
أغلقت ألمانيا آخر 3 مفاعلات نووية في البلاد، السبت، لتودّع قطاع الطاقة الذرية، لكن ما يبدو أنه "استحقاق عادي" تطبق فيه حكومة أولاف شولتز نص القانون، هو في واقع الأمر بمثابة "يوم أسود" بالنسبة لرئيس أكبر أحزاب المعارضة، الاتحاد المسيحي الديمقراطي، فريدريش ميرتس.
وشهدت ألمانيا الكثير من الجدل الحاد بشأن قرار التخلي عن الطاقة النووية، لكن يرى مراقبون أن الأمر "لن يكون أكثر من زوبعة في فنجان"، وأن ما تفعله المعارضة محاولة "دق إسفين" بين الحكومة وقاعدتها الانتخابية متسلحة باستطلاعات رأي أخيرة أظهرت عدم ترحيب بين الألمان بهذا القرار، استعداداً للاقتراع القادم عام 2024.
وبدأت برلين إنتاج الكهرباء عبر مفاعلات الطاقة النووية عام 1962، وبنت خلال تلك الحقبة 40 مفاعلاً لم يتبق منها على قيد الحياة سوى 3 مفاعلات، أحدها مفاعل إيمسلاند، في ولاية سكسونيا السفلى، والثاني نيكار فبستهايم، في بادن ـ فورتيمبيرج، وثالثها وأكبرها هو مفاعل إيزار 2 في بافاريا والذي يقول مشغلوه إنه حطم الرقم القياسي عالمياً من حيث القدرة إذ أنتج أكثر من 400 مليار كيلو واط/ ساعة على مدى سنوات تشغيله.
كل هذا وحقيقة أن ألمانيا لم تشهد خلال أكثر من 60 عاماً من استخدام الطاقة النووية سلمياً أي كارثة نووية أو حادث يستوجب الذكر لم يشفع للمفاعلات الثلاثة الأخيرة كي تستمر ولو لبضع سنوات قليلة.
الأغلبية ضد القرار
وظهرت في الأسابيع القليلة الماضية أصوات تنادي باستمرار العمل في المنشآت النووية لإنتاج الكهرباء لعدة أعوام أخرى.
وأظهر استطلاع للرأي أجرته قناتا RTL وn-tv، قبل أيام، أن الأغلبية في ألمانيا تؤيد استمرار الاعتماد على الطاقة النووية بشكل ما، حيث وافق 43% ممن شملهم الاستطلاع على استمرار العمل في المنشآت النووية لإنتاج الكهرباء في السنوات القليلة القادمة، وطالب 25% بإعادة تشغيل مفاعلات تم إغلاقها من قبل.
وتلقفت المعارضة وعلى رأسها الحزبان المسيحيان الديمقراطي والاجتماعي هذا المزاج الجماهيري وعزفت له على "سيمفونية الطاقة النووية" التي لا تتسبب في انبعاثات الغاز الضار، خاصة أن الحرب الروسية مستمرة وقد تتعمق معها أزمة الطاقة مستقبلاً.
وأشارت المعارضة أيضاً إلى أن دولاً أوروبية جارة مثل فرنسا وفنلندا والسويد تعول بقوة على الطاقة النووية وأن العالم سيسخر من قرار الحكومة الألمانية، ولا يمضي يوم دون أن يغرد قادة الحزبين المسيحيين أو يصرحوا لوسائل الإعلام بانتقادهم للخضر والحكومة عموماً متهمين إياها باتخاذ قرارات أيدولوجية ليست مستندة إلى واقع الحال.
في المقابل، يرى الاشتراكيون الديمقراطيون والخضر أن الحزبين المسيحيين الديمقراطي والاجتماعي يطلقان شعارات شعبوية، بالرغم من أنهما كانا في الحكومة عند اتخاذ القرار الأساسي لإنهاء العمل بالطاقة النووية في العام 2011 بزعامة أنجيلا ميركل آنذاك.
وتشير الناطقة باسم وزارة الاقتصاد الألمانية بيآته بارون، إلى أن "فرنسا شهدت صعوبات وتحديات كبيرة في العام 2022 وأغلقت الكثير من مفاعلاتها في العام الماضي، إما لخلل فيها أو لنقص المياه اللازمة لتبريد المفاعلات بسبب جفاف بعض الأنهر فيها"، لافتة إلى أن "فرنسا استقبلت الكهرباء من ألمانيا بدلاً من أن تصدر لها".
الحزب الليبرالي يميز موقفه قليلاً عن رفيقيه في الائتلاف، وينادي بإبقاء المفاعلات النووية الثلاثة كاحتياط وعلى أهبة الاستعداد في حال اقتضت الحاجة لتشغيلها. وهو ما يراه خبراء الطاقة والاقتصاد بديلاً مكلفاً وغير عملي، فهو سيبقي طواقم العمل في المنشآت النووية تعمل دون أي ناتج.
ألمانيا والطاقة النووية
مصير الطاقة النووية في ألمانيا بدأ بالترنح بعد كارثة مفاعل تشيرنوبل بالقرب من كييف عام 1986، ولكن النهاية حددتها كارثة فوكوشيما أعقاب الزلزال الضارب في اليابان عام 2011.
وبالعودة قليلاً في تاريخ الطاقة النووية، نرى أن الحكومة الأولى التي شارك فيها الخضر إلى جانب "الاشتراكي الديمقراطي" ما بين عامي 1998 و2005 هي التي فتحت الباب لسن قوانين التخلي عن الطاقة النووية بتحديد سقف زمني لا يتعدى 32 عاماً من التشغيل لكل المفاعلات.
إلّا أن حكومة ميركل الثانية (2009ـ 2013) والمكونة من الحزبين المسيحيين الديمقراطي والاجتماعي والحزب الليبرالي عادت في العام 2010 مدعومة برضا المواطنين عن مجرى الطاقة النووية في البلاد لتمديد فترة تشغيل المفاعلات النووية والإيحاء باستمراريتها لفترة طويلة من الزمن، باعتبارها طاقة منتجة ورفيقة بالبيئة حسب التقديرات آنذاك.
أما كارثة فوكوشيما، فقلبت الموازين مرة أخرى وأعادت مشروع الطاقة النووية إلى دائرة الإمهال مع مصير الإغلاق المحتوم. وأقرّ البرلمان الألماني (البوندستاج) عام 2011 وبتأييد من غالبية ساحقة بين الشعب الألماني بأن يكون يوم 31 ديسمبر 2022 هو اليوم الأخير لتوظيف الطاقة النووية في توليد الكهرباء في ألمانيا.
منذ ذاك بدأ الانسحاب المنظم، فأغلقت مباشرة كل المفاعلات النووية التي كتب في شهادة ولادتها العام 1980 أو ما قبله لتلحق بالمفاعلات التي بنيت في ألمانيا الديمقراطية السابقة وأغلقت إثر الوحدة الألمانية مطلع التسعينات، أما بقية المفاعلات فأغلقت تباعاً وتراجع عدد المفاعلات من أصل 37 إلى 3 بحلول العام 2022. وتراجعت حصة الطاقة النووية من إنتاج الكهرباء من نحو 30% في العام 1998 لتصل إلى 5% فقط بحلول العام 2023.
في ذات الوقت، ارتفعت حصة الطاقات المتجددة وخاصة من حقول طاقة الرياح على اليابسة والشواطئ في إنتاج الكهرباء لتبلغ 53% حالياً فيما تهدف الحكومة الحالية التي يشارك الخضر فيها إلى جانب الاشتراكي الديمقراطي والليبرالي إلى إيصال هذه الحصة إلى 80% في الأعوام القليلة القادمة، فيما يسمى بالتحول الطاقي.
تأثير الغزو الروسي
مع بدء الحرب الروسية في أوكرانيا والمواجهات المباشرة بين عقوبات الغرب الداعم لأوكرانيا وتشدد روسيا مالكة الغاز والطاقات الرخيصة بدأت حرب موازية على صعيد الطاقة، فتارة فكر الأوروبيون بحظر الغاز الروسي وتارة أخرى أحجمت موسكو عن ضخ الغاز باتجاه ألمانيا وشقيقاتها الأوروبية إلى أن وقع تفجير أنبوبي (نوردستريم 1 و2) في قاع البحر ليدفن معه أي إمدادات روسية.
هنا سعت أوروبا وفي مقدمتها ألمانيا إلى تنويع مواردها من الغاز وبقية حوامل الطاقة من فحم ونفط لتؤمن احتياجات صناعتها من جهة وتدفئة المنازل والمباني لفترة شتاء (2022-2023) على الجهة الأخرى.
وبعد شد وجذب بين وزيري الاقتصاد (الخضر) روبيرت هابيك ووزير المالية الليبرالي كريستيان ليندنر، قرر المستشار الألماني أولاف شولتز بصفته من يضع الخطوط العريضة للسياسة بأن يتم تمديد العمل في المفاعلات النووية الثلاثة المتبقية (إيزار 2، إيمسلاند، نيكارفيستهايم 2) وحتى الخامس عشر من أبريل 2023، لدعم مزيج الطاقة، وها هو الموعد يدرك الجميع الآن.
فوائد وأضرار
ما يُميّز الطاقة النووية أنها تنتج الكهرباء دون انبعاثات غازية ضارة بشكل كبير وأنها تساهم في تدعيم مزيج الطاقة في ألمانيا عندما تغيب الشمس أو تهدأ الرياح كما يقول مؤيدوها الذين يستشهدون بأنها كانت آمنة جداً حتى الآن.
في المقابل، يرى المعارضون ومن ضمنهم منظمة "جرينبيس" للسلام الأخضر أن الطاقة النووية محفوفة بالمخاطر التي لو وقعت لن يستطيع أحد حماية البشر منها بسهولة، وأنها مكلفة في البناء ومكلفة في التفكيك بعد تقادم المنشآت وتخلف نفايات نووية مشعة لـ30 ألف جيل من البشر، كما صرّحت وزيرة البيئة شتيفي ليمكه قبل أيام.
ويقول خبير الطاقة في "جرينبيس" هاينز سميتال، إن الطاقة النووية تسد الطريق أمام تطور الطاقات المتجددة، ويستشهد بالنهضة الكبيرة التي شهدتها صناعة الفوتوفولتيك (الكهروضوئية) وتوربينات الرياح بعد الحكومة الأولى للخضر عام 1998، بحيث أصبحت ألمانيا رائدة في هذه الصناعة، إلّا أنها ومع تعويل حكومات ميركل الأولى والثانية على الطاقة النووية تراجعت لتسبقها دول أخرى من بينها الصين.
أما الآن ومع توديع الطاقة النووية نهائياً فإن الفرص كبيرة أمام عودة قوية لألمانيا كموقع صناعي على خارطة الخلايا الشمسية وتوربينات الرياح وغيرها من تقنيات الطاقات المتجددة.
لا رجعة عن الإغلاق
بدورها، تراهن الحكومة على تغيّر مزاج المواطنين عبر طمأنتهم على كفاية إمدادات الطاقة والكهرباء خصوصاً في السنوات القادمة.
وتعتقد الحكومة أنها ستنجح في تأمين شتاء قادم بلا نقص أو ارتفاع في أسعار الطاقة من جديد، مستندة إلى تعاقدها مع دول مثل هولندا والنرويج وأخرى في الشرق الأوسط كقطر والإمارات لإمدادها بالغاز أو الهيدروجين الأخضر مستقبلاً، وبنت 4 منصات لاستقبال الغاز المسال بسرعة قياسية، وهي على يقين بأن المواطن الألماني سيعود إلى تأييد التخلص من أخطار الطاقة النووية وتبعات نفاياتها المشعة.
ويرى خبراء الطاقة والبيئة على حد سواء بأن العودة للطاقة النووية ليست بالأمر السهل حتى ولو تغير الائتلاف الحكومي بعد سنوات، فالعودة تتطلب تخطيطاً طويل الأمد وكلفة مالية باهظة وقد لا تكون من حيث المبدأ سانحة إن نهضت الطاقات المتجددة الرفيقة بالبيئة وأوفت بما هو موعود. ويستنتج هؤلاء بأن الأمر قد قضي وأن الآخرين في أوروبا وخارجها لا شك سيلحقون بألمانيا ولو بعد حين.
*كاتب صحافي ومدير مركز برلين للإعلام
اقرأ أيضاً:




