
يستعيد اللبنانيون ظروف ما قبل اتفاق الطائف، الذي أنهى حرباً أهلية استمرت 15 عاماً، وسعى لملء فراغ رئاسي، عقب انتهاء الفترة الرئاسية للرئيس أمين الجميل في حينه.
وقال الأخضر الإبراهيمي، المبعوث الأممي السابق إلى لبنان، إن اتفاق الطائف هدف "إلى إنهاء الحرب، وملء الفراغ الذي تُرك بعد الرئيس أمين الجميل، وفتح الطريق أمام كل اللبنانيين لبناء دولتهم الجديدة".
وكشف عن توقف الجهود التي كانت كفيلة باستكمال تنفيذ باقي بنود الاتفاق، موضحاً أنه "كان هناك أمل كبير في استمرار عمل اللجنة العربية الثلاثية، التي تشكلت عام 1989 (المكونة من ملك السعودية الراحل فهد بن عبد العزيز، وملك المغرب الراحل الحسن الثاني، ورئيس الجزائر الراحل الشاذلي بن جديد)، وأن تواكب "تنفيذ بنود الاتفاق، وعمل لبنان من أجل إعادة بناء الدولة، وإعادة إعمار البلد".
وأضاف الإبراهيمي أن جهود رؤساء اللجنة الثلاثية أصيبت "إصابة كبيرة نتيجة غزو العراق للكويت، والحرب التي أتت بعدها، ما أوقف عمل اللجنة".
"الذهاب إلى المجهول"
وكان السفير السعودي في لبنان، وليد البخاري، قال في تغريدة، في أكتوبر الماضي، إن "وثيقة الوفاق الوطني عقد مُلزم لإرساء ركائز الكيان اللبناني التعددي، والبديل عنه لن يكون ميثاقاً آخر بل تفكيكاً لعقد العيش المشترك، وزوال الوطن الموحَّد، واستبداله بكيانات لا تُشبه لبنان الرسالة".
وأعقب البخاري تلك التغريدة بندوة بمناسبة مرور 33 عاماً على اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية.
وقال السفير السعودي في الندوة، التي حضرها فرقاء سياسيون، السبت، إن المملكة وأطراف المجتمع الدولي حريصون على التمسك بمضمون اتفاق الطائف.
وكان اتفاق الطائف قد أنهى حرباً أهلية في لبنان استمرت بين عامي 1975 و1990، ونص الاتفاق من بين ما نص عليه على "إلغاء الطائفية السياسية" واعتبار ذلك "هدفاً وطنياً أساسياً"، وبسط الدولة لسيطرتها على كامل أراضي لبنان، و"حل جميع الميليشيات" وتسليم أسلحتها للدولة، فيما تتهم نخب لبنانية "الطبقة السياسية" بمواصلة العمل بنظام المحاصصة الطائفية، والسماح بوجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة.
السفير السعودي اعتبر أن "البديل (عن الطائف) لن يكون إلا مزيداً من الذهاب إلى المجهول"، وقال: "نحن نعوّل على حكمة القادة في لبنان، وتطلعات الشعب اللبناني الذي يسعى لأن يعيش في أمن واستقرار".
فرنسا لا تسعى لاستبدال الاتفاق
وبشأن وجود مبادرة فرنسية لإطلاق حوار لبناني - لبناني لبحث اتفاق الطائف أو تعديل الدستور، كشف البخاري أنه خلال زيارته إلى الرئاسة الفرنسية (الإليزيه) ولقائه مستشاري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "طرحنا مسألة نية فرنسا دعوة القادة إلى حوار وطني، وأكدوا لنا تماماً، بإجابة لا تقبل التأويل أو الاجتهاد، أنه لن يكون هناك أي نية لدعوة تناقش الطائف أو تعديل الدستور".
وقال رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي إن "اتفاق الطائف يكتسب أهمية قصوى باعتباره ركيزة أساسيّة لإنهاء الحرب الأهلية في لبنان قبل نحو 30 عاماً"، مؤكداً أن "المملكة العربية السعودية لم تترك لبنان وهي إلى جانبه".
وفي تصريحات صحافية خلال حضوره الندوة أضاف ميقاتي: "هذا اليوم رمزيته مهمة جداً والمؤتمر المنعقد يؤكد مجدداً أن المملكة العربية السعودية لم تترك لبنان، والحضور الكبير هنا يشير إلى تثبيت مضامين اتفاق الطائف الذي لا يزال الاتفاق الأصلح للبنان".
استكمال التنفيذ
رئيس الوزراء اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة شارك في الندوة واعتبر أن "لا حل طائفياً أو فئوياً لأي مشكلة طائفية في لبنان، بل هناك حل واحد ينبغي أن يكون وطنياً وللجميع".
ودعا إلى الإسراع في انتخاب رئيسٍ للجمهورية خلفاً للعماد ميشال عون، الذي انتهت ولايته مع نهاية أكتوبر الماضي.
الزعيم الدرزي وليد جنبلاط - وكان من بين الموقعين على اتفاق الطائف - ذكّر بـ"أن هناك الكثير من البنود التي لم تطبق في اتفاق الطائف، منها إنشاء مجلس الشيوخ".
وأضاف "قبل أي بحث في تعديل الطائف، علينا تطبيق الطائف وبنوده وصولاً إلى إلغاء الطائفية السياسية".
واعتبر المطران بولس مطر رئيس أساققة بيروت السابق، أن "عودتنا للطائف هي فرصة جديدة للبنان وليس لنا فرصة إلا مروراً بها، وهذه حقيقة".
"التيار": لا انقلاب.. وطموح لـ"التطوير"
النائب في تكتل لبنان القوي التابع للتيار الوطني الحر، آلان عون، أكد أنه "ليس لدينا مشكلة مع اتفاق الطائف بحد ذاته لكن هذا لا يعني أنه ليس لدينا طموح بأنه إذا كان هناك ثغرات في الدستور اللبناني علينا أن نطورها، ولكن في النهاية لا أحد لديه نية انقلاب لا على الطائف ولا على الدستور ولا على أي شيء من هذا النوع، وعلى العكس حضورنا اليوم هو تأكيد على ما أقوله".
عون أضاف أن "أي شيء سيحصل في لبنان كتطوير للنظام أو للدستور أو لأي اتفاق يكون بالتفاهم بين اللبنانيين وليس بالفرض، لا مشكلة على الدستور ولا على الطائف طالما كل شيء محكوم بإرادة وتوافق اللبنانيين".
وخلال الأشهر الماضية، تصاعد الخلاف السياسي بين الفرقاء اللبنانيين، وراجت شائعات تتعلق بمصير اتفاق الطائف، تتزامن مع دعوة رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل إلى "عقد حوار وطني ينتج عنه تصور لبناني مشترك لنظام سياسي جديد".
و"التيار الوطني الحر" الذي أسسه رئيس الجمهورية المنتهية ولايته ميشال عون، سبق أن دخل في تحالف مع "حزب الله" الذي كان أول من طرح فكرة "المؤتمر التأسيسي" في عام 2012، حين دعا أمينه العام حسن نصر الله إلى "العمل من أجل إقامة مؤتمر تأسيسي وطني لمناقشة بناء دولة قوية في لبنان".
فراغ رئاسي وأزمة اقتصادية
ودخل لبنان، بداية نوفمبر الجاري، في شغور رئاسي غداة انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، إذ أخفق المرشحون المتنافسون على أصوات أعضاء البرلمان اللبناني في الحصول على الأكثرية المطلوبة.
ويأتي الفراغ الرئاسي، بالتزامن مع وجود حكومة تصريف أعمال، وأزمة اقتصادية تعصف بالبلاد.
وعادة ما يؤخر نظام التسويات والمحاصصة القائم بين القوى السياسية والطائفية اللبنانية، القرارات، فيتأخر تشكيل الحكومة أو انتخاب رئيس للبلاد لأشهر عدة.
ويتعين وفق الدستور انتقال صلاحيات الرئيس إلى مجلس الوزراء، لكن الخلافات السياسية حالت منذ الانتخابات النيابية في مايو الماضي دون تشكيل حكومة جديدة.
وتواصل حكومة تصريف الأعمال ممارسة مهماتها، في وقت يعيش لبنان أزمة اقتصادية تعتبر الأسوأ في تاريخه، وبات أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر، ولامس معدل البطالة نحو 30%، وانهارت العملية اللبنانية (الليرة) ، في حين تعجز المصارف عن رد الودائع بالدولار الأميركي لأصحابها منذ نحو عامين.