه من خلال توسيع نطاق حضوره ليشمل المصانع والقرى والمدارس، وكل ركن تقريباً من أركان المجتمع.

الثورة على الذات

ويبدو أن شي يعتقد أن مشكلات الجهاز الإداري الصيني تعود إلى ضعف الانضباط وغياب الركيزة الأيديولوجية. ويتمثل علاجه لهذه المشكلات فيما يسميه بـ"الثورة على الذات"، وهي عملية تقوم على عمليات تفتيش وتقييم ذاتي وجلسات نقد متواصلة، بهدف إبقاء الكوادر الحزبية في حالة يقظة دائمة.

ولا تظهر مؤشرات على تباطؤ "الثورة على الذات". ففي عام 2023، عاقب المفتشون 49 مسؤولاً يشغلون مناصب على مستوى المقاطعات أو الوزارات، و24 ألف مسؤول على مستوى المحافظات. وفي العام الماضي، ارتفع العددان إلى 69 مسؤولاً و35 ألفاً على التوالي، وفق الإحصاءات الرسمية الصينية.

وشهدت المؤسسة العسكرية مؤخراً أشد حملات التطهير التي يشنها شي. ففي مطلع العام الحالي، احتُجز تشانج يوشيا، أرفع قائد عسكري في الصين، ووجهت إليه اتهامات بالفساد وعدم الولاء. ومنذ عام 2022، خضع نحو 100 ضابط كبير للتحقيق أو اختفوا ببساطة، ويرجح أن ذلك حدث في إطار تحقيقات جارية.

وقالت لينج لي، المحاضرة في السياسة والقانون الصينيين بجامعة فيينا، للصحيفة: "لم تعد حملة مكافحة الفساد مجرد حملة، لأنها أصبحت أمراً اعتيادياً إلى حد كبير. فمن جهة، قلّصت الفرص المتاحة للمسؤولين لتحقيق مكاسب غير مشروعة، ما جعل الحوافز الإيجابية أقل. ومن جهة أخرى، أصبحت العقوبات أكثر قسوة".

ورجحت "نيويورك تايمز" أن تتكثف عمليات التدقيق في أداء المسؤولين قبل المؤتمر الحزبي المقرر العام المقبل. فقد تباطأ الاقتصاد الصيني تحت وطأة أزمة عقارية ممتدة، أدت أيضاً إلى تضرر إيرادات الحكومات المحلية التي اعتمدت طويلاً على مبيعات الأراضي.

ويريد شي ضمان استمرار التزام المسؤولين بحكمه وأجندته الرامية إلى تحويل الصين إلى قوة عظمى متقدمة تكنولوجياً، رغم كل هذه الضغوط.

وقالت لي: "يُظهر التاريخ أنه في أوقات الصعوبات، قد تظهر أصوات متباينة عندما يجتمع مؤتمر الحزب الحاكم في الصين. ومن شأن بث الخوف أن يجعل التوصل إلى توافق في الآراء أسهل".

وقد تأتي إحدى الصدمات التي تبعث على الخوف من سقوط هوانج، عمدة تشونجتشينج السابق.

وتقاعد هوانج، البالغ من العمر 74 عاماً، من المناصب الرسمية الكبرى قبل ثماني سنوات، لكنه احتفظ بحضور عام لافت، إذ ألقى خطابات وكتب مؤلفات عن القضايا الاقتصادية. ثم أعلن المحققون فتح تحقيق معه بتهمة "الانتهاكات الجسيمة لانضباط الحزب والقانون".

وفي الأسبوع الماضي، أعلن الحزب أيضاً إخضاع شيا لينماو، نائب عمدة بكين، للتحقيق.

شكوك شي تمتد إلى مستويات أعلى

وتشير تحركات أخرى حديثة لمحققين في الحزب إلى أن شكوك شي قد تمتد إلى مستويات أعلى، وربما تشمل وانج تشيشان، الرئيس السابق للجنة المركزية للرقابة على الانضباط البالغ من العمر 78 عاماً. وكان وانج قد أشرف على حملة شي لمكافحة الفساد في مرحلتها الأولى، وهو متقاعد الآن.

واحتُجز عدد من مساعدي وانج القدامى، بينهم تشو ليانج، المسؤول المالي، ولي شياوهونج، المسؤول في مجال الانضباط، للاشتباه في تورطهم في الفساد.

كما سُجن دونج هونج، وهو سكرتير سابق آخر لوانج في عام 2022 بتهم فساد. وفي العام الحالي، خُفّضت رتب اثنين من مرؤوسي وانج السابقين في اللجنة المركزية للرقابة على الانضباط، ما يشير إلى احتمال خضوعهما أيضاً للتدقيق.

ولا تتضح الأسباب التي جعلت مساعدي وانج أهدافاً للتحقيق، كما لم تُوجّه إلى وانج نفسه اتهامات بارتكاب مخالفات. لكن هذه القضايا أثارت تكهنات بأن شي يشعر بالقلق إزاء النفوذ الذي قد يحتفظ به المسؤولون المتقاعدون عبر شبكات علاقاتهم والأشخاص الذين رعوا مسيرتهم المهنية.

وقال جوناثان تزين، الباحث في شؤون السياسة الصينية لدى معهد بروكينجز، والذي عمل سابقاً في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA، للصحيفة: "يمكنني أن أتصور أن شي يرى أن وانج، رغم قيامه بقدر كبير من المهام القاسية نيابة عنه، واحد من قلة من الأشخاص الذين يمتلكون النفوذ والقدرة، وربما الجرأة الشديدة، على إزعاج شي. فالأمر يتعلق بعقلية شي وتصوراته للمخاطر".

ويتمثل الجانب السلبي لعمليات التدقيق، التي تبدو بلا نهاية، في احتمال أن يجد شي صعوبة أكبر في ضمان استمرار تحفيز ملايين المسؤولين من ذوي الرتب الدنيا. فقد خلصت دراسة حديثة إلى أن المسؤولين غالباً ما يخشون المجازفة، ويشعرون أحياناً بإحباط تام.

وقال بنجامين هيلمان، الأستاذ في الجامعة الوطنية الأسترالية وأحد المشاركين في إعداد الدراسة: "لا تملك الحكومات المحلية، خصوصاً في المناطق الريفية، القدرات والموارد اللازمة لتلبية جميع المطالب التي تتدفق عليها من السلطات المركزية. ولذلك، يضطر المسؤولون المحليون أحياناً إلى التظاهر بأنهم قادرون على تلبية هذه المطالب".

تصنيفات

قصص قد تهمك