
بعد فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعريفات جمركية على عشرات الدول، من المتوقع أن تشهد قطاعات السيارات والملابس والإلكترونيات، وغيرها من السلع اليومية زيادات في الأسعار بصورة شبه فورية في الولايات المتحدة، بحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست".
وفرضت واشنطن رسوماً جمركية متبادلة على أكثر من 180 دولة. وقال ترمب إن كل معدل يُمثل نحو نصف إجمالي الرسوم المفروضة.
ويقول خبراء اقتصاد إن الرسوم الجمركية الشاملة ستؤدي إلى ارتفاع تكاليف كل ما يشتريه المستهلكون الأميركيون تقريباً، فيما يتوقع ارتفاع سعر هواتف "آيفون" التي تصنعها شركة "أبل" بأكثر من 40%.
الفواكه والخضروات ومنتجات البقالة
تأتي معظم الفواكه والخضراوات الطازجة في المتاجر الأميركية من المكسيك وكندا، اللتين لم تُطبق عليهما أحدث جولة من الرسوم الجمركية؛ لكن من المرجح أن تكون السلع ممتدة الصلاحية، مثل السكر والأرز والحساء الجاهز والمكسرات، من بين أولى السلع التي تشهد ارتفاعاً في أسعارها في متاجر البقالة.
ففي كل عام، على سبيل المثال، تستورد الولايات المتحدة نحو 95% من زيت الزيتون المُستهلك في البلاد. ويأتي معظمه من الاتحاد الأوروبي، حيث كبار المنتجين في إسبانيا وإيطاليا واليونان، على الرغم من أن الولايات المتحدة استوردت أيضاً زيت الزيتون من تركيا والأرجنتين، وفقاً لوزارة الزراعة الأميركية. وتخضع كل من تركيا والأرجنتين لرسوم جمركية بنسبة 10%.
وتعتمد الولايات المتحدة إلى حد كبير على السكر المستورد من جمهورية الدومينيكان (17%)، والبرازيل (14%)، والفلبين (13%)، وفقاً لتقديرات وزارة الزراعة الأميركية. وتواجه جمهورية الدومينيكان والبرازيل رسوماً جمركية بنسبة 10%، بينما فُرضت رسوم جمركية بنسبة 17% على الفلبين.
وقالت وزارة الزراعة الأميركية إن أكثر من 60% من واردات الأرز تأتي من تايلندا والهند وباكستان، التي تواجه رسوماً جمركية بنسبة 36% و29% على التوالي.
وأفادت وزارة الزراعة الأميركية أن نحو 88% من إجمالي واردات الأفوكادو إلى الولايات المتحدة بين عامي 2019 و2021 جاءت من المكسيك، بينما استوردت الولايات المتحدة منتجات زراعية من المكسيك بقيمة 45 مليار دولار تقريباً في عام 2023، بما في ذلك الفراولة والتوت والطماطم.
وقالت دينا ديسينسو، وهي شريكة في ملكية شركة "ريند" للجبن النباتي، التي تُصنّع منتجات مصنوعة يدوياً باستخدام الكاجو من الهند والبرازيل، إن موردها حذّر بالفعل من ارتفاع الأسعار بنسبة تصل إلى 25%.
وأضافت في تصريحات لصحيفة "واشنطن بوست": "لا أعرف إلى أي حد يمكننا رفع الأسعار، لكننا لن نستمر في العمل طويلاً إذا اضطررنا لتغطية تكلفة هذه الرسوم".
وأشارت إلى أنه حتى منتجاتها المصنوعة في الولايات المتحدة، التي تشمل سلسلة أجبان نباتية مصنوعة من مكونات أميركية، تواجه تحديات سياسية، لأن مزارعي الخضراوات الذين تعمل معهم يجدون صعوبة في إيجاد عمال لقطف المحاصيل؛ بسبب الحملة التي تشنها إدارة ترمب على الهجرة.
القهوة والشوكولاتة
قهوة الصباح التي يحتسيها الأميركيون، وتأتي كلها تقريباً من الخارج يمكن أن تتأثر بأكبر زيادات في الأسعار. فعلى سبيل المثال، تستورد "جرافيو" (Graffeo)، وهي سلسلة محامص قهوة في سان فرانسيسكو تأسست عام 1935، شحنات يومية من حبوب البن الأخضر من كولومبيا وكوستاريكا وبابوا غينيا الجديدة، وباتت تخضع لرسوم جمركية بنسبة 10%.
ونقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مالك سلسلة والتر هاس قوله: "بمجرد تطبيق الرسوم الجمركية، سنشعر بها فوراً حرفياً في اليوم التالي".
وأشار هاس إلى أنه رفع الأسعار بالفعل بنسبة 8% هذا العام لتعويض ارتفاع التكاليف، مضيفاً: "ستؤثر الرسوم الجمركية بشكل مباشر على أسعار القهوة، وإذا استمرت، فستُضاف هذه التكاليف بشكل دائم إلى السعر الذي يدفعه المستهلكون".
في عام 2023، استوردت الولايات المتحدة من أميركا اللاتينية نحو 80% من حبوب البن التي تحتاجها، وتأتي معظم واردات البن من البرازيل (35%) وكولومبيا (27%)، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة الأميركية، فيما يواجه كلا البلدين زيادة في الجمارك بنسبة 10%.
وتُستورد حبوب الكاكاو، المستخدمة في إنتاج منتجات الشوكولاتة، بشكل كبير من كوت ديفوار والإكوادور وغانا، التي تواجه رسوماً جمركية بنسبة 21% و10% و10% على التوالي، بينما تستورد زبدة الكاكاو في الغالب من إندونيسيا وماليزيا، ويواجه البلدان رسوماً جمركية بنسبة 32% و24% على التوالي.
الملابس والأحذية
ومن المتوقع أن تشهد صناعات الأحذية والملابس إحدى أكبر التداعيات المباشرة للتعريفات الجديدة، ويقول محللون إن هذه القطاعات تأثرت بشكل غير متوقع برسوم جمركية باهظة بلغت 46% على البضائع من فيتنام و37% على الواردات من بنجلاديش. وخلال السنوات الأخيرة، نقلت كبرى شركات التجزئة، مصانعها من الصين إلى فيتنام وبنجلاديش، لتجنب الرسوم الجمركية.
وتُقدّر لجنة التجارة الدولية الأميركية أن 37% من جميع واردات الأحذية، وهو ما تعادل قيمته نحو 9.5 مليار دولار في عام 2023 جاءت من الصين، التي قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الأربعاء، إنها ستُفرض عليها ضريبة إجمالية بنسبة 54%.
ومن المتوقع أن تتأثر إلى حد كبير أيضاً أسعار الملابس التي تبيعها متاجر الأزياء السريعة مثل Gap، وH&M بالإضافة إلى الملابس التي تبيعها أمازون، و"تارجت" (Target)، و"ولمارت" (Walmart).
بالإضافة إلى ذلك، تعمل إدارة ترمب على سد ثغرة كانت تسمح لشركات صينية كبرى مثل "Shein"، و"Temu" بتجنب الرسوم الجمركية، بموجب إعفاء "الحد الأدنى" الذي يعفي الطرود التي تقل قيمتها عن 800 دولار من التعريفات الجمركية.
وبموجب القواعد الجديدة، ستُفرض رسوم جمركية على تلك الشحنات الواردة من الصين بنسبة 30% من قيمتها، أو 25 دولاراً أميركيا لكل قطعة، وفقاً لما ذكره البيت الأبيض هذا الأسبوع.
تضاف هذه الإجراءات الإضافية إلى الضرائب الباهظة بالفعل على واردات الملابس، خاصةً الملابس النسائية. ففي العام الماضي، كانت جميع الملابس المباعة في الولايات المتحدة تقريباً بنسبة 97% تأتي من الخارج.
وقال رئيس الجمعية الأميركية للملابس والأحذية ستيف لامار، في بيان، الأربعاء: "للتوضيح، الرسوم الجمركية هي ضرائب تتحملها الشركات الأميركية التي تستورد السلع والأسر الأميركية الكادحة التي تشتريها".
وأضاف: "كان متوسط الرسوم الجمركية على الملابس والأحذية والإكسسوارات، وهي ضروريات يجب على كل أميركي شراؤها، أعلى بالفعل بأكثر من 5 أضعاف من الرسوم الجمركية على واردات الولايات المتحدة الأميركية".
السيارات
يتوقع تجار السيارات، الذين يكون لديهم عادةً ما يكفي شهراً أو شهرين من المركبات في المخازن، ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار السيارات بحلول فصل الصيف. ومن المرجح أن تكون العلامات التجارية للسيارات العائلية الشهيرة مثل تويوتا وهوندا وسوبارو، التي تعاني من نقص حاد في المخزون، أول المتضررين.
لكن في نهاية المطاف، ستتأثر جميع السيارات تقريباً. والعام الماضي كان ما يقرب من نصف السيارات المُباعة في الولايات المتحدة مستوردة من الخارج. وحتى السيارات التي جُمعت محلياً كانت تحتوي على بعض القطع أجنبية الصنع على الأقل. وستختلف زيادات الأسعار، لكن محللين يتوقعون متوسط هامش ربح يبلغ نحو 6000 دولار أميركي للسيارة الواحدة.
وقال تشارلي تشيسبرو، وهو كبير الاقتصاديين في شركة "كوكس أوتوموتيف" (Cox Automotive) الأميركية لأبحاث السيارات، لصحيفة "واشنطن بوست": "سنشهد ارتفاع الأسعار على الفور تقريباً"، مضيفاً: "بعض السيارات ذات الأسعار المعقولة، مثل سيارات الدفع الرباعي المدمجة تُصنع خارج البلاد، لذا ستكون الأكثر تأثراً".
وسارعت شركات للتكيف مع الوضع الجديد. وأعلنت شركة "ستيلانتس" لصناعة السيارات أنها ستسرح مؤقتاً عمالها الأميركيين وستغلق مصانعها في كندا والمكسيك، بينما أعلنت جنرال موتورز أنها ستزيد إنتاجها في الولايات المتحدة.
وأعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الخميس، عن مجموعة محدودة من التدابير المضادة للرسوم الجمركية الأميركية، ووصف سياسات الحماية التي ينتهجها الرئيس ترمب بأنها مأساة للتجارة العالمية.
وذكر كارني أن الحكومة الكندية ستطبق النهج الأميركي نفسه بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على جميع المركبات المستوردة من الولايات المتحدة غير المتوافقة مع اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
الإلكترونيات
حتى تولي ترمب منصبه في يناير، لم تكن هواتف أيفون ومعظمها مصنوع في الصين، تخضع لأي رسوم جمركية. والوقت الراهن تواجه الشركة تعريفة جمركية بنسبة 54% على أجهزة آيفون المستوردة من الصين. وربما يضيف هذا نحو 250 دولاراً أو أكثر إلى سعر جهاز آيفون بقيمة 1000 دولار، مع أنه لم يتضح بعد حجم تكاليف التعريفة الجمركية التي ستظهر في أسعار المستهلكين، وفقاً لخبراء اقتصاديين ومحللين في القطاع.
كما تُستورد العديد من الأجهزة الإلكترونية المنزلية الأخرى، ويشمل ذلك أجهزة التلفزيون والحاسوب والساعات الذكية وألعاب الفيديو، بشكل كبير من الصين أو دول آسيوية أخرى تأثرت بإعلان البيت الأبيض، الأربعاء.
ومن المرجح أن يدفع المستهلكون المزيد مقابل هذه المنتجات خلال الأشهر المقبلة، مع أن نطاق زيادات الأسعار غير واضح حتى الآن.
وقال جاري شابيرو، الرئيس التنفيذي لجمعية التكنولوجيا الاستهلاكية (CTA)، وهي مجموعة تجارية صناعية تضم شركتي أبل وسامسونج، إن "التعريفات الجمركية العالمية الشاملة و(المتبادلة) التي فرضها الرئيس ترمب تُمثل زيادات ضريبية هائلة على الأميركيين".
فيما قدر إد برزيتوا، نائب رئيس التجارة الدولية في الجمعية، أن مخزونات التجزئة الحالية من الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية في الولايات المتحدة قد تكفي لمدة تتراوح بين 3 و4 أشهر.
وأضاف أن هذا يعني أن الرسوم الجمركية ستبدأ في زيادة الأسعار التي يدفعها الناس مقابل تلك المنتجات خلال موسم التسوق للعودة إلى المدارس في الصيف والعطلات.
وأفاد محللون من شركة "روزنبلات" للأوراق المالية في مذكرة، الخميس، أن شركة أبل ستحتاج إلى زيادة أسعار العديد من منتجاتها لتعويض تكاليف تُقدر بـ39.5 مليار دولار من الرسوم الجمركية، نظراً لاعتماد الشركة بشكل كبير على التصنيع في الصين، بحسب مجلة "فوربس" الأميركية.
وتشمل الزيادة 43% في أسعار أجهزة أيفون وساعات أبل، و42% في أسعار أجهزة آيباد، وزيادة بنسبة 39% في أسعار سماعات إيربودز وأجهزة ماك. وكانت الشركة طرحت طرازاً أرخص من أيفون في فبراير بسعر 599 دولاراً، سيرتفع إلى نحو 856 دولاراً بعد زيادة بنسبة 43%، بينما سيقفز سعر أيفون 16 برو ماكس، الأغلى ثمناً إلى 2300 دولار.
سلع أخرى
وأبلغت جمعية الألعاب "مجلة فوربس" بأن نحو 80% من الألعاب المستوردة إلى الولايات المتحدة تأتي من الصين. وأشارت شركة "ماتيل" لاستيراد ألعاب الأطفال وألعاب الفيديو في إعلان أرباحها للربع الرابع إلى أنها تعتزم رفع أسعار ألعابها، ويشمل ذلك منتجات باربي و"هوت ويلز" استجابة للرسوم الجمركية المفروضة على الصين، التي تمثل مصدر نحو 40% من سلعها.
وأفادت وزارة الزراعة الأميركية بأن النبيذ المُنتَج في دول الاتحاد الأوروبي سيُواجه رسوماً جمركية بنسبة 20%، حيث كانت فرنسا وإيطاليا أكبر مُورّدين للولايات المتحدة في عام 2021، على الرغم من أن بريطانيا ونيوزيلندا والأرجنتين وأستراليا كانت أيضاً من بين أكبر مستوردي النبيذ. وتواجه كل من هذه الدول رسوماً جمركية بنسبة 10%.
وتُعدّ كندا أكبر مُصدّر للحوم إلى الولايات المتحدة، حيث بلغت قيمة وارداتها نحو 14 مليار دولار أميركي في عام 2023. وتشمل الواردات الكندية الأخرى لحوم البقر ولحم الخنزير، والحبوب والأعلاف والبذور الزيتية، وفقاً لوزارة الزراعة الأميركية.
وحذّرت الحكومة الكندية سابقاً من أن الرسوم الجمركية قد ترفع أسعار منتجات الألبان مثل الحليب والجبن والبيض، بالإضافة إلى معاطف الشتاء والأواني الزجاجية والأجهزة المنزلية مثل الأفران والمواقد والميكروويف.