
أمل الفلسطينيون أن تحمل لهم الانتخابات العامة في إسرائيل تغييراً يخفف عنهم بعضاً مما قاسوه من ممارسات حكومة بنيامين نتنياهو، لكن النتائج جاءت مخيبة للآمال، إذ بينت أن الزعيم اليميني الذي فاز حزبه بأعلى عدد من المقاعد، سيتحكم، إلى حد كبير، بدفة السياسة الإسرائيلية لفترة طويلة قادمة.
وكشفت النتائج شبه النهائية للانتخابات، أن معسكر نتنياهو تفوق على معسكر التغيير المعارض، وإن ظل غير قادر على تشكيل حكومة مستقرة دون تحالف مع واحدة، على الأقل، من قوائم المعارضة.
وأجمع غالبية المحللين في وسائل الإعلام الإسرائيلية، مع ظهور النتائج شبه النهائية، الخميس، على أن تشكيل الحكومة الجديدة يكاد ينحصر في خيارين، إما نجاح نتنياهو في التحالف مع عدد من نواب المعارضة، أو بالذهاب إلى انتخابات جديدة تتيح له البقاء في الحكم لخمسة، أو ستة شهور قادمة.
وتتيح له أيضاً فرصة لتحقيق فوز أكبر في الانتخابات القادمة، بسبب هشاشة تحالف معسكر التغيير، وافتقاره لشخصية مركزية قادرة على تحقيق اختراق كبير، واندفاع الشارع الإسرائيلي أكثر نحو اليمين واليمين المتطرف.
سنوات حالكة:
وعاش الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة وإسرائيل، سنوات 4 حالكات في ظل حكومة نتنياهو التي بدأت ولايتها بخطط الاستيطان والضم والطرد والتمييز العنصري.
وتعمقت هذه السياسات بعد هجوم حركة "حماس" في السابع من أكتوبر عام 2023، لتتحول إلى قتل جماعي وتطهير عرقي وإبادة في قطاع غزة طالت حياة حوالي 80 ألف مواطن، ودمرت أكثر من 80% من القطاع، وإلى مأسسة الضم والفصل العنصري في الضفة الغربية، وتعميق التمييز العنصري ضد المواطنين العرب في إسرائيل.
وخطّت الحكومة الإسرائيلية، خلال الحرب، خطوات متقدمة على طريق ضم الضفة الغربية، وتفكيك السلطة الفلسطينية، والضغط على الحياة اليومية للفلسطينيين من أجل دفع أكبر عدد منهم للهجرة.
فقد استبدلت بالعمال الفلسطينيين عمالاً آسيويين، وصادرت الإيرادات الجمركية التي تشكل حوالي ثلثي ميزانية السلطة، ما جعلها عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية من صحة وتعليم ورواتب موظفين، وأقامت ميليشيات لملاحقة الفلسطينيين وطردهم من تجمعاتهم السكنية في الأرياف، ومن حقولهم الزراعية.
وأقامت عشرات المستوطنات والبؤر الاستيطانية الجديدة، وأقرت مخططات لإقامة العشرات من المستوطنات والبؤر الجديدة، على نحو يقضي على أي أمل بحل سياسي مستقبلي، وحصرت الفلسطينيين داخل تجمعات سكانية ضيقة محاصرة بمحيط استيطاني يحول دون توسعها مستقبلاً.
سنوات قادمة:
وأمل كثير من الفلسطينيين أن تؤدي الانتخابات الإسرائيلية إلى تغيير يأتي بحكومة أقل سوءاً من حكومة نتنياهو، تخفف من الضغوط على الحياة اليومية خاصة الاقتصاد والحركة، على الأقل، وتفتح نافذة للأمل.
وأعرب مسؤولون في السلطة الفلسطينية عن قلقهم الشديد من السياسات القادمة لأي حكومة إسرائيلية جديدة يقودها نتنياهو وحزبه.
مصير البلاد والسلطة:
ويتركز القلق الأبرز على مصير البلاد والسلطة. وقال أحد كبار المسؤولين لـ"الشرق": "هناك شبه إجماع إسرائيلي اليوم على عدم تقديم أي حل سياسي، ومواصلة حكم الشعب الفلسطيني بالقوة، ومواصلة الاستيطان والضم الفعلي للضفة الغربية، وعلى بقاء الاحتلال في غزة".
وقال مسؤول آخر: "كل السيناريوهات تقول بأن نتنياهو هو المتحكم بدفة القيادة في المرحلة القادمة، سواء عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو عبر الذهاب إلى انتخابات جديدة، والمعارضة ليس لديها أي خطط بديلة تجاه الشعب الفلسطيني، ولن يكون لها مثل هذه الخطط في حال مشاركتها في الحكومة، ولن يكون لها أي فرصة في حال الذهاب إلى انتخابات جديدة".
ولا يخفي الكثير من المسؤولين والمراقبين قلقهم على مصير السلطة الفلسطينية.
وقال مسؤول لـ"الشرق": "في السابق كان هناك نقاش بين القوى السياسية الأساسية في إسرائيل بشأن أهمية وجود السلطة لدولة إسرائيل، لكن اليوم لم يعد هذا النقاش موجوداً، الغالبية العظمى تريد القضاء على التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني، وعلى الكينونة السياسية الفلسطينية، وقد تمكنوا من القضاء عليها في غزة، واليوم يبحثون عن الوسيلة التي تمكنهم من القضاء عليها في الضفة الغربية، والنقاش بينهم حول التوقيت والظرف الدولي الأكثر ملاءمة".
حلول حياتية:
ويتوقع بعض المسؤولين أن يكون هناك بعض الحلول الحياتية البسيطة حال تشكيل حكومة وفاق وطني إسرائيلي مثل الإفراج عن بعض أموال السلطة بهدف تحسين صورة إسرائيل أمام العالم، لكن على المدى البعيد لا يوجد أي أمل بحل سياسي أو بوقف الاستيطان والتهويد والضم.
وقال أحد المسؤولين: "ربما يقدمون بعض الحلول الحياتية، بهدف تحسين صورتهم أمام العالم الغاضب على كل ما يمارسونه بحق الفلسطينيين في الضفة والقطاع والقدس وفي الداخل، لكن الواضح أن الحرب السياسية ستستمر، ومعها سيستمر تقويض أسس الحل السياسي من خلال الاستيطان والضم وتعميق الاحتلال في غزة كما هو في الضفة".
ورأى أن خطة غزة التي رفضها نتنياهو لا تمتلك أي فرصة للتطبيق.
الخيارات الفلسطينية:
وأمام الصورة الحالكة المتوقعة، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام خيارات وفرص ضيقة.
وأوضح أحد كبار المسؤولين: "نحن أمام واقع صعب مطلوب منّا فيه أن نعمل على استراتيجية جديدة تقوم على البقاء والاستمرارية". وأضاف: "البقاء وحده لا يكفي، فهو مهدد، لذلك علينا العمل على توفير عوامل الاستمرارية التي تواجه التهديد الوجودي، وهذا يتطلب تغيير سلم الأولويات الوطنية والحكومية".
وحول فرص إجراء انتخابات عامة أو حوار وطني قال مسؤول في موقع صنع القرار: "التهديد القادم أكبر من كل قضايانا الداخلية، فما الذي ستجلبه الانتخابات أو الحوار الوطني إذا لم يكن هناك توافق فلسطيني على استراتيجية البقاء والاستمرارية".











