
غلبت الدموع الفلسطيني أحمد سالم، وهو يتذكر كيف كان المستوطنون الإسرائيليون يضربون أشجار الزيتون العزيزة على قلبه بالعصي، ويهربون ومعهم الثمار، وقال إنه خشي التعرض للهجوم إذا حاول التدخل.
على مدى عقود، دأب المستوطنون على ترهيب الفلسطينيين أثناء موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية المحتلة، لكن هذا العام، بحسب فلسطينيين ومنظمات حقوقية إسرائيلية والأمم المتحدة، لم تتصاعد حدة العنف فقط، بل انتشرت عمليات سرقة المحصول على نطاق واسع.
وقال أحمد سالم (50 عاماً) لـ"رويترز" عن الواقعة، التي حدثت قبل نحو أسبوعين قرب قرية اللبن الغربي التي يعيش فيها، إن المستوطنين أفرغوا محصوله من الزيتون في أكياس ثم نقلوه إلى موقع استيطاني قريب ليتم عصره وتحويله إلى زيت.
ولم يرد مستوطنان يمتلكان معصرة زيتون تستخدم لعصر المحصول المزروع بالضفة الغربية، على طلبات متكررة من "رويترز" للتعليق.
كما لم يستجب مجلس يشع، الذي يشرف على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، لطلبات التعقيب.
وتسارعت وتيرة الهجمات قبيل الانتخابات الإسرائيلية، المقررة الأسبوع المقبل، والتي تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال خسارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وائتلافه الداعم للمستوطنين، فيها أمام منافسين اتخذوا موقفاً أكثر انتقاداً لعنف المستوطنين.
125 اعتداءً.. و168 واقعة سرقة للزيتون
يبدأ موسم حصاد الزيتون مع انخفاض درجات الحرارة، ما يسمح للعائلات الفلسطينية بالتجمع في البساتين الوارفة، والتي تعهدتها بالرعاية جيلاً بعد جيل، ومع إنشاء مئات المواقع الاستيطانية الصغيرة في ظل حكومة نتنياهو منذ عام 2022، قيّد الجيش الإسرائيلي وصول الفلسطينيين إلى المناطق المجاورة بشكل متزايد، بما في ذلك الكثير من بساتين الزيتون.
وقالت زيف شتال، المديرة التنفيذية لمنظمة "Yesh Din" الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان: "أدى ذلك إلى وضع لا يستطيع فيه الفلسطينيون، في كثير من الحالات وعلى مساحات واسعة من الأراضي، لا سيما القريبة من المستوطنات والمواقع الاستيطانية، الوصول إلى أراضيهم وقطف ثمار أشجارهم".
وأضافت: "لكن المستوطنين يستطيعون التحرك بحرية، وهذا ما يفعلونه".
وحتى عندما يتمكن الفلسطينيون من الوصول إلى أشجارهم، فإن ذلك لا يخلو من الأخطار.
وأفادت منظمة Yesh Din، الأربعاء، بوقوع 125 اعتداء جسدي على فلسطينيين يجمعون ثمار الزيتون خلال 24 يوماً منذ بداية موسم الحصاد، و168 واقعة سرقة للمحصول، مع وجود قوات من الجيش الإسرائيلي في 25% من الحالات على الأقل.
وصرح مسؤول عسكري إسرائيلي بأن الجيش يتعامل بجدية مع أعمال العنف والأنشطة الإجرامية ومحاولات تقويض الأمن.
لكن لم يتطرق المسؤول إلى المستوطنين، أو يعلق على التقارير التي تفيد بسرقة الزيتون في وجود قوات من الجيش.
وفي وقائع منفصلة، اقتلع الجيش أشجاراً باستخدام جرافات، مبرراً ذلك بأنه "ضروري لمنع هجمات فلسطينية".
وأثار الاستيلاء على محصول الزيتون ردود فعل متباينة من حاخامات إسرائيليين، إذ قال زئيف ويتمان، حاخام مستوطنة ألون شفوت جنوبي بيت لحم: "أسميها سرقة.. من وجهة نظري، أعتبرها سرقة أو سطو، وهي محرمة".
في المقابل أجاز الحاخام الأرثوذكسي البارز، دوف ليئور، للمستوطنين قطف الزيتون في جميع أنحاء الضفة الغربية، مؤكداً، في رسالة مفتوحة، أن الفلسطينيين "ليس لديهم حقوق ملكية في الأرض، وأن جني الزيتون يحقق فريضة استيطان الأرض"، على حد زعمه.
دعوات إسرائيلية لسرقة الزيتون
وأُحيطت مئات الأفدنة من الأراضي المحيطة بقرية سالم، اللبن الغربي، بسياج واستولت عليها بين عامي 2023 و2026 مزرعة أفيخاي، وهي موقع استيطاني إسرائيلي أُقيم على تل قريب.
وتشمل تلك الأراضي بساتين زيتون، وقال سالم إن سكان القرية شاهدوا المستوطنين يقطفون الزيتون من الأرض التي جرى الاستيلاء عليها، وينقلونه إلى معصرة في الموقع الاستيطاني.
ومع بدء موسم حصاد الزيتون، نشر مستوطنون على وسائل التواصل الاجتماعي دعوات للإسرائيليين لحصاد زيتون الضفة الغربية، وإحضاره إلى معصرة مزرعة أفيخاي.
جاء في رسالة على حساب على "تليجرام" أنشأته مجموعة مستوطنين: "زيت فاخر وفي الوقت ذاته تعزيز للسيطرة اليهودية على مساحات شاسعة من أرضنا!... إما نحن أو عدونا!".
وتروج معصرة المزرعة لمنتجات "فاخرة من إنتاج مزرعة أفيخاي"، وتبيع الزجاجة الواحدة من زيت الزيتون بنحو 20 دولاراً عبر موقع إلكتروني تديره رابطة المزارع، وهي مجموعة استيطانية أفادت "رويترز" بأنها تتلقى دعماً مالياً كبيراً من الحكومة الإسرائيلية، التي تقول إن "الهدف من ذلك هو تعزيز السلام".
وبموجب القانون الدولي المتعلق بالاحتلال العسكري، فإن المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي المحتلة خلال الحروب غير قانونية، وهو ما تؤيده هيئات الأمم المتحدة، وغالبية دول العالم.
خلال موسم الزيتون هذا العام، أعلنت السلطات الفلسطينية وفاة 3 فلسطينيين في هجمات يومية شنها مستوطنون متطرفون، وتسببت الهجمات في إصابة عدد من الصحافيين والدبلوماسيين الأوروبيين ورئيس بلدية فرنسي.
وذكرت شتال من منظمة Yesh Din الحقوقية الإسرائيلية إن العنف "جزء من حملة تطهير عرقي، تمهد الطريق لضم الضفة الغربية دون سكانها الفلسطينيين".
وتزعم إسرائيل، التي سبق أن بحثت فكرة الضم، أنها "تحقق في بعض الوقائع".
وأشار متحدث باسم الحكومة الإسرائيلية إلى أن الزيتون "الذي يقطفه يهودي في أرض أجداد الشعب اليهودي" لا يعد سرقة، وأن اليهود يملكون ويزرعون "ملايين أشجار الزيتون" في المنطقة.
وقال المزارع الفلسطيني سامر بن شمسي إن مستوطنين ملثمين هاجموه في 9 أكتوبر الجاري، في قرية بيتا الفلسطينية قرب نابلس، ثم هربوا مسرعين في شاحنة صغيرة محملة بمحصول الزيتون.
وأضاف بن شمسي: "الآن يسرقون دون رادع لأن هناك حكومة تدعمهم، وقوة جبارة تقف وراءهم؛ الجيش والشرطة في صفهم".
وأوضح أن المستوطنين النار على ساقه وضربوه وحطموا ممتلكاته، العام الماضي.
وتابع قائلاً: "ندفع ثمن الزيتون بالدم".








