إيطاليا بين غضب الشارع وحسابات السلطة والمعارضة | الشرق للأخبار
خاص

إيطاليا بين غضب الشارع وحسابات السلطة والمعارضة

متظاهر يواجه ضباط شرطة مكافحة الشغب خلال مظاهرة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة في روما بإيطاليا. 24 أكتوبر 2026 - Reuters
متظاهر يواجه ضباط شرطة مكافحة الشغب خلال مظاهرة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة في روما بإيطاليا. 24 أكتوبر 2026 - Reuters

في قلب روما، وتحديداً في رواق كنيسة "سانتا ماريا إن كوزميدين"، يقبع وجه رخامي ضخم مفتوح الفم منذ قرون، يُعرف باسم "فم الحقيقة" (Bocca della Verità).

يعود ذلك الأثر إلى العصر الروماني القديم، ويُعتقد أنه كان غطاءً لمصرف مياه، قبل أن تحوّله المخيلة الشعبية في العصور الوسطى إلى قاضٍ لا يرحم الكاذبين والمُلفّقين. فبحسب الأسطورة، كل من يُدخل يده في فمه وينطق بكذبة يُخاطر بأن يُطبق الحجر عليها ويقطعها.

أمام "فم الحقيقة" في روما، يتردد المرء قبل أن يُدخل يده في ذلك الفم الحجري، حتى وهو يعرف جيداً أن الأسطورة لن تعضّه. فثمة خوف غامض لا يصدر عن الحجر، بل عمّا نخفيه في دواخلنا.

لكن ماذا لو وقف السياسيون أمام فم الحقيقة؟ سؤال يفرض نفسه مع متابعة موجة الاحتجاجات التي اجتاحت مدناً إيطالية عديدة، من ميلانو وروما إلى بولونيا وفلورنسا وتورينو، خلال الشهر الجاري، حيث تداخل الغضب الطلابي والاجتماعي مع الاضطرابات الأمنية وأعمال العنف، قبل أن تتحوّل الوقائع نفسها إلى مادة للتجاذب السياسي بين الحكومة والمعارضة.

في 16 أكتوبر الجاري، خرج آلاف الطلبة في عشرات المدن الإيطالية، في تحركات حملت عنوان "لا ليوم ميلوني" (No Meloni Day)، ورفعت شعاراً بالغ الدلالة: "نريد مزيداً من الصفوف الدراسية، لا مزيداً من القنابل".

احتجّ الطلبة على تدهور حالة المباني المدرسية، ونقص التمويل المخصص للتعليم، وتزايد الإنفاق العسكري، وعلى سياسات حكومية رأوا فيها تهديداً لمستقبل التعليم العام. وقدّر المنظمون عدد المشاركين بأكثر من 400 ألف، وهو رقم لم يتسنَّ التحقق منه بصورة مستقلة.

ولم تقتصر المطالب على قطاع التعليم، بل امتدت إلى غلاء المعيشة، وأزمة السكن، وتراجع الخدمات العامة، فضلاً عن المواقف من الحروب والسياسات الدولية. وفي الأيام التالية، اتخذت التعبئة أشكالاً أخرى، إذ واصل الطلاب تحركاتهم في فلورنسا وتورينو ومدن أخرى.

كان المشهد، في جوهره، تعبيراً عن قلق جيل يرى أن مستقبله يتقلّص، فيما تتسع الفجوة بين الوعود السياسية والقدرة الفعلية على الدراسة والعمل وتحقيق الاستقلال الاقتصادي.

لكن الشوارع لم تحافظ جميعها على الصورة التي أرادتها غالبية المحتجين.

ففي تورينو وروما وبولونيا، شهدت بعض تحركات الـ16 من أكتوبر مواجهات بين مجموعات من المتظاهرين وقوات الأمن. وفي تورينو تحديداً، انفصل مئات المشاركين عن المسيرة، وغطّى بعضهم وجوههم، وألقوا الحجارة والمقذوفات باتجاه الشرطة.

وفي 17 و18 أكتوبر، تصاعد العنف بصورة أكثر خطورة، خصوصاً في ميلانو، حيث شهد محيط ساحة الدومو (الكاتدرائية) تحطيم واجهات محال تجارية ونهب بعضها، وإضرام النار في حاويات النفايات، واشتباكات مع قوات مكافحة الشغب التي استخدمت وسائل لتفريق المتظاهرين، بينها خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع.

وأعلنت السلطات توقيف عشرات الأشخاص خلال تلك الأحداث، فيما شهدت مدن شمالية أخرى مواجهات وتوقيفات.

وفي تلك الأحداث وقع التحوّل الذي يكاد يتكرر في كل موجة احتجاجية واسعة، إذ انتقلت الكاميرات من وجوه الطلبة ولافتاتهم ومطالبهم إلى صور الزجاج المحطّم، والمحلات المنهوبة، والملثّمين الذين يواجهون الشرطة.

لم تختفِ أسباب الاحتجاج، لكنها تراجعت إلى الخلفية أمام مشهد العنف الذي لا يدمّر الممتلكات وحدها، بل يمكنه أيضاً مصادرة صورة الاحتجاج السلمي وانتزاع صوته من أصحابه.

ولا يشترط ذلك أن يكون جميع المتظاهرين عنيفين. إذ يكفي أن تستحوذ مجموعة محدودة على المشهد، حتى يصبح الحديث عن الأمن والنظام العام أكثر حضوراً من النقاش حول المدارس والجامعات ومستقبل الشباب.

ولعلّ ذلك ما يفسّر أن تحركات الـ24 من أكتوبر جرت وسط انتشار أمني واسع وإجراءات استباقية شملت عمليات تفتيش وتحقيقات في مدن عدة.

وفي روما وتورينو وبولونيا وفلورنسا، وقعت مواجهات متفاوتة الحدّة، بينما بقيت مسيرات ميلانو سلمية في معظمها، على الرغم من التوتر والاستنفار الأمني.

وفي فلورنسا، حاولت إحدى المسيرات الوصول إلى منطقة المحال الفاخرة في المركز التاريخي، قبل أن توقفها الشرطة عند جسر "سانتا ترينيتا"، حيث وقع تدافع وتبادل لإلقاء بعض المقذوفات، واستخدمت الشرطة الهراوات.

أما في مدينة بولونيا، شمالي البلاد، فقد شهدت التظاهرات إلقاء زجاجات باتجاه الشرطة وتدخلاً من قوات مكافحة الشغب.

ومع ذلك، لم تتكرر في تحركات الـ24 من أكتوبر أعمال النهب والتخريب الواسعة التي شهدتها بعض المدن في الأسبوع السابق.

وبالنسبة إلى الحكومة، توفّر مشاهد العنف مناسبة لتأكيد أولوية الأمن والنظام العام، والدفاع عن قوات الشرطة، وطمأنة التجار وأصحاب المؤسسات والمواطنين الذين يخشون على أعمالهم وممتلكاتهم.

وقد دعت رئيسة الحكومة، جورجيا ميلوني، منذ 16 أكتوبر، قادة المعارضة إلى إدانة العنف بوضوح، معتبرة أن الحق في التظاهر لا يمكن أن يشمل الاعتداء على قوات الأمن.

ويندرج ذلك الموقف، من حيث المبدأ، ضمن مسؤوليات أي حكومة في حماية المواطنين والمؤسسات. لكن السؤال السياسي يبدأ عندما تصبح صور العنف المدخل شبه الوحيد لتفسير الاحتجاجات، فيما تتراجع إلى الخلفية المطالب الاجتماعية التي دفعت آلاف الطلبة إلى النزول إلى الشوارع.

أما المعارضة، فتواجه اختباراً لا يقل تعقيداً، إذ تتهم الحكومة باستغلال الاضطرابات لصرف الانتباه عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وتحذّر من أن تؤدي الإجراءات الأمنية المشددة إلى التضييق على الحق الدستوري في التظاهر.

وقد شددت زعيمة الحزب الديمقراطي المعارض، إيلي شلاين، على ضرورة عزل العناصر العنيفة ومنع المواجهات، مع ضمان حق الآخرين في الاحتجاج السلمي.

وفي المقابل، انتقد زعيم حركة "خمس نجوم" ورئيس الحكومة السابق، جوزيبي كونتي، ما وصفه بتزايد النزعة القمعية في التعامل مع الاحتجاجات.

حسابات انتخابية

تتجه إيطاليا نحو الانتخابات النيابية المقبلة في ربيع عام 2027، فيما تحاول الحكومة الحفاظ على تماسك قاعدتها الانتخابية، بينما تسعى المعارضة إلى توسيع حضورها بين الفئات الاجتماعية المستاءة من السياسات القائمة، ومن هذه الزاوية، تكتسب صور الاحتجاجات معاني مختلفة.

فالحكومة تخاطب، من بين فئات أخرى، التجار وأصحاب المؤسسات الصغيرة والقطاعات الاقتصادية التي ترى في الاستقرار والأمن شرطاً لحماية مصالحها.

أما المعارضة، فتجد في الحراك الشبابي فرصة لإعادة بناء صلتها بأجيال ابتعد بعضها عن الأحزاب التقليدية، أو اعتاد العزوف عن المشاركة الانتخابية.

لكن هذه الأجيال أظهرت، في الاستفتاء الدستوري الذي جرى في 22 و23 مارس الماضي، أنها قادرة على العودة إلى صناديق الاقتراع عندما ترى أن القضية المطروحة تستحق المشاركة.

فقد رفض الإيطاليون الإصلاح الدستوري المتعلق بالنظام القضائي، الذي دعمته حكومة ميلوني، بنسبة بلغت نحو 53.7%، مقابل 46.3% أيدوه، مع مشاركة قاربت 59%.

والأكثر دلالة أن تقديرات استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع أظهرت أن نحو 61% من الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً صوّتوا ضد الإصلاح.

بل إن أحد التقديرات أشار إلى أن نحو 57.7% من المشاركين الذين لم يصوّتوا في الانتخابات النيابية أو الأوروبية السابقة اختاروا رفض التعديل.

وتلك الأرقام، وإن كانت تقديرات إحصائية وليست نتائج رسمية مفصّلة بحسب الفئات العمرية، تشير إلى إمكان استعادة فئات من الشباب والناخبين المترددين إلى المشاركة السياسية.

ومن المهم هنا التذكير بأن استفتاء مارس تناول إصلاح القضاء والفصل بين المسارات المهنية للقضاة والمدّعين العامين، لا مشروع "البريميراتو" (نظام رئاسة الحكومة المنتخبة مباشرة)، الذي كان يهدف إلى تعزيز موقع رئيس الحكومة من خلال تعديل دستوري آخر.

لكن الدلالة السياسية الأوسع تبقى قائمة: "لم يعد ممكناً التعامل مع الشباب بوصفهم كتلة هامشية أو غائبة بالضرورة عن صناديق الاقتراع".

وإذا كانت المعارضة ترى في ذلك فرصة، فإن الحكومة تدرك أن المزاج الانتخابي قد يتغير مع تراكم أسباب الاستياء.

ولعلّ ما يزيد المشهد تعقيداً أن الاحتجاجات الطلابية ليست التحدي الوحيد الذي تواجهه حكومة ميلوني.

أزمة أخرى في جنوب إيطاليا

ففي جنوب إيطاليا انفجرت أزمة أخرى، فمنذ 16 أكتوبر شهدت مناطق واسعة من الجنوب تحركات لسائقي الشاحنات والعاملين في قطاع نقل البضائع، احتجاجاً على الارتفاع الحاد في أسعار الديزل، نتيجة اضطرابات أسواق الطاقة العالمية وتعطّل طرق الإمداد.

وفي صقلية، توقفت شاحنات في الموانئ والمراكز اللوجستية، فيما شهد إقليم كالابريا تحركات في جويا تاورو ولاميتسيا وعلى الطريق السريع A2.

وفي إقليم بوليا، امتدت الاحتجاجات إلى طرق رئيسية، بينها الطريقان 16 و17، ومناطق برينديزي وأندريا، بينما شملت التعبئة إقليمي بازيليكاتا وموليزي.

ولم تقتصر التداعيات على قطاع النقل، إذ تعطّلت حركة بعض المنتجات الزراعية، وتأخرت الإمدادات، وظهرت صعوبات في تزويد محطات الوقود والمتاجر بالسلع، ولا سيما المنتجات الغذائية الطازجة.

وبلغت الأزمة حداً دفع وزارة الداخلية إلى السماح باستثناءات من حظر سير الشاحنات الثقيلة، الأحد، لتسهيل استئناف نقل البضائع وتعويض التأخيرات المتراكمة.

وهنا تبدو المفارقة السياسية أكثر وضوحاً، فالاحتجاج هذه المرة لا يأتي أساساً من أوساط طلابية أو حركات قريبة من اليسار، بل من قطاعات مهنية واقتصادية طالما شكّلت جزءاً مهماً من الخطاب السياسي لليمين الإيطالي، الذي يقدّم نفسه مدافعاً عن المنتجين وأصحاب الأعمال والعاملين لحسابهم الخاص.

ولا يعني ذلك أن سائقي الشاحنات يشكّلون كتلة انتخابية موحّدة، أو أن توجهاتهم السياسية محسومة، لكن انتقال الغضب إلى هذه القطاعات يضع الحكومة أمام اختبار مختلف عن مواجهة التظاهرات الطلابية، فالمشكلة هنا لا تتعلق بالاحتجاج وحده، بل بكلفة العمل والإنتاج، وبقدرة قطاعات أساسية على الاستمرار.

إجراءات حكومية

وفي 17 أكتوبر، بلغ متوسط سعر الديزل في محطات الخدمة الذاتية على الطرق العادية نحو 2.257 يورو للتر، وارتفع على الطرق السريعة إلى نحو 2.296 يورو.

وقد حاولت الحكومة احتواء الأزمة عبر إجراءات دعم لقطاع النقل، فيما أعلنت مجموعة "إيني" تمديد العمل بآلية سقف أسعار الوقود في شبكة "إيني لايف" حتى نهاية العام.

لكن ذلك السقف، الذي بلغ 2.25 يورو للتر بالنسبة إلى الديزل، لا يعني تثبيت الأسعار عند مستوى محدد؛ إذ يمكن مراجعته تبعاً لتطورات الأسواق العالمية وتوافر الإمدادات.

وثمة تفصيل آخر بالغ الأهمية: لا تشمل هذه الآلية جميع قنوات التزويد التي يعتمد عليها قطاع النقل المهني وقطاعا الزراعة والصيد، وهو ما يحدّ من قدرتها على معالجة أسباب الاحتجاج، لذا فإن الإجراء الذي قد يطمئن سائق السيارة الخاصة لا يقدّم بالضرورة الحل نفسه لسائق شاحنة يستهلك مئات اللترات من الوقود أسبوعياً.

ويضاف إلى ذلك أن استمرار اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز والمخاطر التي تهدد حركة السفن عند باب المندب يبقيان أسعار الطاقة والشحن عُرضة لتقلبات يصعب التحكم فيها من روما. فالحكومة تستطيع التدخل ضريبياً، ودعم بعض القطاعات، والتفاوض مع الشركات الكبرى، لكنها لا تستطيع ضمان استقرار سوق عالمية تتداخل فيها الحرب والطاقة والتجارة البحرية.

وفي المقابل، لا تستطيع المعارضة الاكتفاء بتحميل الحكومة مسؤولية كل ارتفاع في الأسعار، من دون أن توضّح كيف يمكن مواجهة أزمة دولية بأدوات وطنية محدودة.

وهكذا، تجد إيطاليا نفسها أمام احتجاجات تختلف في أسبابها وفئاتها الاجتماعية، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: "اتساع الفجوة بين الضغوط التي يعيشها المواطنون وقدرة السياسة على تقديم إجابات مقنعة".

فالطالب الذي يحتج على تدهور التعليم يريد مدرسة وجامعة ومستقبلاً أفضل، وصاحب المتجر الذي تحطّمت واجهته يريد حماية عمله وممتلكاته، وسائق الشاحنة الذي لم يعد قادراً على تحمّل كلفة الوقود يريد مواصلة نقل البضائع من دون أن يتحوّل كل يوم عمل إلى خسارة جديدة، والمواطن الذي يراقب هذه الأحداث لا يحتاج إلى من يختار له بين هؤلاء، بل إلى سياسة تعترف بحقوقهم ومشكلاتهم جميعاً، من دون أن تستخدم معاناة طرف لإسكات الطرف الآخر.

لكن السياسة، حين تقترب الانتخابات، تميل أحياناً إلى تبسيط الوقائع المعقّدة وتحويلها إلى صور سهلة التداول: "شرطي يواجه متظاهراً، أو متجر بواجهة محطّمة، أو شاحنة تغلق طريقاً، أو طالب يرفع لافتة غاضبة".

تصنيفات

قصص قد تهمك